الرأي

التفكير النّقدي

لمباركية نوّار
  • 1826
  • 1

مفهوم “التفكير النقدي” مفهومٌ مركّب اندمجت فيه قدرتان اندماجا كليا، وهما: القدرة على التفكير والقدرة على النقد، مما يعني أن العمليات الذهنية المرافِقة له هي على درجة كبرى من التعقيد والتشابك. وكغيره من المفاهيم التي تنتمي إلى العلوم الإنسانية، فإن مفهوم “التفكير النقدي” يواجَه بعدد كبير من التعريفات التي تعكس اختلاف المواقف وتنوع القراءات وتعدد تعريفات؛ أي مفهوم هي أولى العلامات التي توحي بمقدار أهميته في التداول والاستعمال. ونجد من بين التعريفات المبسَّطة المرافِقة لهذا المفهوم تعريفا ينص منطوقُه على ما يلي: (إنه عملية تقويم لكل المدرَكات الحسية والفكرية قبل قبولها أو رفضها، والرضى بالاستحسان عنها وإقرارها بالتبني، أو دفعها بالدحض والبطلان).

يضع مفهوم “التفكير النقدي” حاجزا فاصلا بين العقل المهيأ للنقد المعتمِد على الفحص والتدقيق والتمحيص في كل ما يصله من محيطه والعقلِ الخامل المستسلم الذي يتشرب كل ما تجرفه إليه رياح الفكر كما تتشرّب الأرض العطشى الماء الذي ينزلق على سطحها من دون وثوقية أو تحقيق، ويستقبلها استقبال المسلّمات الجاهزة التي لا تناقَش ولا تقلَّب. والقدرة على التفكير النقدي كغيرها من القدرات العقلية تقبل التطوير والنمو. ونفهم من ذلك أن للمدرسة دورا طلائعيا في تنشئة المتعلمين على ممارسته أو على هجرانه ومعاداته.

يشكل التدريب المستمر على التفكير النقدي في المواقف التعليمية غاية مثلى بالنسبة لكل المدارس التي تنشد بناء المواطن الفطن والنبيه. ومن بين قراءاتي المتواضعة حول الموضوع، اقتبس الأسطر الموالية للدكتور المغربي عبد الحليم أبداح التي تقول: (كما أصبح التفكير الناقد باكورة التعليم الحديث في الدول المتقدمة علميا، وأعيد طرح المناهج التعليمية لتتوافق ومهارات التفكير الناقد؛ لأنه يمهد الطريق للمعلومة المراد إيصالها بفتح أبواب الذهن لها بمفاتيح الأسئلة والفضول فتدخل بسلاسة وترحيب كإجابات لبت دعوة مضيفها. بينما يجعل أسلوب التلقين المجرد من المعلومة ضيفا ثقيلاً على الذهن فتوصد أبوابه بوجهه أو تفتح على مضض. كما أن أسلوب التفكير النقدي يغمس الطالب ذهنيا بالمادة المدروسة تفكيرا ونقاشا وتجربة وعصفا ذهنيا مستخدما كل أدواته الذهنية، فتترسخ الفكرة وتصبح جزءا من الآلة الفكرية مما يضمن استيعابا عميقا، ليس للمعلومة فقط، بل للتدرج الفكري الذي أنتج المعلومة. وأحيانا يتجاوز ذلك لإنمائها باستنتاجات جديدة وزوايا تصور متعددة. على عكس التعليم التلقيني الخامل الذي يعتمد على خزن المعلومات ونقلها دونما تفاعل حقيقي، فهو لا يتأثر بالفكرة ولا يؤثر بها، ولا ينمو بها ولا تنمو به. ولذلك قال الفيلسوف اليوناني بلوتارخ: “يجب على العقل أن يشتعل كالنار، لا أن يُملأ كالكأس”).

والتفكير النقدي هو بمثابة المصفاة أو الغربال الذي يقف في طريق المواد الموجهة إلى العقل، فينظر فيها بعين التمييز والتفريق، ويعاملها بمعيار الاصطفاء والانتقاء، فيختار الغنيَّ المفيد الخالي من الأوشاب وأخلاط العوالق، ويخلي سبيل الغثّ الموبوء. ومن نافلة القول الإشارة إلى أن تثبيت كفاءة التفكير النقدي في مناهجنا التعليمية أمست ضرورة ملحَّة، وأداة تحصينية ووقائية حتى نصون عقول متعلمينا من الترّهات وسفاسف الإذعان القاتل ومخدرات الدروشات المنحلة التي تمنح لها صياغاتٍ مثيرة مضللة.

يتحف التفكيرُ النقدي الوظائف العقلية بنشاط يتسم باليقظة المستمرة، والتوجس من كل جديد، والحذر منه قبل فحصه، وأخذ الحيطة من خفاياه وأسراره. ولو اكتسب آباؤنا وأجدادنا أساسيات وقواعد التفكير النقدي لما كانوا ليتزينوا بألبسة الدراويش التي أسقطتهم في مطبات الاعتقادات الباطلة والتي صنعت منهم مريدين منقادين لأناس ادّعوا المشيخات في بعض الزوايا والتكايا حتى أضلوهم عن الصراط المستقيم، ورموا بهم في جحور الأوهام وفي نيران الآثام. وما يُؤسف له هو أن تغييب التفكير النقدي أصبح واحدا من أزمات تعليمنا التي جعلت التجريح في كتبنا المدرسية يعبِّر عن سطحية وخواء في كثير من الأحيان. وزادت الدروس اللصوصية اللقيطة المنظرَ النازف بؤسا وفقرا مزريين.

ينطلق التفكير النقدي من التساؤلات التشكيكية العميقة التي تتجاوز سطوح القضايا وتخترق قشرتها وتتوغل في بواطنها، ويبدأ من افتراض تعدد المهايع والسبل والمسارات المؤدية إلى لب وصلب القضية المطروحة. وأما جمع البيانات والمعلومات من الإجابات المتوفرة فيسمح بإصدار الحكم واستخلاص طريقة التعامل معها بالضم والاحتضان أو بالرمي والقذف. والتفكير النقدي هو وحده الأداة التأهيلية التي تقود إلى تعلم فنيات قبول الرأي الآخر أو رفضه، وتؤهّل المتعلم بأن يكون مصيبا في اختياراته المستقبلية مما يرفعه إلى مقام المواطن الصالح الذي لا يعرف السير إلا في طرق الخير.

يمثل التفكيرُ النقدي سلاحا دفاعيا ووقائيا لا يمكن الاستغناء عنه في تشكيل العقول وصك اختياراتها. وهو من يحرس كل حواسّ الإنسان من الوقوع في خطأ التقدير والانجرار عفويا إلى مخازي التسليم، ويقوّي يقظتها، ويعلي منسوب عملها كنوافذ مفتوحة على المحيط. ولو جرى إدماج التفكير النقدي في مناهجنا، فهل كنّا سنقدم على منع تدريس “نظريات” علمية يلاحقها نقدٌ شديد كنظرية “التطور” ونظرية “التوالد الذاتي” في البيولوجيا؟. وبسبب غياب التفكير النقدي، أصبحت مادة الفلسفة رغم علو شأنها مبحثا غير مرغوب فيه في مدارس إحدى الدول الإسلامية بسبب أحكام بالية لم تعُد تقنع أحدا. وفي القرآن الكريم، نقرأ آياتٍ تحفز على إعمال العقل وإغراقه في التفكير والتدبر في مخلوقات الله التي تملأ الطبيعة، وهي كتابه المفتوح، والابتعاد عن تقييده بإحكام موروثة أو مسبقة؛ لأن التفكير النقدي هو من يقدح أولى شرارات العقل في كل الوضعيات بما في ذلك الوضعية الإيمانية.

إن التكاثر المتزايد في إنتاج المعارف في مختلف التخصصات العلمية، وتدفقها المبهر والمدهش والمذهل، لا يمكن مواجهته إلا بتصنيفها وفق معيار الفائدة الذي يراعي القيم الإنسانية العامة ونظيرتها الخاصة، ما لم يكن الراغب في الأخذ منها متحصنا بالتفكير النقدي المصحوب بالحس العلمي الرفيع والثقافة السليمة المستلمين من التكوين المدرسي. والمدرسة التي تعادي هذا التوجّه هي مدرسة عاجزة وفاقدة لجاهزية مواجهة المستقبل.

يضع مفهوم “التفكير النقدي” حاجزا فاصلا بين العقل المهيأ للنقد المعتمد على الفحص والتدقيق والتمحيص في كل ما يصله من محيطه والعقل الخامل المستسلم الذي يتشرب كل ما تجرفه إليه رياح الفكر كما تتشرب الأرض العطشى الماء الذي ينزلق على سطحها من دون وثوقية أو تحقيق، ويستقبلها استقبال المسلّمات الجاهزة التي لا تناقَش ولا تقلَّب. والقدرة على التفكير النقدي كغيرها من القدرات العقلية تقبل التطوير والنمو.

لمّا ينتقل الطالب إلى الدراسة الجامعية الموسعة يفترض فيه أن يكون قد اكتسب حزمة أدوات التفكير النقدي وامتلك نواصيها أو عنان أغلبها. ولن يبقى أمامه سوى سنّها من خلال المحاضرات والأعمال الموجَّهة والأعمال التطبيقية وفي بحوثه وإنتاجاته المختلفة. ولكن المصيبة هو أن معظم الأساتذة لا يبذلون جهدا للسير على منوال تعلّمي لامع وممتع يكرس عند طلبته التفكير النقدي، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإنما يفضّلون طباعة المحاضرات المسلوخة حرفا بحرف من كُتب غيرهم وبيعها لهم مع توصية تفيد برهن أسئلة المراقبات المستمرة والامتحانات بمحتواها. وإن وُجدت محاولة من قبل قليل من الأساتذة لتغيير المنظومة الفاشلة في التدريس والعمل على بناء عقل الطالب على أسس تجنح إلى التفكير والنقد والابتكار، تواجَه بإعراض من طرف الطلبة أنفسهم. وقد يقف أصحابُها في موقف المساءلة المحرجة من طرف إدارة المؤسسة التي يشتغلون فيها، ولا يتراجع الطلبة والإدارة في إفشالها وقبرها في مكر.

إن معارضة أسس التعلم النوعي والمتقن في كل مراحل التعليم، وحصر الهدف في تحقيق نسبة نجاح مقبولة هي سبب الانتكاسة التكوينية في مؤسساتنا التعليمية. وبسبب هذه النظرة العوجاء والعمياء سادت آليات الحفظ والتلقين، وفشل كلّ من يحاول أن يعمل ضدّها لإنتاج معرفة تحقق النشاط العقلي المكثف وتستوقد قدراتِ الذهن وطاقتَه وتكون محروسة بالاقتناع المبني على ضوابط صارمة وأسس متينة، وتناهض نشر جرعات علمية معلبة وقريبة من الجهل. ولي رأي بعيد أظن فيه أن الطريقة التي تعلّم بها الفرد تنطبع بها شخصيته، وتترك أثرها على كثير من سماتها.

نجد الدكتور مصطفى عشوي المفضال، الذي ندعو الله أن يبارك في جهوده العلمية الرصينة، من رجال الصف الأول المثابرين الذين اهتمّوا اهتماما غير مسبوق من طرف أهلنا بموضوع التفكير النقدي ومتابعته في عمل بحثي متميز أخرجه في كتاب سمّاه: “مهارات التفكير النقدي لدى طلاب الجامعات العربية”. وتعدّ هذه الدراسة البحثية الميدانية من الأعمال المحكّمة والمشكورة، لأنها ترنو إلى غاية مثلى لا يجوز تحقيرُها عبّر عنها صاحبها بقوله: (ونحن نرى أنه لا يمكن تطوير التعليم بصورة عامة وتطوير الموهبة بصفة خاصة في الوطن العربي من دون تطوير التفكير النقدي والتفكير الإبداعي في إطار منظومة تربوية متكاملة).

سنحاول الاقتراب قليلا، في مقالةٍ قادمة، من هذا العمل البحثي النفيس الذي يستحق صاحبُه عبارات المدح والتنويه.

مقالات ذات صلة