التطبيع مع الصهاينة مستحيل.. ومعركتنا أكبر من الملاهي والحانات
شدّد عبد الفتاح مورو على أنّ حركة النهضة لم ولن تغيّر جلدها، وأنها باقية على نهجها ومرجعيتها الإسلامية في الدفاع عن القيم والأخلاق والآداب العامّة، ولكنها لن تسعى لفرض سلوك معيّن على الشعب التونسي، بل هي ترافع لأجل الحريّات في مصلحة الجميع، لأنها تراهن على صناعة الوعي المجتمعي العام.
وبشأن النتائج التي خلص إليها المؤتمر العاشر لحركة النهضة، والتي تثير لغطًا واسعا في تونس وخارجها، أوضح نائب رئيسها أن الحدث حُمّل أكثر من اللزوم، معتبرا أن “النهضة” مدنيّة في خطابها وممارساتها منذ زمن طويل، وأنّ المؤتمر كرّس التمايز الوظيفي لا أكثر، دون التخلّي عن الدور الدعوي أو الاجتماعي، بل هي مهامّ ستُوكل لفعاليات المجتمع المدني، فيما ستنظر الحركة مستقبلاً في طبيعة العلاقة مع تلك الأذرع وفق الصيغة الطبيعية المناسبة، بين الإلحاق والاستقلالية أو الدمج بينهما، لتتفرّغ “النهضة” للإجابة على انشغالات التونسيين في ميادين الحياة العامّة.
وفي شأن آخر، أكّد نائب رئيس مجلس النواب التونسي، أنّ بلاده لن تطبع مع الكيان الصهيوني، مضيفًا في منتدى “الشروق”، أنه لا يرى حرجًا في زيارة المسلمين لمدينة القدس والمسجد الأقصى.
فصل السياسي عن الدعوي لن يسقط عنا مرجعيتنا الإسلامية
نفى الرجل الثاني في حركة النهضة التونسية، عبد الفتاح مورو، أن يكون قرار مؤتمر الحركة الاستثنائي، الذي أقر فصل الديني عن السياسي في البرامج والتوجهات، تنصلا من المرجعية الإسلامية التي طبعت مواقفها السابقة .
وقال مورو، الذي نزل ضيفا على منتدى “الشروق”: “إن الذي ذهبنا إليه هو عين ما يطبّق اليوم في بلدين قريبين منا، المغرب وتركيا”، في إشارة إلى الحزبين الحاكمين في هذين البلدين: “لقد فصلنا بين الدعوي والسياسي، ومع ذلك لم يتكلم أحد ولم يشكك في إسلامية ومرجعية أي من الحزبين“.
وأضاف الرجل الثاني في النهضة التونسية: “هذا الواقع سيعالج بتخصص من قبل من هو سياسي نشاطه سياسي موقعه سياسي وأسلوبه سياسي وبرنامجه قائم على السياسي.
أردنا أن نستبعد رفع الشعارات المقدسة عوضا عن المعالجة الواقعية للمشاكل التي تعيشها تونس“.
تنزيه الإسلام عن فشل السياسة
وبرأي ضيف المنتدى، فإن هذا المسعى يهدف إلى تنزيه الإسلام عن أي فشل سياسي لحزب بمرجعية دينية: “الذي أرغمنا هو أن العمل السياسي فيه نجاح وفيه فشل، أي فشل يسجل على السياسي باسم الدين يعتبر فشلا للدين، وهنا تكمن الخطورة. بينما فشل السياسي في عمله السياسي لن يؤثر في عقيدته ولا دينه“.
وأضاف: “في تركيا لم يشكك أحد في إسلامية حزب الحرية والعدالة الحاكم، مع أن الدولة علمانية بالكامل، لكن لا تجد للحزب الحاكم وعاظا ولا رجالات في المساجد“.
وأوضح المتحدث: “العمل السياسي يقوم به الحزب وينطلق فيه من برامج، ومن خلال البرامج تبرز المرجعية.
نحن مرجعيتنا إسلامية، لكن عندما نقدم برنامجا للشعب ونقول له اليوم لدينا فشل في الجانب الاقتصادي، نقص في التشغيل.. مثل هذه المشاكل لا تحل بآية أو حديث، بل بالبرامج، وهنا تبرز خلفيتي“.
وعن ردود فعل التيارات الإسلامية على نتائج المؤتمر الأخير للحركة: “القضية تبدو أنها قد صدمت الناس، لكن من العنوان فقط.
ما أعلنا عنه هذه الأيام كنا نمارسه منذ سنوات في صمت، ولما وضعنا لافتة وكأن القيامة قامت.
نحن لا نقول للناس صوتوا لحركة النهضة لأنها إسلامية، لا يجب قول مثل هذا الكلام. نقول صوتوا للنهضة لأنها عندها برنامج ينطلق من مشاكل الناس“..
مخاطبة الناس بما يعتقدون
وعن مصير العمل الدعوي قال: “إن هذه المسألة ستفرض نفسها من خلال العمل.. نحن نسير في الاستقلالية.
أن تكون قياديا دعويا وقياديا في السياسة هذا الأمر غير مقبول”، وتابع: “المرجعية ستبقى قائمة وقد أكدنا على ذلك في الوثائق وهي موجودة، وأشهد الشعب التونسي عليها.
هناك من يدعو إلى المثلية في تونس. نحن ضد هذا، لأن مثل هذا الأمر يتعارض والنمط المجتمعي الذي يتبناه التونسيون.
فهناك من المصطلحات الدينية ما لا يعتد به في النقاش السياسي. أنا كسياسي لا أقول له إن المثلية حرام في الدين الإسلامي، أنا أقول له هذا الأمر يتعارض وقيم الشعب التونسي الأصيلة“.
ومضى موضحا: “القرار هو قرار المجتمع. الأسرة معروفة في المجتمع التونسي أنها تتكون من رجل وامرأة، ومن الغرابة أن تتشكل من رجلين أو امرأتين، بل من رجل وامرأة.
لقد ضحينا في المجتمع التونسي بالتعددية الزوجية، وذلك بهدف تقوية الأسرة، ثم يأتي اليوم ويقال الأسرة تتكون من رجلين أو أنثيين، هذا الأمر في حاجة إلى حوار بين التونسيين، ويعالج بخطاب سياسي وليس دينيا“.
الإيديولوجية لا تنتج الخبر
مورو أكد على ضرورة تجنب معالجة الوضع بالخيارات القائمة على أساس الخلفيات العقائدية، مثل التسوية في الميراث، وأوضح: “أنا كسياسي لا أقول لمن يرفع هذا المطلب إنه حرام، لأنك قد تخاطب الملحد وغير المسلم.
ولكن أقول له إن الأحوال الشخصية تراعى فيها عقائد الناس.. نحن قلنا العمل السياسي يجب أن يخرج من دائرة الحلال والحرام، إلى دائرة الإقناع بالمشروع“.
وعن تأخر الإعلان عن التوجه الجديد للحركة إلى هذه الأيام، أكد المتحدث: “أعلنا عنه حتى لا يكون اختيارا ظرفيا قد يتم التراجع عنه.
نحن قررنا هذا الأمر كسياسة وكاختيار مبدئي. نحن لا نعتبر أن هذا الخيار قد ينجح 100 بالمائة، قد لا ينجح وقد يراجع.
لا يهمنا ما يقوله الآخرون
القيادي في حركة النهضة، أكد أن ما قرره المؤتمر الأخير يبقى خاصا بالحالة التونسية: “نحن لا نعتبره نمطا للحركات الإسلامية خارج بلدنا تونس.
ولذلك من يقول لنا من الجزائر أو من فلسطين أو من أوربا لقد أخطأتم وأفسدتم العمل الإسلامي، أقول له هذا خياري أنا ولا أفرضه عليك ولا أقدمه لك مثالا يحتذى به، هذا اختيار اقتضته ظروف محددة قد ينجح وقد لا ينجح“.
كما نفى أن يكون لهذا الخيار علاقة بما جرى للإخوان في مصر: “لا علاقة لما قمنا به بما جرى في مصر (الإطاحة بمرسي) نحن لم نتجرد من إسلاميتنا، نحن أخذنا درسا. نريد الدخول إلى ساحة لا نطبعها ببرامج فيها إيديولوجية ولو كانت جزءا من مرجعيتنا“.
وعن انتخاب التونسيين لبرنامج النهضة الإسلامي، شدد المتحدث على أن “الطابع المدني قائم في التوجه الإسلامي.
يجب أن يعلم الشعب أن النزاع برامجي قائم على تقديم الأصلح للمجتمع وليس: إسلامٌ وغير إسلام، عوض الانخراط في إشكالات إيديولوجية، يجب حل مشاكل الناس، تونس في حاجة إلى مال، كيف السبيل إلى توفيره؟ لو كان الأمر يتعلق بالإيديولوجيا لطالبت بغلق الخمارات والملاهي، ومنع السياحة، ولكن ماذا بعد ذلك؟
واستطرد موضحا: “نحن نتعامل مع الواقع ونفتش عن الطريق الأسلم. أنا كسياسي أحافظ على الحريات العامة حتى لا ينتكس على حقوق المجتمع. أنا سأضمن الحرية. نحن لا نصوغ السلوكات، بل يصوغها المفكرون“.
النهضة حركة براغماتية.. و”الإخوان” شأن مصري
نفى عبد الفتّاح مورو من جديد أن تكون لحركة النهضة أي علاقة تنظيمية بجماعة الإخوان المسلمين، في الحاضر ولا في الماضي، مؤكّدا أنْ لا علم لقيادات الحركة بما يشاع حول عضوية زعيمها راشد الغنوشي في مكتب الإرشاد العالمي، وأوضح نائبه في منتدى “الشروق”، أنه يتعيّن على المرّوجين لهذه المعلومات أن يشرحوا مقصودهم بالانتماء للإخوان، إن كان بمعنى الالتقاء والتشاور في فضاء إسلامي عالمي، أم بالمفهوم التنظيمي الذي يشير إلى تلقّي الأوامر الصادرة من الخارج، نافيًا بشكل قاطع قيام مثل هذه العلاقة بين الطرفين.
ويرى المتحدّث أنّ التأثر بهذا الترويج يعود لحالة الإخوان المسلمين اليوم في مصر، إذ يعتقد البعض “أنّ النهضة تحاول النأي بنفسها عن الجماعة أو التنصّل منها، وربّما حتّى التشفّي فيها”، معقّبا على ذلك بالقول، إنّ وضع الإخوان هو شأن مصري، وللنهضة قراراتها وخياراتها المتولّدة عن واقعها وبيئتها الوطنية.
وفي ذات السياق، لم يجد نائب رئيس حركة النهضة حرجا في توصيف حزبه بالبراغماتي، بالنظر إلى مواقفه وتوجهاته الأخيرة، مشدّدا على أنّ الحركة تنشد مصلحة تونس، في وقت يعتبر إسلاميون أن دورها هو فرض سلوك معيّن على الناس، إذ يعتقد ضيف “الشروق” أن هذه المهمة موكلة للفكر والثقافة والإعلام، وفي النهاية سيختار الشعب من تلقاء نفسه، مؤكّدا أن الوصول إلى هذه المرحلة سيكون نجاحا باهرا، حيث يضرب المثل بالولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تمنعها علمانيتها من التسويق لنموذج أخلاقي محدّد، فهناك يمكن للمرأة في بيتها أن تبلّغ اعتراضها على أيّ مشهد تلفزي تراه منافيًا للأخلاق، وهذا المستوى من الوعي الاجتماعي هو ما تطمح النهضة إلى تحقيقه، لأنّ الدعوة ليست وعظا في المساجد، بل هي تعبئة لكافة الوسائل لصناعة وعي عام، على حدّ قوله.
وخلص الشيخ عبد الفتاح مورو إلى أنّ النهضة تناضل للدفاع عن الحريّات التي يستغلها غيرها لتكريس نموذج مخالف للنمط الاجتماعي التونسي، لكنها تراهن على ترسيخ الوعي الجمعي للحفاظ على القيم والأخلاق.
“النهضة” لم تطمئن للمرزوقي في الحكم.. والسبسي محلّ ثقة
كشف نائب رئيس حركة النهضة، أن الأخيرة “لم تكن مطمئنة إلى بقاء الرئيس السابق منصف المرزوقي في الحكم، لأنّ استمراره في الرئاسة أثار نزاعات عديدة، ما جعل قيادة الحزب تقف ضدّه”، مع أنّ القرار المعلن وقتها كان يؤكد على الحياد وعدم تزكية أي مرشّح، حيث تركت القيادة الحريّة لأعضاء وأنصار النهضة في اختيار المرشح الأنسب لديهم.
وتعليقًا على تصريح الحليف السابق للنهضة في السلطة، والذي اعتبر أنّ مشاركته في مؤتمرها العاشر “لو حصل سيكون نفاقا”، ردّ مورو أن المرزوقي تصرّف بمزاجيّة، وأنّ مثل هذا الكلام لا ينمي عن روح سياسيّة، مشدّدا على أنّ الاختلاف لا يبرّر القطيعة، وأنّه لا يفهم الحدّة في سلوك الرجل تجاه النهضة.
وبشأن العلاقة القائمة اليوم مع خليفته الباجي قايد السبسي، أكدّ نائب رئيس مجلس النواب التونسي، أن الجميع مقتنع بعدم قدرة أي طرف سياسي على إدارة الحكم في البلاد بصفة منفردة، وبالتالي فإنّ الأولوية هي تكريس الاستقرار، وهذا هو دافع “النهضة” في إسناد الرئيس برلمانيّا وحكوميّا، مثلما يعتبر أن قايد السبسي لايزال محلّ ثقة، وهو في مستوى الدعم الذي يلقاه من طرفها.
وبخصوص التكهنات حول حظوظ حركة النهضة في الاستحقاقات المحلية المرتقبة في تونس، أكّد المتحدث على صعوبة التوقع بنتائجها، بالنظر إلى طبيعة معاييرها الخاصّة، لكنه أعرب عن رأيه الشخصي، في أن لا تتصدّر “النهضة” المشهد الانتخابي، لأنّ المأمورية الشعبية صعبة للغاية، متسائلاً: هل سيكون في مقدورنا إنجاز وتركيز التنمية المناطقية، قبل أن يجيب: بصراحة، لا أرى كفاءات الحركة المحليّة في الظرف الحالي مؤهلة لهذه المهمة المعقّدة.
وعن مدى اقتناع مؤسسات الحركة برؤية “مورو” حول الجاهزية للإدارة المحلية، ظهر المتحدّث واثقًا من صدى أفكاره ومقارباته للواقع وسط القيادات، معتبرا أن نتائج المؤتمر العاشر هي انتصار لتصوراته العامّة.
تونس لن تطبع مع إسرائيل ولا حرج في زيارة القدس
قلّل عبد الفتاح مورو من الهالة الإعلامية والسياسية التي تناولت عدم تعريج الشيخ راشد الغنّوشي للقضية الفلسطينية في خطاب الافتتاح للمؤتمر العاشر، مبرّرا ذلك، بكون الكلمة تركّزت على واقع تونس، ولم تتطرق للسياسة الخارجية عامّة، وأنّ الهدف كان تسليط الضوء على التوجهات الجديدة التي تطرحها الحركة في عملها السياسي، مع تشخيص الوضع الداخلي للبلاد.
وعاد المتحدّث ليؤكد أن فلسطين هي قضية الأمة المركزية، وهي باقية في برامج وسياسات وأدبيات ونضالات النهضة، ولن تكون يومًا مجالا للمناورة أو التكتيك، على حدّ تعبيره.
وفي سياق متّصل، أكّد عبد الفتاح مورو دخول يهود إسرائيليين إلى تونس في الأيام الأخيرة، معتبرا أن الظاهرة قديمة وليست طارئة، لكنها لم تكن معلومة قبل الثورة، لأنها تتعلّق بأمن الدولة، أما الآن فكلّ شيء يجري على المكشوف، لكن “مورو” أوضح أنّ هؤلاء دخلوا الأراضي التونسية كيهود جاءوا لأداء شعائر دينية، ولم تطأها أقدامهم بصفتهم إسرائيليين، حيث حُجزت جوازات سفرهم، حتى لا تُختم باسم تونس، وتسلّموا أوراق دخول مؤقتة كأفراد، وذلك منعًا للتطبيع مع الكيان الصهيوني، مشدّدا على أن الواقعة بهذا الشكل لا تحمل أي دلالة سياسية، وأنّ الموقف من إسرائيل لن يتغير.
لكن نائب رئيس حركة النهضة، وعلى خلاف الكثير من علماء الأمة، يرى أن مسألة تحريم السفر لبيت المقدس وزيارة المسجد الأقصى في ظلّ الاحتلال، هي قضية للاتجار بمشاعر المسلمين، مؤكدا أن الأمر يتوقف على المقاصد، فإن كان الهدف هو دعم الفلسطينيين وتحسيسهم أنهم ليسوا وحدهم في مواجهة العدوّ، فلا مانع لديه من ذلك، متمنيّا على الصعيد الشخصي أن تتاح له الظروف للصلاة في ثالث الحرمين الشريفين.

