التفسّخ في لباس شبابنا.. إلى أين؟
من أعاجيب ما يطفو على السطح أحيانا ظهور بعض الظواهر السلوكية الغريبة الصادمة أحيانا لدى لفيف من شبابنا وشاباتنا، كالمبالغة في “التبرج” و”التزواق” ولباس الإثارة لدى فتياتنا، في مختلف المراحل العُمرية، وقصات الشعر العجائبية لدى شبابنا وأبنائنا، فضلا عن تلك الأنواع الغريبة المزركشة من الألبسة من كل نوع وشكل، بصور ورسوم ووجوه ورموز وكتابات “كُفرية” أحيانا للأسف الشديد، أو كتابات جنسية بذيئة.
قد يرتدي الواحد من أولئك الشباب والشابات من الثياب ما يرتدي ولا يعرف معاني ما تحمله تلك الألبسة، وقد يعرف والمصيبة ـ حينئذ ـ أعظم.
المسألة هنا لا تتصل فقط بفلسفة الزي التي هي، في حد ذاتها، تعبير عن سلوك يفصح عن الهندسة النفسية لأي شخص، ويترجم القيم والمبادئ والأفكار التي يؤمن بها كل فرد كما كل مجتمع، بمختلف شرائحه، وإنما هي أكثر من ذلك. إنها تعبيرٌ فصيح عن مستوى الوعي الذي بلغه فردٌ أو مجتمع ما.
أتصوّر أن مسألة اللباس أخطر من مجرد ظواهر و”موضات” وطيش الشباب وانبهارهم وقلة خبرتهم، وعدم معرفتهم؛ إن تلك الألبسة تكشف عن جملة أمور يحسُن أن نقف عندها، على سبيل التذكير والمراجعة والمناصحة.
إنها تكشف عن “غيابنا” كأولياء في حياة وسلوك فلذات أكبادنا، كما قد تكشف عن استقالتنا، وبُعدنا عن أبنائنا وبناتنا وانعدام التأثير فيهم إلى حد بعيد، وما ذلك بالأمر البسيط. وإذا كنّا لا نستطيع التدخل في شأن ظاهر كاللباس فإن “تدخّلنا” في أمور أخرى أبعد.
إن هؤلاء منّا، هم أبناؤنا وبناتنا، ولم يأتوا إلينا من كواكب أخرى، أو أمكنة أخرى… فكيف وصل بهم الأمر إلى هذه الحال من التفسخ في الملبس، والتقليد لكل فاجر وداعر وتافه في زيّه وسلوكه، وقصة شعره، وما يلبس وما يفعل، وما يهوى ويحب؟!
وتكشف أيضا عن “فراغ” كبير في الفكر والرؤية، وانعدام الإحساس بالانتماء إلى الأرض والوطن، وذلك أيضا ليس أمرا هيّنا. ويتصل الأمر هنا بالأولياء كما بالأبناء، فانعدام الحسّ الوطني في قليل أو كثير هو مؤشر سلبي بالغ الدلالة على انحدار لا ندري نهايته.
إن مسألة اللباس عامة وبعض ما يأتيه الشباب من الذكور والإناث في شؤون سلوكية أخرى يشير إلى ضمور مسألة “الهُوية” كلية، والانفصام المفزع في الشخصية، وانقطاع عن الجذور والأصول. وقد عالجت بعض ملتقيات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هذه المسألة (الهُوية/ملتقى الأوراس خنشلة) وانتهت إلى دقِّ ناقوس الخطر في هذا الباب، وضرورة الانتباه من “الغفلة” التي نحن فيها. وإنه من المؤسف هنا أن يكون بعض “النجوم” كلاعبي الكرة ـ والمغنين والمغنيات ـ والممثلين… هم قدوة الشباب ومثالهم الأعلى ونموذجهم المتأسّى به، وأولئك النجوم في الحضيض سلوكا وأخلاقا، وبعضهم منحرف يتعاطى المخدرات.
فضلا عن ذلك، فإن انتشار تلك التقليعات الغريبة في: الملبس والزي، وقصات الشعر، ومسائل أخرى معروفة لدى الشباب وبعض الراشدين والراشدات، يشي أيضا ببعض ملامح الاختلال التي وجب التنبيه إليها على نحو أو آخر، كما وجبت معالجتُها لمن يُضمر الخير والفضل للأجيال القادمة. فليس ما يُرى سوى الصورة التي تخبِّئ حقائق كثيرة، بعضها مؤلم ومفجع.
وأحب أن أقول بصراحة، هنا:
إن هؤلاء منّا، هم أبناؤنا وبناتنا، ولم يأتوا إلينا من كواكب أخرى، أو أمكنة أخرى… فكيف وصل بهم الأمر إلى هذه الحال من التفسخ في الملبس، والتقليد لكل فاجر وداعر وتافه في زيّه وسلوكه، وقصة شعره، وما يلبس وما يفعل، وما يهوى ويحب؟!
إن هناك مسؤوليات جسيمة لم تُؤدَّ، بدءا من الأسرة التي يبدو أنها غيَّبت الدور التربوي في فضائها، وأخلت وظائفها من الفيتامينات الأساسية في الإعداد والتنشئة وأعني هنا الحب، الحنان، غرس القيم، التهذيب، التزكية، الاستقامة.. إلى آخره، حسب تقاليد وأعراف التنشئة والتربية والإعداد التي توارثها مجتمعنا جيل بعد جيل.
إن ما يبدو مجرد تقليد بسيط، في نظر البعض، قد يقود إلى ما هو أخطر وأكبر، عندما ينخرط أولئك الشباب في أنشطة وسلوكات أبشع وأخطر. وليس بمستغرب أن نسمع عن “شباب” باعوا أنفسهم ومبادئهم ووطنهم. فهذا “تنصير”يفعل فعلَه القبيح، وهذا “تشيّع” يعلّب الأذهان ويبرمجها على إيذاء الصحابة الأطهار، وهذا تجنيدٌ في شبكات استخباراتية عالمية نعلم جميعا أنها تشتغل ـ ليلا ونهاراـ وأهدافها الكبرى اصطياد “العنصر البشري” الرخو، الضعيف، الضائع، الذي لا دين ولا أمانة له، ذي القابلية السهلة للتطويع. والقاعدة الأساسية في هذا المجال تقول: من يتساهل في قيّمه ومبادئه يتساهل في كل شيء آخر، ويبيع كل غال بغرض رخيص من الدنيا.
إن الإشكال الأول في كل ذلك ـ فيما أرى ـ هو غياب الرؤية الذي يُفضي إلى غياب البرنامج، فليس هناك ما يشير إلى وجود ما يربط هؤلاء الأبناء والبنات ـ من فلذات الأكبادـ بهُويتهم، دينا، ومبادئ، ولغة، ووطنا..
إذا كان المظهر واللباس قد يكشف عن كل هذا، فماذا يمكن أن تكشف عنه الدراسات العلمية الجادة والمتعمقة. ولمَ لا تكون هذه أولوية سياسية ودينية وتربوية وثقافية لدينا؟