-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التجربة التركية.. في عين الإعصار

عبد الرزاق قسوم
  • 2732
  • 11
التجربة التركية.. في عين الإعصار

كنت، ولا أزال معتقدا، أن التجربة التركية الإسلامية، ببصماتها المتنوعة، النورسية والأربكانية، والكولنية، والأردوغانية، هي تجربة يجب أن تتخذ مثلا يحتذى.

فقد تجسدت هذه الثورة التغييرية السلمية، في جانبها الفكري الفلسفي، بقيادة سعيد النورسي، وفي مجالها التربوي الاجتماعي بتوجيه من فتح الله كولن، وعلى الصعيد السياسي الاقتصادي بزعامة الطيب رجب أردوغان، فقدمت للعالم صورة عن منهجية للتغيير بلا دماء أو دموع، في ظل الفهم الصحيح للإسلام.

 

ومما زاد التجربة التركية قيمة أنها خرجت من رحم تنظيم عسكري مستبد، كتم الأنفاس، وضيق على الناس حتى في الشكل واللباس، فجاءت الثورة التغييرية المستلهمة من واقعية الإسلام وسماحته، لتكون رد فعل إيجابي، أعاد للشعب التركي روحه المرصودة، وكرامته المفقودة، وحريته المنشودة.

لقد عانى الشعب التركي، عقودا طويلة من حكم العسكر، الذي جعل من تركياالرجل المريضوشعب الله المحتار، فانعكس ذلك على اقتصادها المتدهور، وعلى موقعها المتأخر، وعلى جيشها المتنمر.

واليوم إذ تعود تركيا إلى ذاتها الحضارية تعود معها الابتسامة إلى المُواطن، والاستقامة إلى المتساكن، والتنمية  المستدامة إلى كل الميادين والأماكن، والاستقرار في البوادي والمدائن.

فهذه الخدمة التي جعلها شعارا له التنظيم التركي الإسلامي تحت لواء الزعيم الروحي فتح الله كولن، قد فتحت آفاقا جديدة وسعيدة للعمل الإسلامي بحكمة وتربية حسنة، فشيدت المدارس والمؤسسات، وحشدت الإرادات الحسنة، في أعمال سبل الخيرات، فتكوّن جيل جديد، يتوق إلى البناء، وإلى حمل المشعل، بواقعية الإمكانات.

يغيب الإنسان عن تركيا، شهورا، فيعود إليها، ليجدها قد ازدهرت، في تجارتها واقتصادها، وعلاقاتها الاجتماعية، وما ذلك إلا بفضل أخلقة السياسة، وتقدم العلم والدراسة، وتنافس الجميع في الخير، بعيدا عن ملابسات الرئاسة.

ولقد هال أمر تركيا الحساد، وذوي الأحقاد، الذين لا يروقهم نجاح الأبناء والأحفاد، لتصحيح أخطاء الأجداد، فأخذوا يصيدون في الماء العكر، وينزغون نزغ الشيطان بين الإخوان، وهاهم يشيعون الفساد بين العباد، ويملأون القلوب بالمكائد والأحقاد، ويعملون على زرع الفتن بين المخلصين من قادة البلاد.

أتيح لي أن أزور تركيا حديثا، بدعوة كريمة من مجلة  حِراءالغراء، للمشاركة في اجتماع الخبراء لإعداد المؤتمر الدولي القادم حول الاجتهاد والقياس، وكنت واجف القلب مما تبثه وتبالغ فيه وسائل الإعلام المغرضة، من وجود شق في صفوف العاملين في الحقل الإسلامي، للنهوض بالوطن، فما وجدت _والحمد للهإلا العمل الدؤوب، والمواطن الطروب، والتنافس على إنجاز المرغوب للمطلوب.

فإذا كانت المدينة، تنفث أحيانا خبثها، وإذا كان لابد من إزالة الصدأ، عن بعض الأجهزة، فإن ذلك التطهير ينبغي أن يندرج فيالمراجعةلا فيالتراجع“.

إن تركيا في تجربتها الإسلامية الجديدة قد نجحت في شق طريقها الريادي على الصعيدين السياسي الاقتصادي، والاجتماعي التربوي، وأعطت مفهوما جديدا، لمعنى الربيع العربي، بعيدا عن العنف، والقصف، وذلك بالعناية بالحقول والعقول،  وزرعها بالصالح من النبت والأزهار، ليسود الاستقرار ويعم الازدهار.

ولا عيب أن تتم عملية التطهير بالقضاء على الفساد إذا أصاب بعض العقول، وعلى اجتثاث الخُشب المسنّدة، إذا هي عطلت نمو الحقول.

نعتقد أن تركيا قد ودعت إلى الأبد عصر القحط والجفاف، لتزيد من تنمية العدل والإنصاف. ولا أنجع أو أجدى من رص الصفوف داخل الحاملين للرسالة، والمؤتمنين على عمق انتماء السلالة.

فيا إخوتنا في تركيا!

نعيذكم بالله من السلب بعد العطاء، ومن الشتات بعد الإخاء، ومن شماتة الأعداء، فلا تتركوا للشياطين فرصة تعكير الأجواء، والعبث بما زرعه الآباء.

لقد رسمتم بعزمكم،  وحزمكم، خريطة طريق، وهي رسالة خالدة، فحذار أن تمسوها بسوء فتتحول إلى تجارة كاسدة، وبضاعة فاسدة. إن عيون المسلمين، وكل الإنسانيين، مشرئبة إليكم، فلا تخيبوا الآمال، بل إلى المزيد من صالح الأعمال.

إن الطريق طويل، والحمل ثقيل، والزاد قليل، ولكن العزم نبيل، فحذار، أن تحيدوا _يا إخوتنا الأتراكعن المنهج القويم، والسبيل السليم.

_وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ_ صدق الله العظيم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
11
  • فريد

    لا فض فوك وهذا الذي ينبغي التنبه اليه وعدم الاغترار كثيرا أما مجرد العمران والتطور المادي فلا يغني عن المبادئ وإلا فما أخبار مرمرة والتعدي اليهودي السافر وما أخبار التصنيع السلاحي بين تركيا واليهود...

  • منصور

    راني معاك الاخ مصطفى في كل ماتقوله لو تتوحد الجزائر وتركيا وبقية الدول الاسلامية فسنشكل قوة كبيرة في جميع المجالات لان الاتراك ومن هم على شاكلتهم لايعرفون الخيانة

  • مصطفى

    تركيا احسن مثال لنا في الجزائر فلما لانقوي علاقتنا مع هده الدولة الكبيرة والتي تربطنا معها عوامل تاريخية ودينية وجغرافية حتى ان لنا نفس التقاليد والعقلية تقريبا لو انصاعت تركيا للعرب لما تركها الصهاينة وعملائهم تتقدم خطوة واحدة لدالك وجب علينا اخد التجربة التركية والسير على نهجها فالاتراك اوروبيون ومسلمون ويفهموننا ونحن كدالك بالتالي المعاملة تكون مبنية على الصدق والامان والثقة المتبادلة ليت المسؤولين عندنا يركزون في تعاملاتهم مع هده الدولة العريقة بدل اللهث وراء الخونة من العرب

  • بدون اسم

    حفظ الله تركيا من شياطين ألإ نسي والجني وجعل كيد الأعداء والحساد في نحورهم

  • عبدالمالك

    بارك الله في شيخنا عبد الرزاق قسوم على هذه المقالة المعبرة عن شعور كل مسلم غيور على تركيا بلاد الإسلام الناهضة بعد كبوتها، والعائدة إلى أمتها بعد غربتها..

  • الفكر الباديسي

    فقدمت للعالم صورة عن منهجية للتغيير بلا دماء أو دموع، في ظل الفهم الصحيح للإسلام .
    ههههه اي فهم صحيح للإسلام تبا لهذا الزمن الرد يئ
    اصبح من هب ودب من مفكر وباحث يدلو بدلوه في المفهوم الصحيح للإسلام
    تركيا كانت دولة علمانية وجاء هؤلاء الخوارج فمكنوا لعلمانية جديدة بأسلوب اخر ظاهره الإسلام وباطنه فكر الخوارج وعلى هذا اتحدي اي كان ان يقول ان الإسلام سينتصر في هذا البلد بهؤلاء الخوارج

  • بدون اسم

    الكلام المسجوع لا يغنينا ياسيد قسوم الى النظر الى ان تركيا هي حليفة لاسرائيل والحلف الاطلسي وما ذللك التطور الذي تراه سوى نتاج انهم سمحوا لها بذلك واذا ارادت تركيا ان تتنصل من حلفها او ارادت شيئا غير ما ارادو سوف ترى ماذا سيحصل لتركيا انذاك

  • عبد الكريم السائحي

    أظن أن عبارة" في عين الإعصار " غير متوافقة مع ما جاء في المقالة ، فالتجربة التركية تتغرض للمؤامرة حقا، و لكنها لم تدخل الإعصار بله عينه.

  • مصطفى بوحاجب

    بسم الله الرحمان الرحيم،
    تعد تركيا بصيصا من نور في هذا الليل الحالك الذي تعيشه الأمة الإسلامية، و ذلك بما حققته من إنجازات مبهرة إن على الصعيد الاقتصادي أو التقني أو العمراني..، و لهذا السبب تحديدا تجد كل أعداء الإسلام من الداخل و الخارج يوجهون سهامهم المسمومة نحو تركيا، لأن نجاح تركيا و خروجها من دائرة التخلف و التبعية لهو الدليل العملي على فساد زعمهم بأن الإسلام دين التخلف و الإرهاب بل هو دين التطور و التسامح و الحضارة.

  • عاشق حبات رمال الوطن

    حسب فهمي البسيط المشكل هو بين نهج وجماعة كولن ضد جماعة اردوغان وهو اختلاف مشروع لن يكبر الى هده الدرجة لو لم يكن هناك تسلط او اقصاء او خروج عن النهج من الطرف الدي استئنس بالحكم ولم يشارك حليفه السابق كولن الدي اوعز صدره من عدوهم الحزب الحاكم السابق ودعم الطرف العربي بعد الجنون الاردوغاني المشكل عند المسلمين الولف صعيب والفراق ماقدرت عنو

  • Mohamed

    Vous connaissez mal l’histoire de la Turquie. Si la Turquie est devenue un pays démocratique, c’est justement grâce à 80 ans de kémalisme et de culture laïque. Atatürk a transformé la société turque en société civile, moderne et civilisée. M. Erdogan lui-même le reconnaît. N’a-t-il pas demandé aux Frères musulmans égyptiens d’accepter la laïcité? Si ces derniers l’avaient écouté, M. Morsi serait aujourd’hui président de l’Égypte, de tous les Égyptiens indépendamment de leurs sectes ou religions.