التغيير التدريجي لا المتسرّع
إن التغيير الذي يطالب به الحراك الشعبي لا يمكن أن يتم بطرد الكل في يوم واحد دون التدرج طبقا لما تنص عليه المادة “102” من الدستور.
إن المادتين 7 و8 من الدستور تعلنان عن مصدر السلطة للشعب وحده، وعن ملكية الشعب للسلطة التأسيسية.
وممارسة هذه السلطة بواسطة المؤسسات الدستورية التي تختارها، ويمارس الشعب هذه السيادة أيضا عن طريق الاستفتاء.
وطبقا للنظام السياسي المتفق عليه من طرف المؤسسين وهو النظام الجمهوري الديمقراطي وليس النظام الملكي أو الإقطاعي وغيره من الأنظمة السياسية التي لا تعترف للشعب كمصدر للسلطة بل تحتكره لنفسها، مثل ما صاغه “لويس الرابع عشر” في عبارته المشهورة “أنا الدولة”.
وبالرجوع إلى الحراك الشعبي في الجزائر ومطالبه بطرد الجميع، مع أن في بدايته كان محصورا في رفض العهدة الخامسة لبوتفليقة وعندما أعلن عدم ترشحه وإلغاء المسار الانتخابي وتعيين وزير أول جديد خلفا لأويحيى وتمديد العهدة الرابعة لفترة معينة، صعد الحراك الشعبي من مطالبه إلى المطالبة برحيل الكل، وعدم الاعتراف بالحكومة الجديدة، وكذلك تطبيق المادة “102” من الدستور والتمسك بمحتوى المادتين 7 و8 من الدستور، إلا أن تطبيق محتوى المادتين يتم في حالة عدم وجود الدولة سابقا أي تأسيسها لأول مرة أو انتقالها عبر الثورات من نظام ملكي أو إقطاعي إلى نظام جمهوري (شعبي).
والحال أن الجزائر ليست كذلك، فهي دولة قائمة من 1962م متبنية من بداية استقلالها النظام الجمهوري، وإذا كان الهدف من هذه المطالب هو تشكيل أو انتخاب هيئة تأسيسية، تتكفل ببناء هياكل الدولة ومؤسساتها من جديد، فهذا يعني إزالة أولا كل ما بني في فترة 57 سنة من 1962 إلى 2019م، وهذا يعتبر إدانة لكل ما بني ضمنيا في تلك الفترة من منجزات ومن قام بها بأحكام وهمية ومن دون أدلة.
إن إعلان دستور 2016 عن مصدر السلطة بواسطة المادتين المشار إليهما أعلاه لم يكن هو الأول، بل ورد ذلك في كل دساتير الجزائر منذ الاستقلال بل هذا الحق مارسه الشعب الجزائري قبل سن تلك الدساتير، إذ استدعي في 1962م للتعبير عن رأيه في عملية الاستفتاء أي الإدلاء بالحرية أو البقاء تحت الاستعمار الفرنسي، فكانت النتيجة بنعم للحرية بالأغلبية الساحقة، خلاصة القول: إن المادة 8 من الدستور لا محل لها من التطبيق بإجراءات تأسيسية للأسباب التالية:
1- أن الدولة الجزائرية قائمة بأركانها وهياكلها ومؤسساتها منذ 1962م.
2- تطبيق إجراءات هذه المادة يؤدي إلى فراغ دستوري رهيب لا أحد يعرف نهايته وعواقبه الوخيمة المضرة بالسير الحسن لشؤون الدولة داخليا وخارجيا.
3- صعوبة وصول ممثلي الحراك مع الأحزاب والمنظمات للتوافق في أقرب وقت.
وعليه فإن الاحتكام إلى صوت العقل هو السبيل الأفضل والأنجع للبلاد والعباد، نبقى متمسكين بالتغيير ومتابعة المفسدين والناهبين لأملاك الدولة وأموال الشعب بطرق غير قانونية كلما ثبت عليهم ذلك، وأحسن السبل هو تطبيق المادة 102 من الدستور.
ومن خلال المادة 8 من الدستور يمكن المطالبة بإبعاد وزارة الداخلية عن الإشراف على عملية الانتخابات الرئاسية وتعويضها بهيئات مستقلة مشكلة بالتوافق مع الحراك الشعبي والأحزاب والمنظمات المدنية، مع لجنة المراقبة مشكلة بنفس الطريقة.
أما التغيير الشامل فلا يتأتى إلا بعد انتخاب رئيس الجمهورية وتعديل الدستور الذي يحدد الصلاحيات لرئيس الجمهورية والمؤسسات الدستورية وتحديد طبيعة النظام الجديد (رئاسي أو برلماني أو شبه رئاسي).
والفصل الحقيقي للسلطات الثلاث، هذا نعتقد أننا سنصل إلى تسيير دولة يسيرها جيل جديد حامل لرسالة التغيير والبناء والتشييد ومحاسبة كل المفسدين السابقين واللاحقين.