الرأي

“التديُّنُ الذرّي”.. اجترارُ الماضي وتكرارُ الحاضر

تكشف مقولة “التدين الذري” عن مفارقة وجودية عميقة في المجتمعات التي تعيش أزمة حضارية مزمنة، كيف يتحول الدين من قوة دافعة للتاريخ إلى آلية للهروب منه؟ وكيف ينقلب البحث عن الخلاص الجماعي إلى استهلاك فردي للطمأنينة الروحية؟ هذه المفارقة ليست مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل هي تعبيرٌ عن انهيار جوهري في العلاقة بين الوعي الديني والمشروع الحضاري، وهو ما يستدعي قراءة متأنية من خلال منظور مالك بن نبي، لكن بتجاوز يفتح آفاقاً جديدة لفهم هذه الظاهرة.

ينطلق بن نبي من فكرة مركزية مفادها أن الحضارة ليست تراكماً للأشياء، بل هي تركيبٌ حيٌّ بين الإنسان والتراب والزمن، وأن الفعالية الحضارية تبدأ حين يتحول الإنسان من كائن بيولوجي إلى فاعل تاريخي. لكن التدين الذري يمثل الحركة المعاكسة تماماً: إنه تحلُّلُ هذا التركيب الحضاري وعودة الإنسان إلى حالة ما قبل التاريخ، إذ ينكفئ على ذاته بحثاً عن خلاص فردي منفصل عن أي أفق جماعي. هنا لا يكون الدين قوة دافعة لصناعة التاريخ، بل يصبح مخدراً ضد قسوته، لا يكون طاقة محرِّكة للمجتمع، بل يتحول إلى ملاذ يهرب فيه الفرد من استحقاقات الوجود الاجتماعي.

لكن ما يتجاوز القراءة التقليدية لبن نبي هو أن نفهم أن هذا التدين الذري ليس مجرد “انحراف” عن الدين الصحيح، بل هو نتاجٌ منطقي لمجتمع فقد “القابلية للحضارة”. إن المجتمع الذي يجترُّ الماضي ويكرر الحاضر ليس مجتمعًا يسيء فهم الدين فحسب، بل هو مجتمع لم يعد قادرا على إنتاج المعنى التاريخي. والتدين الذري هنا يصبح شكلا من أشكال “التكيف المرضي” مع العجز الحضاري، إذ يستعيض الفرد عن غياب المشروع الجماعي بممارسات طقوسية تمنحه وهمَ السيطرة على مصيره دون أن تشركه في بناء مصير مجتمعه.

إن مفهوم التدين الذري يحيلنا إلى ما سماه بن نبي “إنسان ما بعد الحضارة”، ذلك الكائن الذي خرج من دورة التاريخ وأصبح مجرد كتلة بيولوجية تستهلك الزمن بدلا من أن تصنعه. لكن الإضافة النوعية هنا هي أن التدين الذري لا يعني غياب الممارسة الدينية، بل على العكس، قد يعني تضخُّمها وتكاثرها، لكن بصيغة “ذرية” منفصلة عن السياق الاجتماعي والحضاري. الفرد هنا يصلّي، ويصوم، ويذكر الله… لكن كل هذه الممارسات تظل محبوسة في أفق فردي ضيق، لا تتحول إلى طاقة أخلاقية تغير المجتمع، ولا إلى وعي تاريخي يصنع المستقبل.

ما يجعل هذه الظاهرة أكثر تعقيدا هو أنها تحدث في سياق اجترار الماضي وتكرار الحاضر، وهنا تكمن المفارقة الأعمق. إن المجتمع الذري دينيا ليس مجتمعا علمانيا قطع مع الدين، بل هو مجتمع يعيش في حالة من “التدين المجمِّد”، إذ يصبح الماضي الديني مرجعية صورية لا تنتج فعلا في الحاضر. وهذا يختلف عما سمّاه بن نبي “القابلية للاستعمار”، فالتدينُ الذري هو نوع من “القابلية للجمود الروحي”، إذ يتحول الدين نفسه إلى عامل تثبيت للعجز الحضاري بدلا من أن يكون عامل تحرر منه.

إن انتقال الفرد من كونه وحدة الاجتماعية تشارك في صناعة التاريخ إلى الحالة الغرائزية يعكس ما يمكن تسميته “تفكك الشبكة العلائقية” للدين. في المجتمعات الحية حضارياً، يكون الدين نسيجا يربط الأفراد بعضَهم ببعض في مشروع تاريخي مشترك، أما في المجتمع الذري، فإن الدين يتحول إلى مجموعة من العلاقات (العمودية) المنفصلة بين كل فردٍ وربه، دون أن تتشكل علاقات أفقية بين الأفراد أنفسهم. وهذا التفكك لا ينتج فقط عجزا اجتماعيا، بل ينتج أيضا تسطيحا روحيا، إذ يصبح الدين مجرد تقنية طقوسية للطمأنينة النفسية بدلا من أن يكون رؤية وجودية شاملة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالزمن والمكان والآخر.

لكن القراءة الأعمق لهذه الظاهرة تكشف أن التدين الذري ليس مجرد نتيجة للعجز الحضاري، بل هو أيضا آلية لإعادة إنتاج هذا العجز. حين يتحول الدين إلى استهلاك روحي فردي، فإنه يفقد قدرته على توليد “الطاقة الاجتماعية” التي تحدَّث عنها بن نبي. المجتمع الحي يستمد طاقته من إيمان جماعي بمشروع مشترك، أما المجتمع الذري فإن طاقاته تتبدد في ممارسات فردية متشظية لا تتراكم لتشكل قوة دافعة. وهنا يصبح التدين جزءا من دائرة التخلف المغلقة، إذ يعيد إنتاج شروط استمراره الخاصة.

إن البحث عن الخلاص الفردي في سياق ذري ليس خلاصا حقيقيا، بل هو وهمُ الخلاص، لأن الفرد في المجتمع المنهار لا يمكنه أن يخلص وحده. إن المعنى الديني للخلاص يتطلب أن يكون الإنسان فاعلا في التاريخ، أن يكون شاهدا على عصره، أن يكون جزءا من حركة جماعية تغيِّر الواقع. لكن التدين الذري يحوِّل الخلاص إلى مجرد “تسكين” للألم الوجودي، إلى مخدِّر روحي يساعد الفرد على تحمُّل انهيار العالم من حوله دون أن يدفعه لتغييره.

إن اجترار الماضي، في هذا السياق، ليس مجرد حنين نوستالجي، بل هو عجزٌ عن إنتاج تأويل حي للتراث يستجيب لتحديات الحاضر. والمجتمع الذي يجترُّ ماضيه هو مجتمعٌ يتعامل مع التراث كـ”جثة مقدسة” لا ككائن حيّ قابل للتطور. وحين يتحول التراث إلى جثة، فإن التدين المرتبط به يصبح بالضرورة تدينَ موتى، تدينا لا يلد الحياة بل يستهلك بقايا حيوية مندثرة، وهذا ما يفسِّر لماذا يمكن لمجتمع أن يكون شديد التدين في مظهره وشديد العجز في جوهره، لأن التدين هنا لم يعد يعبِّر عن علاقة حية بالمطلق، بل عن تشبُّث بأشكال فارغة من المحتوى الحضاري.

إن تكرار الحاضر، من جهة أخرى، يكشف عن غياب الأفق الاستشرافي، عن عجز المجتمع عن تصوُّر مستقبل مختلف. والتدين الذري يساهم في هذا التكرار لأنه يلغي البُعد الأخروي للدين بمعناه التحريري. إن الأخرويات، في جوهرها، ليست مجرد إيمان باليوم الآخر، بل هي رؤية تمنح الحاضر معنى من خلال ربطه بمستقبل متعال. لكن حين يصبح التدين ذريا، فإن هذا البعد الأخروي يتشوَّه ليصبح مجرد “تأجيل” للخلاص، لا دافعاً للفعل في الحاضر. الفردُ يعيش اليوم في انتظار خلاص مؤجَّل، بدلا من أن يعيش اليوم كفاعل في صناعة خلاصه وخلاص مجتمعه.

في النهاية، إن التدين الذري هو ربما التعبير الأكثر مأساوية عن أزمة الإنسان الذي فقد القدرة على أن يكون معاصرا لنفسه. إنه إنسانٌ محاصَر بين ماضٍ لا يستطيع إحياءه ومستقبل لا يستطيع تخيُّله، فيلجأ إلى دينه لا كقوة تحريرية بل كملاذ أخير يحميه من قسوة هذا الحصار. والخروج من هذا المأزق لا يكون بـتعميم التدين وفق هذا التصور داخل المجتمع، كما قد يتوهَّم البعض، بل بإعادة اكتشاف الدين كطاقة حضارية، كرؤية تاريخية، كمشروع جماعي يحوِّل الأفراد المتناثرين إلى أمة فاعلة في الزمن. وهذا يتطلب ثورة في الوعي الديني نفسه، ثورة تعيد للدين بعده الاجتماعي والحضاري دون أن تختزله فيهما، ثورة تجعل البحث عن الخلاص بحثا عن معنى جماعي يتجاوز الذات دون أن يلغيها.

إن اجترار الماضي ليس مجرد حنين نوستالجي، بل هو عجزٌ عن إنتاج تأويل حيّ للتراث يستجيب لتحديات الحاضر. والمجتمع الذي يجترُّ ماضيه هو مجتمعٌ يتعامل مع التراث كـ”جثة مقدسة” لا ككائن حيّ قابل للتطور. وحين يتحول التراث إلى جثة، فإن التدين المرتبط به يصبح بالضرورة تدينَ موتى، تدينا لا يلد الحياة بل يستهلك بقايا حيوية مندثرة.

مقالات ذات صلة