الجزائر
يرصد السرعة ومدة السياقة وفترة الراحة

التاكوغراف في الجزائر… من النص القانوني إلى الرقابة الذكية على النقل المهني

نادية سليماني
  • 188
  • 0
ح.م
تعبيرية

تتوالى ردود الفعل الإيجابية نحو توجه وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل، لتفعيل جهاز قياس السرعة وزمن السياقة بالنسبة لمركبات الوزن الثقيل وحافلات نقل المسافرين، أو ما يعرف بـ”التاكوغراف”، الذي سيكون أهم جهاز للوقاية الاستباقية من حوادث المرور بالنسبة إلى المركبات الثقيلة والحافلات.
لم تعد السلامة المرورية في قطاع النقل المهني تحتمل الاكتفاء بالرقابة التقليدية أو انتظار وقوع الحادث حتى تبدأ عملية البحث عن المسؤوليات.
فمع تزايد الحاجة إلى ضبط سلوك سائقي الشاحنات والحافلات، يبرز جهاز «التاكوغراف» كإحدى الأدوات التقنية التي يمكن أن تنقل الرقابة على الطرقات من مجرد معاينة المخالفات إلى متابعة أكثر دقة لظروف القيادة ومدتها ومستويات الخطر المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، ثمّنت الجمعية الوطنية للممرنين المحترفين للسياقة توجه وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل نحو تفعيل جهاز قياس السرعة وزمن السياقة بالنسبة لمركبات الوزن الثقيل وحافلات نقل المسافرين، معتبرة أن الخطوة تمثل فرصة لتطوير منظومة السلامة المرورية، شرط أن تتجاوز حدود الإعلان إلى التطبيق الفعلي على أرض الواقع.

حين يتحول القانون إلى ممارسة
وترى الجمعية، التي تترأسها نبيلة فرحات، أن الإشكال لم يعد مرتبطا بغياب الأساس التشريعي، خاصة مع الإشارة إلى المادة 85 من القانون رقم 26-09 المتضمن قانون المرور الجديد، المنشور في العدد 36 من الجريدة الرسمية، إلى جانب الأحكام الواردة في المادة 49 من الأمر رقم 09-03 المعدل والمتمم للقانون رقم 01-14.
وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة، وفق هذا الطرح، “يجب أن تكون مرحلة تجسيد فعلي للنصوص القانونية، عبر توفير التجهيزات والآليات التقنية والتنظيمية التي تسمح بتحويل “التاكوغراف” إلى وسيلة رقابة حقيقية وفعالة”، على حد قول فرحات.

جهاز يرصد أكثر من السرعة
ولا تقتصر أهمية “التاكوغراف” على تسجيل سرعة المركبة، إذ يسمح أيضا بمتابعة مدة السياقة وفترات التوقف والراحة. وهذه المعطيات تكتسب أهمية خاصة في النقل المهني، حيث يمكن لساعات القيادة الطويلة دون راحة كافية أن تؤدي إلى الإرهاق والنعاس وتراجع التركيز وبطء رد الفعل.
ومن هنا، يمكن أن يصبح الجهاز وسيلة للوقاية من الحوادث قبل وقوعها، من خلال كشف عدم احترام أوقات السياقة والراحة، وليس مجرد أداة لتحرير المخالفات بعد ارتكابها.
كما أن حماية السائق نفسه، تعد من أهم الأهداف المنتظرة، لأن السائق المهني لا ينبغي أن يتحمل وحده نتائج ضغط المواعيد وطول المسافات وبرمجة الرحلات. فمسؤولية السلامة مشتركة بين السائق والناقل ومؤسسة النقل والجهات المكلفة بالرقابة.

السرعة ليست رقما واحدا
وتشير الجمعية، إلى أن مراقبة السرعة يجب أن تراعي طبيعة المركبة ووزنها ونوع الطريق. فبالنسبة لمركبات نقل الأشخاص التي تتجاوز تسعة مقاعد، تصل السرعة القصوى إلى 100 كلم/س على الطريق السيار و80 كلم/س خارج التجمعات و40 كلم/س داخلها.
أما مركبات نقل البضائع التي تتراوح حمولتها بين 3.5 و19 طنا، فتحدد السرعة بـ90 كلم/س على الطريق السيار و80 كلم/س خارج التجمعات و40 كلم/س داخلها، بينما تنخفض بالنسبة للمركبات التي تتجاوز 19 طنا إلى 80 كلم/س على الطريق السيار و70 كلم/س خارجه و40 كلم/س داخل التجمعات.
وتخضع مركبات نقل المواد الخطرة لقيود أشد، تصل إلى 70 كلم/س على الطريق السيار و60 كلم/س خارج التجمعات و30 كلم/س داخلها، مع ضرورة احترام التخفيضات المفروضة في بعض الظروف الجوية.

من المخالفة إلى تحليل السلوك
وتكمن القيمة الإضافية لـ”التاكوغراف” في إمكانية الانتقال تدريجيا من مراقبة لحظية إلى رقابة تعتمد على البيانات. فالمعطيات المسجلة يمكن، في إطار الضوابط القانونية، أن تمنح صورة أشمل عن رحلة المركبة، بما يسمح بتحديد أنماط القيادة الخطرة، وتكرار تجاوز السرعة، ومدد السياقة، وفترات الراحة والتوقف.
وهنا يمكن أن تتغير فلسفة الرقابة من «مخالفة ثم عقوبة» إلى «رصد الخطر ثم التدخل للوقاية».

“التاكوغراف” ليس الحل الوحيد
ورغم أهمية الجهاز، تؤكد الجمعية أن الحد من حوادث النقل المهني لا يمكن أن يتحقق بواسطة تقنية واحدة. فالسلامة منظومة متكاملة تشمل حالة السائق والمركبة، واحترام السرعة، ومدة السياقة، وفترات الراحة، والحمولة، وصيانة المركبات، والإطارات والمكابح، فضلا عن جودة الطرق وفعالية الرقابة.
لذلك، فإن تفعيل “التاكوغراف” يمكن أن يكون بداية لبناء منظومة وطنية للرقابة الاستباقية، تستفيد من البيانات في تحديد مصادر الخطر وتوجيه عمليات التفتيش والرقابة نحو الحالات الأكثر حاجة للتدخل.
وفي النهاية، تؤكد الجمعية أن الهدف من “التاكوغراف” يجب ألا يكون جمع أكبر عدد من المخالفات، وإنما تقليص أسباب الحوادث وحماية السائقين والركاب وجميع مستعملي الطريق.
فالمرحلة المقبلة، كما تلخصها الجمعية، ينبغي أن تكون انتقالا من النص إلى التطبيق، ومن الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية، ومن العقوبة اللاحقة إلى الوقاية المسبقة، ومن انتظار الحادث إلى محاصرة أسبابه قبل أن يتحول الخطر إلى مأساة.
الأساس التشريعي موجود.. والتحدي الحقيقي اليوم هو التجسيد.

مقالات ذات صلة