الرأي

التدخّل الروسيّ‮ “‬المقدّس‮” ‬يفضح‮ “‬حلف الممانعة‮”‬

سلطان بركاني
  • 3314
  • 0

هذا العنوان،‮ ‬لا شكّ‮ ‬أنّه لن‮ ‬يعجب سدنةَ‮ ‬المشروع الإيرانيّ‮ ‬في‮ ‬الجزائر،‮ ‬ممّن نذروا أنفسهم لخدمة وتسويق هذا المشروع الطائفيّ‮ ‬البغيض،‮ ‬متدثّرين بدثار‮ “‬الوحدة الإسلاميّة‮”‬،‮ ‬متذرّعين بذرائع‮ “‬المقاومة والممانعة”؛ من هواة الانتقائية في‮ ‬تحليل الأحداث،‮ ‬وغضّ‮ ‬الطّرف عن كلّ‮ ‬ما من شأنه أن‮ ‬يُسقط الأقنعة عن حقيقة التّناغم الحاصل بين هذا المشروع من جهة،‮ ‬وبين المشروع الصّهيو صليبيّ‮ ‬من جهة أخرى،‮ ‬في‮ ‬كثير من القضايا والوقائع‮.‬

هو تناغمٌ‮ ‬يجتهد بعض الكتّاب والإعلاميين الذين أشربوا في‮ ‬قلوبهم العجل الإيرانيّ‮ ‬في‮ ‬تبريره بشقشقات لا تسعفها أحداث الواقع،‮ ‬ويذهب بعضهم بعيدا إلى اتّهام كلّ‮ ‬من‮ ‬يتصدّى لكشف حيثيات هذا التّناغم،‮ ‬بالعمالة للمشروع الصّهيو صليبيّ؛ هذه التّهمة التي‮ ‬احترفها الإعلام الإيرانيّ‮ ‬والإعلام السّائر في‮ ‬فلكه،‮ ‬في‮ ‬إطار ثنائية‮ “‬مزدكية‮” ‬تنصّ‮ ‬على أنّ‮ “‬من لم‮ ‬يكن مع إيران فهو بالضّرورة في‮ ‬صفّ‮ ‬الصّهاينة‮”.‬

لقد جعلت الثنائية الإيرانية بعض الكتّاب والإعلاميين‮ ‬يرتضون نوعا من العبودية الفكرية لما‮ ‬يضخّه الإعلام الطّائفيّ‮ ‬المتستّر خلف ستار الممانعة والمقاومة،‮ ‬وأدّت بهم إلى ممارسة نوع من الظّاهرية العصريّة في‮ ‬تحليل الأحداث،‮ ‬ظاهرية تلزم صاحبها أن‮ ‬يبقى حبيسا للتّصريحات الإعلامية التي‮ ‬لا أثر لها في‮ ‬الواقع،‮ ‬ولا تسمح له بأن‮ ‬يحاكم الأقوال إلى الأفعال،‮ ‬ولا أن‮ ‬يأخذ في‮ ‬الحسبان الوقائع الكثيرة التي‮ ‬تنقض النّتائج الجاهزة التي‮ ‬يسعى لإثباتها‮. ‬

ربّما لن نكون في‮ ‬حاجة للوقوف مطولا عند احتفاء أقطاب‮ “‬محور الممانعة‮”‬،‮ ‬بالتدخّل الرّوسيّ‮ ‬في‮ ‬سوريا،‮ ‬واعتبارِه تدخّلا مشروعا وفي‮ ‬صالح قضية الأمّة العربيّة والإسلاميّة،‮ ‬إلى الحدّ‮ ‬الذي‮ ‬جعل خطيب بشّار‮ ‬يصرخ من على منبر المسجد الأمويّ‮ ‬في‮ ‬دمشق قائلا‮: “‬نعاهد الله على أن نموت دفاعا عن روسيا وقائدها الفذّ‮ ‬بوتين‮!”‬،‮ ‬وربّما لن نكون أيضا في‮ ‬حاجة للتّذكير بتباهي‮ ‬موسكو بمباركة الكنيسة الأرثوذوكسية لتدخّلها في‮ ‬سوريا،‮ ‬ودعمها الكامل لما أسمته‮ “‬الحرب المقدّسة لحماية رعايا الصليب”؛ ولكنّ‮ ‬الذي‮ ‬يعنينا في‮ ‬هذا المقام هو الحديث عن اتّفاق كلمة وموقف الكيان الصّهيونيّ‮ ‬مع موقف‮ “‬محور الممانعة‮”‬،‮ ‬على مباركة ودعم التدخّل الرّوسيّ‮ ‬في‮ ‬سوريا‮.‬

‮”‬سلاحَا الجو الروسي‮ ‬والإسرائيلي‮ ‬يبدأان تدريبات لضمان أمن الطيران فوق سوريا‮”‬،‮ ‬هو أحد العناوين البارزة على موقع قناة‮ “‬روسيا اليوم‮” ‬بتاريخ الـ15‮ ‬من شهر أكتوبر الجاري؛‮ ‬يتحدّث في‮ ‬تفاصيله عن تصريحات للنّاطق الرّسميّ‮ ‬باسم وزارة الدّفاع الرّوسيّة،‮ ‬يؤكّد فيها إطلاقَ‮ “‬خط ساخن‮” ‬بين مركز إدارة الطيران في‮ ‬قاعدة حميميم الجوية السورية ومركز القيادة لسلاح الجو الإسرائيلي‮.. ‬

هذا الخبر كانت قد سبقته أخبارٌ‮ ‬كثيرة تؤكّد وجود تنسيق على أعلى المستويات بين الجانبين الرّوسيّ‮ ‬والإسرائيليّ؛ فقد وصل إلى تل أبيب في‮ ‬الـ6‮ ‬من أكتوبر الجاري‮ ‬نائب رئيس أركان الجيش الروسي‮ “‬نيكالو بكدونبسكي‮” ‬على رأس وفد روسيّ،‮ ‬لحضور اجتماع مشترك مع رئيس أركان الجيش الصّهيونيّ‮ “‬يائير جولان‮”‬،‮ ‬وعدد من كبار الضبّاط في‮ ‬سلاح الجو وشعبة الاستخبارات العسكرية والموساد،‮ ‬لبحث عددٍ‮ ‬من القضايا العسكرية والاستخباراتية،‮ ‬يأتي‮ ‬على رأسها تنسيق العمليات ضد قوى المعارضة السورية المسلحة‮.‬

قبلها بأسبوعين،‮ ‬وعلى بُعد أيام قليلة من الإعلان عن بدء العمليات العسكرية الروسية في‮ ‬سوريا،‮ ‬كان رئيس الوزراء الإسرائيلي‮ ‬بنيامين نتنياهو،‮ ‬التقى الرئيس الروسي‮ ‬فلاديمير بوتين خلال زيارة رسمية للعاصمة الروسية موسكو،‮ ‬لمناقشة جملة ملفات على رأسها الملف السوري‮.‬

هذه اللّقاءات كانت موضع حديث وتحليل لعددٍ‮ ‬من القنوات والمواقع الإسرائيليّة الرّسمية وغير الرّسميّة،‮ ‬من ذلك ما نشره موقع‮ “‬واللا‮” ‬الصهيوني‮ ‬بتاريخ‮ ‬20‮ ‬سبتمبر‮ ‬2015‮ ‬مشيرا إلى أنّ‮ ‬الجيشين الإسرائيلي‮ ‬والروسي‮ ‬يتفقان على تشكيل هيئة لتنسيق تحركاتهما في‮ ‬سوريا،‮ ‬وقد بارك الإعلام الصهيوني‮ ‬هذا التنسيق الحاصل بين الجيش الإسرائيلي‮ ‬من جهة وبين الحليف الاستراتيجي‮ ‬لـ‮ “‬محور الممانعة‮” ‬من جهة أخرى،‮ ‬وذهب إلى حدّ‮ ‬القول بأنّ‮ “‬تدخل روسيا في‮ ‬سوريا‮ ‬يخدم مصالح إسرائيل الحيوية‮” (‬الصحفيّة الصهيونية اليمينية‮ “‬كارولين كليغ‮”‬،‮ ‬معاريف،‮ ‬19‮ ‬سبتمبر‮ ‬2015‮).‬

لعلّنا لن نكون بعد كلّ‮ ‬هذا الوضوح،‮ ‬في‮ ‬حاجة إلى مزيدٍ‮ ‬من الأدلّة على تلاقي‮ ‬المصالح الصّهيونيّة مع مصلحة محور الممانعة في‮ ‬التدخّل الرّوسيّ،‮ ‬لحسم المعركة لصالح النّظام السّوريّ‮ ‬الممانع؛ ولو أدّى ذلك إلى حصول تنسيق عسكريّ‮ ‬وبوساطة روسية،‮ ‬ليس فقط بين قيادات المليشيات التّابعة لإيران من جهة وبين إسرائيل من جهة أخرى،‮ ‬وإنّما أيضا ـ وبتنسيق روسيّ‮ ‬دائما ـ بين إسرائيل وبين الحرس الثّوريّ‮ ‬الإيرانيّ‮ ‬الذي‮ ‬يوجد على الأرض السّورية أكثر من‮ ‬1700‮ ‬عنصر من عناصر نخبته في‮ ‬وحدة‮ “‬الصّابرين‮” ‬وحدها،‮ ‬باعتراف وكالة‮ “‬سحام نيوز‮” ‬الإيرانيّة‮!. ‬

إسرائيل والدكتاتور العربي‮ ‬الأكثر تفضيلا

هذا الموقف الذي‮ ‬أبداه الكيان الصهيوني‮ ‬ليس موقفا مستجِدّا فرضته الأحداث المتلاحقة،‮ ‬وإنّما هو موقفٌ‮ ‬مبدئيّ‮ ‬لم‮ ‬يتغيّر ولم‮ ‬يتزحزح منذ الوهلة الأولى للثورة السّورية،‮ ‬حيث حظي‮ “‬نظام الممانعة‮” ‬بـ‮ “‬فيتو‮” ‬إسرائيليّ‮ ‬حاسم،‮ ‬منذ بدء الحديث عن إسقاط نظام بشّار،‮ ‬جعل الولايات المتحدة الأمريكيّة تقدّم رجْلا وتؤخر أخرى في‮ ‬حديثها عن ضرورة رحيل الأسد؛ فيتو أكّدته تصريحات عدد من القيادات السياسية والعسكرية للكيان الغاصب،‮ ‬أبرزها ما صرح به رئيس الهيئة الأمنية والسياسية في‮ ‬وزارة الدفاع الإسرائيلية،‮ ‬الجنرال‮ “‬عاموس جلعاد‮” ‬عبر أثير إذاعة الجيش الإسرائيلي‮ “‬جالي‮ ‬تساهال‮”‬،‮ ‬بتاريخ‮: ‬17‮ ‬نوفمبر‮ ‬2011،‮ ‬حيث قال‮: “‬إسرائيل ستواجه كارثة وستصبح مهدّدة دائمًا بالحرب مع الإخوان المسلمين في‮ ‬مصر وسوريا والأردن،‮ ‬إذا نجحت الثورة السورية الجارية منذ أسابيع متواصلة في‮ ‬الإطاحة بنظام بشار الأسد،‮ ‬الذي‮ ‬يمثل وجودُه مصلحة لإسرائيل‮”. ‬وقبله كانت صحيفة‮ “‬هآرتس‮” ‬قد أماطت اللثام عن الرغبة الإسرائيلية الجامحة في‮ ‬الحفاظ على‮ “‬نظام المانعة‮”‬،‮ ‬حيث نشرت بتاريخ‮ ‬29‮ ‬مارس‭ ‬2011‮ ‬تقريرا تحت عنوان‮ “‬الديكتاتور العربيّ‮ ‬الأكثر تفضيلاً‮ ‬لدى إسرائيل على الإطلاق هو الأسد‮”‬،‮ ‬كان ممّا جاء فيه‮: “‬من المدهش أنّ‮ ‬اليهود‮ ‬يُصلّون سراً‮ ‬من أجل أن‮ ‬ينجو نظام الأسد في‮ ‬سوريا‮”‬،‮ ‬وأضاف التّقرير‮ “‬إنّ‮ ‬كلّ‮ ‬المنافقين العرب واليهود متّحدون على هذا الدّعاء وكأنّ‮ ‬الأسد مَلِكُ‮ ‬إسرائيل،‮ ‬علماً‮ ‬أنّ‮ ‬الشّعار الأجوف الفارغ‮ ‬الذي‮ ‬حمله الأسدُ‮ ‬الأب والابن حول‮ “‬المقاومة‮” ‬ما هو إلا ورقة تأمين لبقاء النّظام فقط،‮ ‬فالحكومة السّورية‮ ‬‭-‬الممانِعة‭-‬‮ ‬لم تُصدر حتى صوتاً‮ ‬مزعجاً‮ ‬في‮ ‬الجولان،‮ ‬بينما كانت مستعدّة لقتال إسرائيل حتى آخر لبناني،‮ ‬وإن لم تنفع هذه الخدعة فحتّى آخر فلسطيني‮ ‬ولِمَ‮ ‬لا؟‮!”.‬

‬كانت صحيفة‮ “‬هآرتس‮” ‬قد أماطت اللّثام عن الرّغبة الإسرائيليّة الجامحة في‮ ‬الحفاظ على‮ “‬نظام المانعة‮”‬،‮ ‬حيث نشرت بتاريخ‮ ‬29‮ ‬مارس‮ ‬2011‮ ‬تقريرا تحت عنوان‮ “‬الديكتاتور العربيّ‮ ‬الأكثر تفضيلاً‮ ‬لدى إسرائيل على الإطلاق هو الأسد‮”‬،‮ ‬كان ممّا جاء فيه‮: “‬من المدهش أنّ‮ ‬اليهود‮ ‬يُصلّون سراً‮ ‬من أجل أن‮ ‬ينجو نظام الأسد في‮ ‬سوريا‮”.‬

هذه التصريحات وغيرها،‮ ‬كانت وستظلّ‮ ‬خارج نطاق تغطية أجهزة الاستقبال المبرمَجة عند المنافحين عن المشروع الإيرانيّ‮ ‬الطّائفيّ‮ ‬على تردّدات ثابتة،‮ ‬تبرّر لهم مماطلة المجتمع الدّوليّ‮ ‬في‮ ‬اتّخاذ قرار‮ ‬يُوقف همجية النّظام السّوريّ،‮ ‬بالـ”فيتو الرّوسيّ‮”‬،‮ ‬وهذا التّبرير مِن السّطحية بمكان،‮ ‬لأنّ‮ ‬وقائع التّاريخ القريب أثبتت بأنّ‮ ‬أمريكا وحلفاءها لا‮ ‬يقيمون أيّ‮ ‬وزن لمثل هذا الفيتو الرّوسيّ،‮ ‬وأنّ‮ ‬الذي‮ ‬يقف خلف تحرّكات الدّول الكبرى إنّما هو الرّغبة الإسرائيلية‮. ‬

إسرائيل لا تريد أن تغامر بخسارة نظام كان نِعم الجار لها على جبهة الجولان،‮ ‬فخلال أكثر من‮ ‬40‮ ‬سنة من حكم حافظ الأسد وابنه بشار،‮ ‬كانت الحدود بين سوريا وإسرائيل هادئة تماماً،‮ ‬بل قد كانت الطائرات الإسرائيلية تخترق الأجواء السّورية وتحلّق فوق قصر الرّئيس‮ “‬الممانِع‮”‬،‮ ‬ويكون الجواب في‮ ‬كل مرّة بأنّ‮ ‬سوريا‮ “‬سوف تردّ‮ ‬في‮ ‬الوقت المناسب”؟‮!.‬

التدخّل الرّوسيّ‮ ‬لرفع الحرج الأمريكيّ‮ ‬

بعض المتحمّسين للتّصريحات الكلاميّة للإعلام الإيرانيّ،‮ ‬يروّجون لدعوى مفادها أنّ‮ ‬التدخّل الرّوسيّ‮ ‬جاء بعد فشل التدخّل الأمريكيّ‮ ‬الذي‮ ‬كان ضدّ‮ ‬محور الممانعة،‮ ‬ونسي‮ ‬هؤلاء كيف كانت طائرات التّحالف الذي‮ ‬قادته أمريكا تمرّ‮ ‬فوق رؤوس عناصر الجيش الأسديّ‮ ‬ومليشيات حزب الله وأكثر من‮ ‬40‮ ‬مليشيا إيرانية أخرى،‮ ‬لتقصف الجماعات المناوئة لها،‮ ‬ونسوا أيضا أنّ‮ ‬لقاء بوتين ـ نتنياهو في‮ ‬موسكو،‮ ‬أعقبه بمدّة لم تتجاوز‮ ‬5‭ ‬أيام لقاءٌ‮ ‬بين وزير الخارجية الإيرانيّ‮ ‬ووزير الخارجية الأمريكيّ،‮ ‬وربّما‮ ‬غاب عن أذهانهم أن أيّ‮ ‬تدخل روسي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتم في‮ ‬ظل وجود قوات التحالف الذي‮ ‬تقوده أمريكا إلا بتنسيق مباشر بين الطرفين،‮ ‬كل ما في‮ ‬الأمر أن أمريكا أرادت أن تتملّص من التزاماتها مع محور الاعتلال العربيّ،‮ ‬فسلّمت الرّاية للروس،‮ ‬الذين سيكونون أقدر على تجييش‮ “‬محور الممانعة‮” ‬في‮ ‬هذه المعركة المصيرية‮.‬

مقالات ذات صلة