الرأي

التجنيس الإسباني للصحراويين…تصحيح خطأ تاريخي مركّب!

         في خريف عام 1975، وتحت وطأة ضغط المسيرة الخضراءوتحركات سياسية مكثفة، أقدمت إسبانيا على واحدة من أكثر القرارات إثماً وتجاوزاً في تاريخ علاقاتها الدولية. فبدلاً من الوفاء بواجبها القانوني والدولي بصفتها السلطة القائمة بالإدارة على الصحراء الغربية — وهو تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه الأصيل في تقرير المصير — اختارت مدريد الطريق الأسهل والأقصر: تفاوضت سراً ووقّعت اتفاقيات مدريد في 14 نوفمبر 1975، وبموجبها قسّمت الإقليم بين المغرب وموريتانيا، دون أي حضور أو تفويض أو رضا من الشعب الصحراوي.

لم تكتفِ إسبانيا بتسليم الأرض لغير أهلها، بل أضافت إليه ظلماً آخر لا يقلّ فداحة. ففي أوت  1976، أصدرت المرسوم الملكي الذي يمنح الصحراويين حق اختيار الجنسية الإسبانية، ثم  حددت مهلة سنة واحدة فقط لتقديم الطلبات — وهي الفترة التي كان الصحراويون فيها يفرّون من الاجتياح العسكري للجيش الملكي المغربي، وتتقطّع بهم السبل بين مخيمات اللجوء ومنافي الشتات. وهكذا صار الوعد بالجنسية مجرد حبر على ورق، وحرم عشرات الآلاف من حقهم، فبقوا لخمسين عاماً في عداد عديمي الجنسية، لا وطنًا يؤويهم ولا هوية تحميهم.

         في 10 سبتمبر 2026، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على ذلك الخطأ المركب، أقرّ البرلمان الإسباني قانوناً تاريخياً يمنح الجنسية الإسبانية لمن وُلد في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر 1977، ولأبنائهم وأحفادهم من الدرجة الأولى. لم يكن هذا القانون مجرد إجراء إداري يُمنح بموجبه ورقة هوية لفئة من الناس — بل هو اعتراف رسمي صريح بوقوع الظلم، ومحاولة متأخرة لجبر الضرر، وربما يكون نقطة الانطلاق الحقيقية لتصحيح خطأ 1975، وبداية مرحلة جديدة قد تُعيد كتابة مسار قضية الصحراء الغربية برمتها.

1- اتفاقيات مدريد.. خطأ قانوني وتاريخي لا يُغتفر

         لكي ندرك عمق ما فعله البرلمان الإسباني في 10 سبتمبر 2026، علينا أن نعود إلى الأساس الذي قام عليه النزاع. ففي أكتوبر 1975، وبعد دراسة مستفيضة، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري الحاسم: أكدت المحكمة أن لا علاقة قانونية لسيادة المغرب أو موريتانيا على الصحراء الغربية، وأن واجب إسبانيا هو تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير عبر استفتاء حر ونزيه.

         رغم هذا الحكم الدولي الواضح، تنازلت إسبانيا عن مسؤوليتها ووزّعت الإقليم بين المغرب وموريتانيا — فكان ذلك قراراً منفرداً لا يملك أي سند قانوني دولي. وبدا واضحاً منذ اللحظة الأولى أن اتفاقيات مدريد لا تُنشئ حقاً ولا تُزيل واجباً دولياً؛ هي مجرد تسوية منفردة  أقدمتها سلطة استعمارية في طريقها للرحيل، لا تملك بموجبها حق تقرير مصير شعب آخر.

         ومع ذلك، ظلّ هذا الوضع الشاذ قائماً لعقود. انسحبت إسبانيا وبقيت مسؤولة دولياً عن الإقليم؛ سلّمت الأرض لغير أهلها وبقيت تُدير سماءه بموجب قرارات الطيران المدني الدولي؛  وعدت الصحراويين بجنسيتها ثم خذلتهم وتركتها تُسلب منهم قبل أن يأخذوها. وهكذا ظلّ  الخطأ مستمراً ومتجدداً، وكأن الزمن قد توقف عند تاريخ التوقيع، فلا الأرض عادت لأصحابها، ولا الوعد بتحقيق العدالة تمّ تنفيذه.

         وجاء قانون 10 سبتمبر 2026 ليقول بصوت عالٍ: لقد أخطأنا عام 1975، وما تبع ذلك من حرمان لم يكن صواباً، واليوم نُصحّح ما استطعنا تصحيحه. فالقانون يعترف بحق الجنسية الذي سُلب بغير وجه حق، ويفتح الباب دون شروط تعجيزية، ويقبل بوثائق الأمم المتحدة والإحصاءات القديمة دليلاً — وكأنه يقول لكل من حُرم: “كنتم تستحقون هذا منذ خمسين عاماً، ونحن نعتذر ونُعطيكم إياه اليوم“.

2- توقيت استراتيجي في لحظة انهيار العلاقات المغربية

         لم يأتِ هذا القانون من فراغ، بل تزامن مع أسوأ مرحلة تمرّ بها العلاقات المغربية–الإسبانية في التاريخ الحديث. ففي 30 و31 جويلية 2026 — يوم عيد العرش — شهدت حدود سبتة ما وصفته مدريد بأنه هجوم منظم ومُدبّر؛ حيث اندفع آلاف الأشخاص اكثر من 70 الف شخص بشكل جماعي نحو الحدود، في خطوة بدا واضحاً أنها جاءت كورقة ضغط سياسية في ملفات متعددة.

         ذلك التصعيد كشف للإسبانيين حقيقة مرّة: التنازلات التي قدّمها رئيس الحكومة سانشيز في مارس 2022 حين أعلن تأييده لمخطط الحكم الذاتي المغربي — لم تُقابل بشراكة ولا تفاهم، بل بضغط وتصعيد على الحدود. وهنا اتضح أن السياسة التي اتبعتها الحكومة الإسبانية طوال سنوات — سياسة التنازل أملاً في ردّ مماثل — قد باءت بالفشل، وأن البرلمان بغالبية أعضائه قرّر تصويب المسار من تلقاء نفسه.

         وفي نفس الفترة، تتكشف صورة أوسع للمغرب وهو يعيش عزلة متزايدة: العلاقات مع الجزائر مقطوعة تماماً منذ سنوات، وتبدو غير مرشحة للتحسن؛ الملف الأمريكي في طريق مسدود — فبعد اجتماع السفارة الأمريكية بمدريد في فبراير 2026 الذي جمع الأطراف تحت رعاية المبعوث الخاص مسعد بولس، تحدّث الجميع عن لقاء حاسم في واشنطن شهر ماي ثم جوان — ولم يحدث شيء على الإطلاق. وحتى زيارة مستشار ترامب للجزائر في سبتمبر 2026، التقى خلالها كبار المسؤولين وتحدّث عن الطاقة والاستثمار — ولم يتطرق علناً كلمة واحدة للصحراء الغربية، وكأن واشنطن نفسها بدأت تُدرك أن فرض الحل من طرف واحد لم يعد ممكناً.

         ففي هذا الفراغ الدولي المتعثر، وتلك اللحظة التي بدا فيها الملف بأكمله على وشك التجمد — انطلقت إسبانيا من البوابة التي أغلقتها خطأً عام 1975: بوابة الإنسان الصحراوي. فبدلاً  من انتظار حلول سياسية تتعثر وتؤجل، قرّر البرلمان أن يُصحّح خطأه المباشر تجاه من لهم حق شخصي وواضح — فكان القرار صائباً في توقيته، عميقاً في دلالاته، ومُوجّهاً رسالة واضحة: إذا  تعذّر حل السيادة الآن.. فلنُعطِ الناس حقوقهم التي سُلبت منهم.

3- منح الجنسية.. انطلاقة تحرير وليس مجرد ورقة سفر

         قد يقول من يقرأ هذا العنوان الفرعي متسائلاً: كيف يكون قانون جنسية انطلاقة لتحرير وطن؟ والجواب يكمُن في طبيعة ما فعله هذا القانون، وما أحدثه من تحولات عميقة قد لا تظهر للعيان فوراً:

أولاً: لقد استعاد الصحراويون هويتهم المسلوبة. فأكثر من خمسون عاماً وهم يُعاملون كعديمي الجنسية، لا وثائق لهم ولا اعتراف قانوني. حين يحصل عشرات الآلاف — ومنهم من يقيم في  الأراضي المحررة ومخيمات اللجوء — على جنسية أوروبية من الدولة التي كانت مسؤولة عن  أرضهم، فإنهم يستعيدون رابطتهم التاريخية والإدارية التي حاول الجميع طمسها. وهذا يعني عملياً: الاعتراف بأن الصلة بين هذا الشعب وإسبانيا لم تنقطع باتفاقيات مدريد، وأن ما حدث عام 1975 كان خطأً لا يُلغي الحقوق الفردية.

ثانياً: لقد تغيّرت معادلة القضية برمتها. فبدلاً من أن تبقى قضية الصحراء الغربية مجرد نزاع على حدود وأرض بين دولتين — أصبحت هناك فئة من الناس تحمل جنسية دولة أوروبية كبرى، ولها حق اللجوء إلى القضاء والمؤسسات الأوروبية لحماية حقوقها. وهذا يمنح القضية بُعداً قانونياً وحمائياً جديداً لم يكن متوفراً من قبل، ويجعل من الصعب على أي طرف تجاهل وجود هؤلاء وحقوقهم.

ثالثاً: إسبانيا تراجعت ضمنياً عن صمتها وتنازلها. حين تُقرّ مدريد بأن المولودين في الصحراء الغربية قبل 1977 لهم حق أصيل في جنسيتها — فإنها تقول للمغرب وللعالم بصمتٍ أقوى من  الكلام: اتفاقياتكم التي تقاسمتم بها الأرض لم تُنهِ مسؤوليتنا تجاه أهلها، ولم تُلغِ صلتهم بنا. وهذه العبارة في حد ذاتها هي أقوى دليل على أن إسبانيا بدأت تُصحّح موقفها، وأن التنازلات التي قُدّمت للمغرب لم تعد قائمة على الإطلاق.

رابعاً: القانون يُعزّز الشرعية الدولية للجمهورية الصحراوية. فالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية ما زالت عضواً كاملاً في الاتحاد الإفريقي منذ عقود، وكانت من الدول المؤسّسة له؛ وعندما عاد المغرب إلى الاتحاد عام 2017 — فقد اعترف ضمنياً بوجودها. وأخيرا في الأمم المتحدة، صدرت الخريطة الجديدة التي تُعيد حدود المغرب إلى ما قبل 1975 وتُظهر الصحراء الغربية ككيان منفصل. وفي هذا السياق كله، يأتي قانون التجنيس ليقول: الشرعية لا تُقاس بمن يسيطر على الأرض مؤقتاً، بل بمن يملك الحقوق والتاريخ والوثائق والاعتراف الدولي.

4- تصحيح الخطأ.. أول خطوة على طريق العودة

         لن يُحرّر هذا القانون متراً واحداً من الأرض مباشرة. لن يُعيد الجدران ولا يُغيّر موازين القوى العسكرية بين ليلة وضحاها. ولكن ما سيفعله — وهو أعمق وأبقى — هو أنه يُحرّر الإنسان الصحراوي من عزلته الطويلة، ويُحرّر القضية من الصمت الذي فرضته اتفاقيات مدريد، ويُحرّر إسبانيا من خطئها التاريخي المستمر منذ خمسين عاماً.

         لقد تزامن هذا القرار مع تجمّد المسار الدولي برمّته: الملف الأمريكي في طريق مسدود، والمغرب يعيش عزلة متزايدة، والاتحاد الإفريقي ماضٍ في اعترافه بالجمهورية الصحراوية، وأمم المتحدة تُقرّ أخيراً بخريطتها التي تُعيد الحدود إلى ما كانت عليه. وفي وسط هذا الجمود الدولي، كان صوت البرلمان الإسباني هو الصوت الذي انكسر فيه الصمت الطويل، ليقول كلمة العدالة التي طال انتظارها.

         إن تصحيح خطأ عام 1975 لا يعني استعادة الأرض غداً. ولكنه يعني أننا بدأنا نعترف بأن ما حدث كان ظلماً، وأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن البداية الصحيحة لأي حل هي الاعتراف بالخطأ ثم العمل على تصحيحه خطوة بخطوة. وهكذا يكون قانون التجنيس الإسباني للشعب الصحراوي — مهما قيل عنه — هو نقطة الانطلاق الصحيحة؛ فمن أنصف الإنسان وأعاد إليه هويته، قادر يوماً على أن يُنصف الوطن ويُعيد إليه حقه. ولن تصحّ غاية لا تُدرَك إلا ببداية صادقة وشجاعة كتلك التي أقدم عليها البرلمان الإسباني في العاشر من سبتمبر عام 2026.

مقالات ذات صلة