التفكير الإبداعي.. الطب مثالا
حينما نتحدّث عن الإبداع، تتبادر إلى الذّهن الميادين الفنّية والأدبية من كتابة ورسْم وتمثيلٍ وموسيقى.. لأن المُتلقي بشكل عام درَجَ على قرن الإبداع بهاته الميادين، لكنّ في الحقيقة الإبداعُ والفكر الإبداعي بشكل عام يتعدى هاته الميادين ليَعُمَّ باقي المِهن والوظائف التي تتطلب -للتمكن منها- امتلاك قدر ما من هاته المهارات والتحكّم فيها…
من بين الميادين العلمية المُميّزة والتي تعتبر من المطامح المرغوبة في المسار الجامعي والمهني لشبابنا، ميدان الطبّ… على نُبله وحلاوته يتّسم هذا الميدان بصعوبته البالغة وعُسْر تحصيله… من جهةٍ لاستفاضته وترامي جوانبه وتعدّد تخصصاته، ومن جهة أخرى لثقل المسؤولية فيه؛ وما أثقل أن يؤتَمَنَ المرءُ على حياة إنسانٍ يُسْلِمُ له ولعلمه أمْرَهُ ومآلَهْ…
وأمام إشكالية استفاضته كعلمٍ وتعقيده، كان لزاما أن يكون ثمّةَ تفكيرٌ إبداعيُّ بالأخص يبسّط المُعقَد ويقُصّر سُبُل الحلول ويُعَجِّلُ بها… من المفروغ منه أن كلّ ميدانٍ علمي يحتاج تحصيلا وكمّا معرفيا مُعيّنًا يُلزَمُ باكتسابه كل مُشتغل بهذا العلم بل ويكون مُلزماً أن يتحرّى جديدهُ وحديثه باستمرار من غير انقطاع… لكن في الحقيقة ذاك أمرٌ ليس بالكافي، إذا يتعيّنُ وجوبا على المرء امتلاك أدواتٍ ومهاراتٍ تُمكنه من توظيف هذه المعارف العلمية عمليَّا وحلّ المعضلات التي تواجهه بأقل مجهود وفي وقت قياسي وبأقلّ تكلفة…
وفي هذا الباب قد يجد الطبيب نفسه أمام مشاكل تشخيصية، إذ يشتكي مريضه من أعراضٍ مُعيّنة -بسيطة كانت أو فادحة- والتي تدُّل بشكل مباشر أو غير مباشر على مُسبّباتٍ لها، ومتى عُرِف السّببُ ومصدر العِلّة، سَهُلَ مُداواتُها والتحكم فيها -طبيا أو جراحيا-… وخلال هاته المراحل المختلفة، يتميّز البعضُ عن الآخرين بقدرة إبداعية في استقراء هذه الأعراض وربطها بمُسبباتها، وجانب إبداعيّ آخر يتعلق بمداواتها وتطبيبها طبيّا أو جراحيّا..
من بين أهم الجوانب الإبداعية لدى الطبيب، الفكر التحليليّ، فقبل الشروع في محاولة حلّ مشكل ما، علينا ابتداءا أن نفهمه جيّدا ونحيط به كلّ الإحاطة… هذه القدرة على تبسيط المشكل المعقد وتفكيكه إلى جزئيات بسيطة، يُعادُ ربطها ببعضها البعض بطريقة منطقية تمكّن المتفحّص فيها من رؤية جوانب وتفاصيل من المشكلة لم تكن جليّة بادئ الأمر.. وهذه القدرة التحليلية تُسهّل الوصول إلى حلولٍ أو مقترحات حلول..
ولأن الإحاطة بالمشكلة أمر ضروري فإنه من الأهمية بمكان إيلاءُ اهتمام بالغ لتحصيل كلّ ما يمكن تحصيله فيما يخصُ جزئيات المشكلة وما بإمكانه أن يسهم في كشف أسبابها، لذا فإن من بين المهارات الأساسية للطبيب إجادة التواصل مع مريضه، وإجادة محاورته وتوجيهه -إعانة له- لترجمة ما يريد إيصاله وما عجُمَ عن إيضاحه، وكل هذا يكون ذا فائدة جمّة…
جانبٌ آخر يسمحُ للطبيب بأن تكون له رؤية أعمّ وأشمل للمشكلة، وهو الانفتاح على مختلف الفرضيات الممكنة، إذ أن الأخذ بعين الاعتبار كلّ ما هو ممكن سببًا ونتيجة يؤمِّنُ عدم إغفال ما نحن بصدد طلبه، ولو كانَ مُسبّبا نادرا أو ضئيلةً توقعاتُ كينونته…
ولأن المنهجية أمرٌ علمِيٌ وأساسي، فإنه من الإلزام أن يتسلّح الفكر الإبداعي بالتنظيم والتدرج في طرح جزئيات المشكلة، ثم ربطها ببعضها بعض، وصولا لفرضيات مسبّباتها، تدرّجا منهجيا انطلاقا من الشائع منها إلى النادر، ومن الفادح إلى البسيط منها أيضا… التنظيم عمادُ كلّ فكر إبداعي
ختامًا، فإن الممارسة والتجربة، كفيلة بصقل هذا الفكر الإبداعي، لأن مواجهة المشاكل المتعددة، مختلفة كانت أو متكررةً، يتيحُ للمرء أن يصقل تجربته وأن ينُجِّذَ الإسقاطات العملية لمعارفه النظرية، فما بين المشاكل – مُستعصيها ومحلولها – تتعاظم التجربة ويُصقل معه الفكر..