الجزائر
بينها شراء "كفن" أو حمل دمى على أنّها رُضّع  

التسوّل يستفحل بأساليب جديدة رغم القوانين الصارمة!

نادية سليماني
  • 1840
  • 0

تأخذ ظاهرة التسوّل في الجزائر أساليب أخرى غير مدّ اليد واستعطاف المارّة، بعد ما بات المُواطنون ينفرون من المتسوّلين لاكتشاف كذب غالبيتهم ونصبهم واحتيالهم. ولأن المتسول تعوّد على كسب المال بدون بذل أي مجهود بدني، فلن يستسلم عندما يمنع عنه الناس النقود، بل سيُحاول وبطرق أخرى، لينال ما يريد.

تراجعت ظاهرة التسوّل عن طريق مدّ اليد أمام أبواب المساجد وداخل حافلات النقل، وعلى الطرقات، بعد ما عوّضها أصحابها بحيل أخرى، إثر عزوف كثير من المواطنين عن مدهم بالمال.

فالتسول بات ظاهرة “مستفزة جدا”، ويزيدها استفزازا تسجيلات الفيديو المنتشرة لأفارقة وهم يظهرون مبالغ طائلة جمعوها من مهنة التسوّل في الجزائر، كما انتشرت عبر منصّات التواصل الاجتماعي تسجيلات فيديو لمتسوّلين جزائريّين يمتلكون أغلى الهواتف ويغادرون أماكن تسوّلهم في سيارات يملكونها، وهذه المشاهد المُستفزّة جعلت كثيرا من الأشخاص يطرُدون أي مُتسوّل يقترب منهم أو يتشاجرون معه، ويطلبون منه البحث عن عمل خاصة إذا كان شابّا وقويا.

المحامية بلطرش: تعاطف الشارع وغياب الرّدع حوّل التسول إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة

ومن الحيل التي باتت منتشرة مؤخرا، إدّعاء المتسولين للمرض، فأحد الشباب المتسوّلين بالجزائر العاصمة، ولأنه يعلم مسبقا بأن مدّ اليد لم يعد يؤتي بثماره، خاصة وأنه شاب طويل وعريض، فقرر إيهام المسافرين عبر عربة ترامواي بأنه يملك كلية واحدة وهو بحاجة إلى أموال لإجراء أشعة الرّنين المغناطيسي التي طلبها منه الطبيب، ويشرع المعني في البكاء والتأثر وهو يسرد قصته بفصاحة، ويؤكد بأنه جمع المبلغ المطلوب ينقصه فقط مبلغ 2500 دج.

في بداية تسوّله، انخدع به كثيرون خاصة النساء، بل إن بعض العجائز كانوا يبكون معه، ويمنحونه المال، ولكنّ كذبه انكشف للمسافرين المتعوّدين على رُكوب ترامواي، لأن الشاب أمضى سنة كاملة وهو يردد نفس الأسطوانة.. ينقصني مبلغ 2500 دج؟ لدرجة بات المسافرون يتأففون عند صعوده للترامواي.

ادعت أنها معوقة لاستعطاف المارّة

أما سيدة أخرى، ولأن التسول بمدّ اليد والجلوس أمام باب مسجد بحيّ درقانة لم يعُد يجدي نفعا، قررت إضافة بعض النواح له والبكاء والإدّعاء بأن صاحب البيت سيطردها وأولادها للشارع بعد ما عجزت عن دفع ثمن الإيجار، ولأن حتىّ هذا الحيلة فشلت، غيرت المعنية مكان تسولها وباتت تصعد إلى حافلات نقل المسافرين وهي تخفي أحد ذراعيها تحت حجابها وكأنّها مُعوقة، وقامت بإخفاء ملامحها خلف كمامة طبية حتى لا يتعرف عليها المواطنون، ومع ذلك تعرفت عليها في إحدى المرّات عجوز وشتمتها طالبة منها البحث عن عمل مادامت بصحة جيدة، لأن المتسولة تبدو في سن الأربعين فقط، والأخيرة لم تنصع للعجوز التي كشفتها وحاولت ضربها..!

ومتسولات يدّعين أنهن حوامل، عن طريق نفخ البطن بقماش يتم لفه حوله أو يشترين بطنا صناعية، ويتم كشفهن في حال بقين في المكان نفسه، بحيث كثيرا ما شاهدنا متسولات بشكل عادي، وبعد يوم آخر يظهرن ببطن بارز وكأنهن على وشك الولادة، وأخريات يحملن دمى مغطاة على أنها رضيع يحتاج الدواء.

أما أسوأ حالات التسوّل التي بتنا نُصادفها يوميا، متعلقة بأشخاص يسيرون في الشوارع  ويتسوّلون ثمن كفن الميّت، بحيث يدّعون بأن لهم قريبا توفى ولا يملكون مالا لشراء كفن له، أو يقولون بأنهم منخرطون في جمعية خيرية تجمع مالا لشخص فقير توفي ويحتاج كفنا.

ولأن موضوع الموت له هيبة في نفوس الجزائريين، فغالبيتهم يسارعون لمنح المال لهؤلاء المتسوّلين.

وفي حادثة سردها على منصة التّواصل الاجتماعي “فيسبوك” صاحب الصفحة الرسمية info oran، بأنه كل مرة يصادف أشخاصا يطلبون أموالا لشراء كفن، آخرهم شخص اقترب من آخر كان بقرب مسجد بوهران، وأدعى أنه يحتاج مالا لشراء كفن لميت فقير، فمنحه ذلك الرجل مبلغ 3500 دج دفعة واحدة، رغم أن سعر الكفن لا يتعدى 2500 دج، وأحيانا نشتريه بـ1800 دج، وغالبا يُمنح مجانا من بائعي الأقمشة أو من المحسنين.

أخذ المتوسل ذلك المبلغ، وتقدم مجددا من صاحب القصة طالبا منه مبلغ 500 دج لشراء كفن، فطلب منه المتحدث أن يعطيه المبلغ الذي منحه له الرجل الأول حتى يجمعه له ويصبح 4000 دج، وهو ما أفرح المتسول، لكنه تفاجأ بالرجل الثاني يأخذ منه المبلغ كاملا ليعيده لصاحبه المُحسن، وطلب من المتسول مرافقته إلى داخل المسجد ليعطيه كفنا بالمجان، وهنا ثارت ثائرة المتسول طالبا استرداد أمواله، وعندما هدده المواطنون بإبلاغ الشرطة غادر المكان غاضبا.

10 سنوات حبسا للمتسولين بالأطفال

ويعتبر التسول جريمة يعاقب عليها المشرع الجزائري، حسب تأكيد المحامية، نبيلة بلطرش لـ”الشروق”، بأن التسول تحول إلى ظاهرة خطيرة ومزعجة في المجتمع مؤخرا، لكثرة انتشاره داخل المجتمع الجزائري، ما جعل قانون العقوبات الجزائري، يجرمه وفق نص المادتين 195 و195 مكرر، حيث تعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر كل من اعتاد ممارسة التسول في أي مكان كان، رغم وجود وسائل التعيش لديه أو إمكانه الحصول عليها، بالعمل أو بأية طريقة مشروعة أخرى.

وقالت بلطرش، بأن المشرع الجزائري، اشترط لقيام الركن المادي في جريمة التسوّل بالنسبة للبالغين وجود عنصر الاعتياد على التسول، “وتطبق هذه القوانين خصوصا في حال تسبب هذا المتسول في مشاكل وإزعاج لمواطنين أو بعد شكاوى منهم أو تسبّب في تعطيل مصالح معيّنة، ما عدا ذلك يمكن للمتسول التنصل من العقاب بسبب التساهل معهم، خاصة من السلطات المحلية وتعاطف الشارع، ما هيّأ مناخا مناسبا لظهور شبكات مختصة في التسول” على حد قولها.

وأضافت، ومع ذلك تسعى الجزائر للقضاء على هذه الظاهرة والتي استفحلت أكثر بتدفق اللاّجئين الأفارقة وقبلهم السوريون، محولين التسول من سلوك فردي إلى ظاهرة جماعية واجتماعية، تشكل خطرا على أمن مجتمعنا.

وأكدت المحامية، أن الجزائر تحارب ظاهرة التسول بالأطفال القصر أو تعريضهم للتسول، عن طريق تصنيف هذا السلوك كجريمة منظمة تتراوح عقوبتها بين 5 إلى 10 سنوات سجنا نافذا.

وقالت “ولم يشترط المشرّع في جريمة التسوّل باستغلال القاصر أو تعريضه له، ركن التعوّد، وإنما مجرد قيام فعل استغلال قاصر في التسول في إطار جماعة إجرامية منظمة، يُعد جريمة مكتملة الأركان”.

مقالات ذات صلة