الرأي

التدريس بالعامية مسخ لفكر الجيل الناشئ وتسميم لوجدانه..!

حمزة يدوغي
  • 1319
  • 0

بعد ثلثي قرن من الاستقلال تستفز مشاعر الجزائريين ويعتدى على ثوابتهم، ليس من طرف خصم لهم أو عدو وإنما من طرف جزائريين آخرين!.. وأي صنف من الجزائريين؟! إنهم ممن استؤمنوا على إعداد الجيل الناشئ وتهيئته ليعيش بمنطق الألفية الثالثة التي تهدد فيها العولمة بتذويب جميع الخصوصيات الدينية والثقافية والحضارية!

 فلم يجدوا ما يحصنونه به من هذه الضغوط والتحديات إلا مسخ فكره وتسميم وجدانه وذلك “باقتراح” تدريسه بالعامية!

والمحزن المبكي أننا اليوم أصبحنا نألف مثل هذه “الخرجات” بسبب تواليها وتكرارها، ومن الألفية ما قيل! لأنها تهون من الخطر ومن ضرورة مواجته بجد وحزم!

فعلا، إن مثل هذه “المبادرات” الشاذة الغريبة لم تخل منها فترة من فترات حياتنا ولم يسلم منها مجال حساس له علاقة وثيقة بعناصر هويتنا الوطنية ومقومات شخصيتنا الحضارية، فما الذي يفسر هذا الفكر الشاذ والجرأة في  عرضه والدفاع عنه؟! هل يكفي أن نهب في كل مرة للرد على أصحابه وتفنيد حججهم وفضح نواياهم والتبصير بمخاطرها؟! وهل يكفي لتفسير هذه “الخرجات” أن نقول إن أصحابها ممن يحملون هذا الفكر الشاذ “تغريبيون فرانكوفيليون مستلبون”؟!

لكن السؤال يظل مع ذلك كله قائما، لأن هؤلاء جميعا جزائريون تخرجوا من معاهد وجامعات جزائرية بشهادات عالية في شتى العلوم والمعارف!

فما الذي يفسر إذن “شذوذهم” وخروجهم عن الإجماع بتنكرهم لثوابت أمتهم وجراءتهم عليها واستهانتهم بها؟!

السبب الجوهري لذلك كله أن ما يعرف “بمصدر التلقي” في مجال القيم لم يعد واحدا مواحدا بالنسبة لجميع الجزائريين بل أصبح “متعددا” بسبب اهتزاز مرجعيتنا العقيدية والثقافية والحضارية! وبتعبير عصري آخر نقول: لأننا لم نحقق ما يسمى “الأمن الفكري” الذي يدونه يعيش المجتمع اضطرابا وتناقضا بين ما يؤمن به من مبادئ وقيم من جهة، وبين ما يعيشه في واقع حياته وما يطمح إلى تحقيقه في مستقبل أيامه من جهة أخرى!

معلوم أن الأمن الفكري يستند إلى مرجعية واحدة يؤمن بها جميع أفراد المجتمع على تعدد نسيجه الاجتماعي واللغوي والثقافي، وتتفرع عن هذه المرجعية منظومة قيم يقدسها الجميع، ما يحقق التماسك والوحدة لهذا المجتمع الذي يعيش عندئذ بشكل صحي التعدد والتنوع والتميز في إطار هذه الوحدة الجامعة!

وهذا ما يجعل تحقيق هذا الأمن الفكري مسؤولية كل مؤسسات المجتمع التي لها علاقة بتشكيل ذهنية أفراده، فتجعل كل واحد منهم يحس بأن منظومته القانونية والأخلاقية والفكرية التي تنظم علاقاته بمجتمعه وبدولته هي منظومة متماسكة متناسقة غير مهزوزة ولا مضطربة! ومعنى هذا كله أن صيانة مختلف مؤسسات المجتمع من الانحراف بسبب “تعدد مصادر التلقي” تعدد المرجعيات هو أمر أساسي لضمان تحقيق هذا الأمن الفكري!

إن مثل هذه القضايا التي نواجهها اليوم مما له علاقة بعناصر هويتنا، والتي تبدو منفصلة بعضها عن بعض، ومن إفرازات ظروف خاصة محددة تعود كلها إلى سبب واحد تمتد جذوره إلى السنوات الأولى من الاستقلال التي أفرزت تناقضات حادة سببها تمييع المبادئ التي صاغ منها نوفمبر المشروع الحضاري للمجتمع الجزائري وتفريغها من محتواها!

إن الهزة العنيفة التي عرفتها منظومة قيمنا الدينية والوطنية بسبب اهتزاز مرجعيتنا ستمتد شقوقها وتصدعاتها عبر السنين وتكون لها “هزات ارتدادية” تعكس آثارها مجالات كثيرة مختلفة كالمجال التربوي الذي يشهد هذه الفتنة التي أشعلها دعاة التدريس بالعامية! والخلاصة التي أريد أن أنتهي إليها هي أنه إذا كان قدرنا نحن اليوم أن نخوض مثل هذه المعارك الوهمية كلما اضطررنا إلى ذلك، دفاعا عن ثوابتنا، فإن من حق الجيل الناشئ علينا أن نصونه من مثل هذه المعارك وذلك بالقضاء على بواعثها أصلا فلا يضطر جزائريون في المستقبل إلى تبديد طاقتهم ووقتهم في “مجادلة” جزائريين آخرين حول مسلمات وبديهيات. مثلما نفعل نحن اليوم!

ولا يكون ذلك إلا بتحقيق الأمن الفكري وإحكام صلة هذا الجيل بمرجعيته الدينية والثقافية والحضارية وتوحيد “مصدر التلقي” في مجال المبادئ والقيم!

مقالات ذات صلة