الرأي
من بعيد

التغيير في الخليج العربي… كما يراه أهله!

لم تعد دول الخليج العربي كما عهدناها لعقود أراضٍ يعمّها الخير وتتكالب عليها الأمم، ويغدو إليها كل من يحلم في تغيير وضعه المادي، أو تمثل له ورشة واسعة لإيجاد فرصة عمل… لقد تبدّلت الآن كثيرا وظهرت فيها نخب تدعو صراحة للتغيير الشامل على جميع الصّعد، بأسلوب هادئ تجاه الحكومات والزعماء، وشرس من بعض عناصر النخبة ضد الجماعات الدينية لدرجة يختلط فيها رفض الأحزاب الدينية برفض الإسلام من منطلق أنه عبادة تخص الفرد، ولا علاقة له بالتعبير عن التغيير السياسي والثقافي.   هناك من مفكري الخليج العربي ـ الكويت والسعودية تحديدا ـ من اختلطت لديهم الأهواء بالحقائق، لدرجة اعتقدوا فيها أنّه لا مفر لإخراج العرب من أزمتهم من تبنّي مشروع الدولة المدنيّة، وإبعاد الإسلاميين من المشاركة السياسية على اعتبار أن الدولة المدنيّة الحديثة لا تقوم على أساس عرقي أو طائفي أو ديني أو مذهبي، لكن لا حديث من هؤلاء على شكل الدولة في المستقبل، أي أنهم لم يشيروا لشكل الحكم وأهله.  بالمقابل هناك فئة من عناصر النخبة الخليجية من بدأت تناقش بعلانية وبصوت مسموع ضرورة التغيير في مناهج التعليم وفي وسائل الإعلام معترفة بتمويل خليجي يكشف عن ازداوجية في المعايير، بحيث إنشاء وتمويل قنوات فضائية تهتم بالفتنة بكل أنواعها بدءاً من فتنة الأجساد والعورات وليس انتهاء بفتنة الروح والفكر، لكنها في نفس الوقت تطالب مجتمعاتها المحليّة بنوع من الطهر المزعوم، وأخرى تطالب بتعميق مفهوم المواطنة بتوزيع الثروة بالعدل على مختلف المناطق داخل الدولة الواحدة، منبّهة إلى خطورة ما سيحدث في المستقبل في حال عجز الدّول الخليجية عن تقديم مساعدات للمواطنين كما هي الآن.   إذن، الخليج العربي يتحرّك من الداخل، متأثرا بالأحداث الدّولية والإقليمية، خصوصا الوضع في العراق وإيران، لدرجة علت فيها أصوت متجاوزة ما يحدث في دول عربيّة مثل مصر والجزائر والمغرب، الأمر الذي يشي بالدّخول في فوضى غير مبررّة لأن مشكلات الحياة في الدول الخليجية تختلف عن تلك الموجودة في الدّول العربيّة الأخرى، وكذلك الحال بالنّسبة لأساليب التنمية. صحيح أن البداية كانت عنفا ضد الآخر الخارجي وعلى أرضه، لكن تحولت مع الأيام إلى نقاش حاد في الدّاخل، ينظر فيه المسؤول بحذر وحيطة لعناصر النخبة، وتنظر فيه هذه الأخيرة لأصحاب القرار بشك وخوف.   الكلام السّابق لا يعني أن تجارب الدول الخليجية واحدة، لأن الفرق بين تلك التجارب بيّن، لكن ما يعنينا هنا أن السياسة لم تعد مقصورة عن الاهتمام بالقضايا القوميّة، بل عادت لتغرق في المحليّة ضمن شعارات ترفعها الدول العربيّة جميعها وليست الخليجية فقط، إلاّ أنّها وهي تقوم بذلك ذهبت إلى حيث بدايات التغيير في كثير من الدّول العربيّة، حين تبنّت سياسة التوطين أي دفع المواطنين بلا تجربة إلى الصفوف الأولى، فكانوا مثل »السّاعي إلى الهيجاء بغير سلاح« ولذلك تكلّفت الدّول الخليجيّة الكثير من أجل إعداد كوادرها الوطنيّة.    القول بشموليّة التجارب الخليجية فيما يتعلّق بظهور أصوات ترتفع اليوم مطالبة بالتغيير الفوري، لا يعني أن لها مشكلة عامة، ولا تحمل رؤية خليجية موجهة، واضحة في أهدافها، خصوصا وأنه لا يوجد بينها تراث سياسي واحد، وهذا ليس نابعا فقط من معايشتي للأحداث في دولة الإمارات وإعدادي لملفات صحفية، ميدانية في كل من: البحرين واليمن والكويت وقطر وعمان، وإنما يعود إلى حضوري في عدد من مؤتمرات مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، ومنها المؤتمر الذي عقد الأسبوع الماضي تحت عنوان »الخليج العربي بين المحافظة والتغيير«، واشترك فيه كتاب وباحثون من الدول الخليجية، وحضره جمهور غفير، وأشرف على نشاطاته مدير عام المركز الدكتور جمال سند السويدي.   في هذا المؤتمر بلغ النقاش ذروته حين تناولت بعض الأوراق علاقة الدّين بالحداثة وظاهرة الإرهاب وانعكاساتها على المجتمع الخليجي، وتوصل المؤتمر إلى نتائج إيجابيّة لجهة البحث في القضايا الشائكة، لكن الملاحظ غياب أوراق عن التجربة العمانية مع أنها تعد من بين التجارب المتميّزة في الوطن العربي وليس الخليج فقط، لكونها تسير نحو ديمقراطية هادئة مصحوبة بتنمية شاملة يتولاّها العمانيون بروح وطنيّة عالية.   الملاحظ أن تلك الأصوات علت في مركز معروف ركّز اهتمامه خلال ثلاث عشرة سنة على قضايا الخليج… متخطيا المحظورات وفاتحا المجال أمام الجميع، حتى غدت الأيام الثلاثة التي ينعقد فيها المؤتمر أياما خالصة للتعبير عن الأفكار المضادة، وبالطبع ذلك أفضل من التسليم للعامة من خلال المشاركة في الانتخابات ثم تحميلها فشل الديمقراطية.  باختصار ذهبت غالبيّة مداخلات المشاركين إلى التأكيد على أن الدول الخليجية في حالة غليان، لكن لم تحدد متى يحدث التغيير الكبير، وسلّم بعض المشاركين بوجود محافظة على جميع المستويات، وذهبت قلّة إلى القول: إن المجتمعات الخليجية لاتزال في مرحلة التخلف. وبغض النظر عن كل هذا، فإن الكتاب الخليجيين جاهروا بالحاجة إلى التغيير، وتلك بداية يعود الفضل فيها إلى مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية لطرحه موضوع التغيير في الخليج العربي أولا، وإتاحة الفرصة أمام الباحثين والجمهور للإدلاء بآرائهم ثانيا… والمهم في كل هذا تغيير، الصورة النّمطيّة عن دول الخليج، إذ لم تعد فرصة للعمل أو المال فحسب ولكن للأفكار أيضا، وأتصور أن تلك رسالة يسعى أهل العلم والثقافة وقليل من أهل السياسة توصيلها لإخوانهم العرب وللعالم الغربي ضمن شروط جديدة تفرضها المصالح المشتركة.    

مقالات ذات صلة