-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

التخلّف.. ربما هو انحطاط أخلاقي؟

الشروق أونلاين
  • 6841
  • 12
التخلّف.. ربما هو انحطاط أخلاقي؟
ح. م

قد نتفق وقد نختلف في تعريف وتوصيف مفهوم “التخلف”، فهو ـ شأنه شأن الكثير من المفاهيم الاجتماعية والإنسانية والفلسفية الخاضعة لمعايير ومعطيات مختلفة حين العمل على “تعريفها” وتحديد تصوّرات خاصة بها، يجد المهتمون صعوبات في التحديد والتدقيق العلمي بشأنها. وعليه فإنني أتصور أن الأفضل أن نتجه إلى الجانب الإجرائي العمَلي، ونتحدث عن “التخلّف” في أبسط وأوضح تعريفاته.

يمكن القول أن التخلف هو “أن يوجد الإنسان/أو المجتمع في حالة ارتكاس وتأخر تمنعُه من أن يكون في المستوى الإنساني المطلوب”. وهذه هي ـ بالضبط ـ حالتنا في راهننا الاجتماعي والقيمي والإنساني. لدينا الكثير من الإمكانات والمقدّرات والثروات والموارد ولكننا نعاني من حالة “تخلّف” نكاد نجمعُ عليها كجزائريين، ويتصل هذا التخلف بكثير من مناحي حياتنا ونشاطنا وعملنا وأوجه عيشنا وسلوكنا، ومن هذا المنطلق أريد أن أقول إن التخلف لا يتصل بالضرورة بالنقص في الجانب المادي، وإن يكن جزءا منه، كما أنه لا يتصل بالجانب المعرفي والعلمي وإن يكن جزءا رئيسه.. وإنما ـ التخلف ـ يتصل أساسا بنمط التفكير وأسلوب الحياة والعيش، فكم من أشخاص لديهم إمكانات مادية كبيرة، ولكنهم في مراتب تخلّف وضيعة، من حيث أسلوب تفكيرهم ونمط سلوكهم وطرائق عيشهم. وكم من أشخاص لهم كمّ معرفي كبير في شكل شهادات ودبلومات وربما مناصب ومواقع قرار، ولكنهم في أدنى درجات الإنسانية والأخلاق ولا يملكون “سُلّم قيم” في الأساس، يصدق هذا على كثير من بني البشر في شتى بقاع الأرض، وبطبيعة الحال عندنا نحن أيضا في مجتمعنا الزاخر بألوان من “التخلّف” في كثير من مجالات الحياة ومناحيها .

ما قيمة ان يمتلك الإنسان الكثير في الجانب المادي والمعرفي /العلمي ولكنه يكذب، ويخدع، ويغش، ويسرق، وينافق، ويأخذ ما ليس له.

وما قيمة أن يكون في موقع قرار ومسؤولية وهو لا يشعر بغيره ولا يتفاعل مع مرؤوسيه، ومن هو مسؤول عنهم ولا يحس بهم، ولا يهتم لمشكلاتهم ومعاناتهم. 

-ما شأن الإنسانية بأشخاص هم أقرب إلى الوحوش الكاسرة، بلا قلوب رحيمة ولا مشاعر طيبة رقيقة، وبلا شعور إنساني رفيع. وحينئذ ما قيمة ما يمتلكون إن كان لا ينفع “الإنسان” فيهم في قليل أو في كثير. وهذا هو المشاهد والملموس في حياتنا وواقعنا . وما هذه الفجوة التي تتفاقم بين البشروتميّز بينهم سوى دليل دامغ على أن الرقي والتأخر لا صلة لهما بالمادة والمال والجاه والمنصب والرفعة(الدنيوية) المزيّفة، وإن يكن كلّ أؤلئك وسائل مفيدة وأدوات نافعة حين يتوفر “الإنسان”.

ليس اللباس الجميل والهندام المنظم البراق الغالي الأثمان هو من يصنع الرقي؟ 

وليس الإمكان المادي والمالي والعقاري والأملاك المختلفة هي من يُعلي من شأن شخص فيجعله متقدما ومتحضرا وراقيا.

 وليس المنصب الرفيع والمسؤولية السامية هي من يجعل الإنسان أثقل في ميزان التقدم والرقيّ والسموّ الإنساني، بل ـ على العكس من ذلك تماما ـ قد تجد شخصا متواضعا في علمه وثقافته ولكنه راق في سلوكه  وفهمه للحياة وعيشه الطيب الكريم وقناعته وابتهاجه بالحياة إقبالا وسعادة.

 وقد تجد شخصا لا يملك مالا ولا أملاكا ولكنه أسعد وأهنأ ما يكون، لقناعاته السليمة وأفكاره الجميلة عن الحياة والموت والإيمان والعيش الكريم. وهناك تاريخ إنساني طويل في هذا الشأن رُفع فيه أقوام بقيّمهم السامية رغم افتقارهم إلى كثير من المستلزمات الأخرى، وخُفض فيها أقوام وأفراد إلى ما دون مستوى البهيمة العجماء بالرغم من امتلاكهم لكل المقدّرات، ولستُ أتحدث هنا بالضرورة عن الغربيين ومدى ارتكاسهم الأخلاقي_الروحي إلى دركة صارت كنائسهم وأديانهم تبيح لهم “الزواج المثلي” وتعلي من شأن الشواذ والمنحرفين والمنحرفات، ولا تخجل بعض شعوبهم(الغربيون) أن يكون بعض رؤسائهم ذوي عشيقات وأصحاب شذوذ. 

التخلّف هو الارتكاس في إنسانية الإنسان والتراجع البشع في منسوب الرحمة والمودة والإنسانية والحنان والأخلاق في حياته. التخلّف هو أن يرتهن الإنسان لنزواته ولا يرى ولا يعبد إلا ذاته التي تتضخم حتى تنفجر سوءا وأذى وشهوات وأنانية وبغضا وكراهية، وهو شأن بعض الزعماء الذين لا يجدون حرجا في إبادة كاملة لشعوبهم من أجل أن يبقى زعيما ولو كان قاتلا ومجرما وملطخا بدماء الأطفال والنساء والشيوخ.

التخلف هو أن يتخلى الإنسان عن أجمل ما فيه؛ خاصة عن المقوّمات الأساسية التي تجعله “إنسانا” وهي: القيّم والضوابط والمبادئ.

التخلف هو أن يطفئ أي إنسان منا الشموع الجميلة في قلبه وروحه. فيصبح في “ظلمات” لا أول لها ولا آخر. التخلف حالة ارتكاس ونكوص تجعل الإنسان يؤثر الضار على النافع ويقدم الأولى على الآخرة، وينسى نفسه وربّه ودينه وأشواقه الجميلة التي تعلو به وتسمو بذاته وتعزز حقيقة “تكريمه”.

هناك الكثير مما يمكن أن يُقال في شأن التخلف… ولكنني آثرتُ أن أنحو هذا النحو الأدبي تعبيرا عن أهمية المبادئ والتربية ومنظومة القيّم والتعالي الأخلاقي والسموّ الروحي_الإنساني، وأن ذلك هو المطلوب للخروج من دائرة التخلف المميتة القاتلة.

ولو طبّقنا هذا الأمر لوجدنا الإنسان لدينا ـ في مجتمعنا ـ في جزء كبير من شرائحه وفئاته بعيدا عن “الرقي” مرتكسا في وحل التخلف، ما يجعله أقرب إلى الكائنات الغابية منه إلى عالم الإنسان.. ونحتاج جميعا، بعمل كبير وترشيد وإذكاء ووعي إلى إحياء هذه القيّم وتحفيز النفوس والعقول للارتقاء إلى المستوى الإنساني الراقي. وأعتقد أن الإلحاح على التربية الإسلامية-الإيمانية–الأخلاقية في نظامنا التربوي جزء من الحل لهذه المعضلة، معضلة التردّي الذي يكاد يهوي بنا في عمق انحطاط لا قرار ولا قعر له.

واجب المثقفين وقادة الرأي والمصلحين والدعاة والعلماء والقادة الراشدين هو هذا.. صناعة الإنسان وصياغته على نحو إنساني بديع ورائق.

[email protected]

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
12
  • الضمير

    عذرا لكن انا لم اقصد ما اشرت اليه انت
    لست مطلعا على الكتب و ما كتبه الكاتبون
    انا هنا انا افكر ولن ادع تفكير الغير يشوشني
    مثال عن الفقر
    فقرُ الدم :
    نقصٌ به واضطراب في تكوينه يَصحَبُهُ شحوبٌ وبُهْرٌ وخَفَقان
    خَطّ الفَقْر :
    مقياس للفقر حيث يكون الشَّخص تحت هذا الخطّ
    فقيرًا بشكل رسميّ ،
    فقْر مُدْقِع : فقْر شديد ، مُذلّ
    الفَقْرُ : العَوَز والحاجة والجمع : مَفاقِرُ او فقاقير
    راجع الاسباب التي تحقق الفقر
    وراجع الاسباب التي يحققها الفقر
    هدفي مستقبلي بعيد المدى
    وحتما لن يبلغه بفوضة الفقر
    العدل

  • مع تحيات ماركس و انجلز من عالم البرزخ

    و لذلك فالأخلاق قيمة دينية و حاجة إنسانية لا يجوز التغافل عنها بدعوى ترتيب الأولويات كالقضاء على الفقر المادي أولا فكم من غني مادي أبشع من الفقراء بمجملهم و كم من غني روحيا و أخلاقيا ارحم و أكثر إنسانية من الأغنياء ماديا و لتبرير ذلك فيكفي الرجوع إلى الواقع البشري و محاولة معرفته بكل أبعاده الروحية والمعنوية و المادية.

  • مع تحيات ماركس و انجلز من عالم البرزخ

    تاريخ الاتحاد السوفياتي الذي عمر في الخراب 70 سنة و لم تحل مشكلة الفقر ة و الحاجة. إذا فالأمر لا يتوقف على إرادة الإنسان المنظر للفكر المادي الذي قبل ولادته وليس بإرادته لم يكن شيئا مذكورا. مشكلة الفقر ة والحرمان تتعدى ذكاء الإنسان و تصوره المادي النسبي للوجود و لا تختزل في عبارات مرتبة ترتيبا باهيا و لكن واهيا لا يصح وصفها إلا بالسفسطة ولا تمت إلى الحقيقة بصلة...يتبع

  • مع تحيات ماركس و انجلز من عالم البرزخ

    تعليقك عبارة عن استدلال جميل . إن هذا الطرح في التفكير ليس بجديد فقد سبق أن خاض فيه منظرون أمثال ماركس و انجلز صاحبا نظرية الجدلية المادية نقدا للجدلية المثالية للفيلسوف هيقل. و كان نتيجتها تقسيم المجتمع الدولي إلى معسكرين وصولا إلى الحرب الباردة و ما أعقبها من السباق على التسلح و ليس لسد الحاجيات و الاكتفاء الذاتي و القضاء على الفقر كما كان منظرا له في بداية الأمر نتيجة الحرمان بسبب التملك الفردي لوسائل الإنتاج. و نشأت طبقية متطفلة على الطبقة الكادحة و خير مثال على ذلك ...يتبع

  • مع تحيات ماركس و انجلز من عالم البرزخ

    . و لذلك فالأخلاق قيمة دينية و حاجة إنسانية لا يجوز التغافل عنها بدعوى ترتيب الأولويات كالقضاء على الفقر المادي أولا فكم من غني مادي أبشع من الفقراء بمجملهم و كم من غني روحيا و أخلاقيا ارحم و أكثر إنسانية من الأغنياء ماديا

  • مع تحيات ماركس و انجلز من عالم البرزخ

    تاريخ الاتحاد السوفياتي الذي عمر في الخراب 70 سنة و لم تحل مشكلة الفقر ة الحاجة. إذا فالأمر لا يتوقف على إرادة الإنسان المنظر للفكر المادي الذي قبل ولادته وليس بإرادته لم يكن شيئا مذكورا. مشكلة الفقر ة الحرمان تتعدى ذكاء الإنسان و تصوره المادي النسبي للوجود و لا تختزل في عبارات مرتبة ترتيبا باهيا و لكن واهيا لا يصح وصفها إلا بالسفسطة ولا تمت إلى الحقيقة بصلة... يتبع42592

  • محمد

    التخلف سببه الفقر ..و الغناء الفاحش يؤدي الى الطغيان..و الاعتدال منطقة وسطى تتارجح و لابد لها ممن يثبتها .. الوازع الديني وحده لا يكفي..بعث الحيوية من نشاطات مدرسية و عمل جمعوي شباني و تاطير من كوادر البلد الى جلب خبرات دولية من اصول جزائرية حفاظا على الهوية..كفيل بدفع الازمات التربوية حيث ان للانسان طاقات لابد ان تنشط فيما ينفع الجميع و الا ستنشط و لابد في تمييع المجتمع و الانفلات الاخلاقي و نشر الافات بين ابناء الامة..فالوقت راسمال لابد ان يستثمر لبناء مجتمع يعول عليه .. و اللهم احفظ بلادنا..

  • abdlakrim

    يفعل الجهل بصاحبه مالايفعله العدوبعدوه،
    وبسبب جهل ولاة الامور وانحطاط اخلاقهم،لن تقوم لنا قائمه الى يوم الدين..!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

  • حمورابي بوسعادة

    قمة التخلف ، قال من قال : الوطن للأغنياء ، والوطنية للفقراء ...وتري الاجابة دائما في ملاحقة السؤال من يرفع علم الوطن خفاقا ويموت من أجله ؟

  • بدون اسم

    التخلف ليس(ربما)انحطاط أخلاقي.بل هو الأنحطاط الأخلاقي.والتربوي.والبشري أيضا..فالمتخلفيــــن منحطين أخلاقيا وعقليا وتفكيرا ......التخلف الذي يعيشه العرب سببه المنحطين أخلاقيا الذين لو كانوا يملكون(ذرة اخلاقية) لما تسببوا في التخلف والبداوة والبدائية التي تعيشها الأوطان العربية من المحيط الى الخليج..اللاأخلاقيين هم قادة هذه الامة والنتيجة هذا الانحطاط الاخلاقي والتنموي والاسري والمعيشي ....

  • محمد شيخون الماوردي

    لا بد ان نبدأ في تعريف الاخلاق اولا و هل نحن المسلمون مثلا نتحلى بالاخلاق الراقية . هل العري و الجنس او الزنى بتعبير المسلمين هي مظاهر لسوء الاخلاق ام ان الاخلاق السيئة هي فقط الكذب و الغش و السرقة و بعض المظاهر التي تعيق التطور . هل المجتمعات المتدينة هي بالتاكيد اخلاقها حسنة و هل الانسان المتدين هو متخلق بالاساس ام ان الاخلاق شيء اخر لا علاقة له بالدين .

  • الفقر و الحرمان دافع قوي للتخلف

    التخلف هو كل ما يمنع التقدم
    وما يمنع التقدم لا يكفي أن نصفه بالتخلف
    لأن التخلف له أسباب و متسببات تتسبب لهذه الأسباب
    فعندما تقف بين الناس في السوق أو في ساحة عامة
    ستلاحظ بأنهم يسعون إلى أهدافهم الحياتية بشكل طبيعي
    وفي سعيهم ترى فيه إنتاج وفي سعيهم ترى فيه إستهلاك أيضا
    لكن عندما ندقق النظر أكثر سنجد بأن الناس تسعى فيما بينها
    لكنها تسعى بشكل فوضوي غير منظم من كل الجوانب الدنيوية
    وعندما ندقق أكثر و أكثر في أسباب الفوضة سنجد
    بأنه الفقر هو سبب الحاجة والحاجة هي سبب الفوضة
    و الفوضة سبب التخلف