التقدم نحو الخلف
لبست طاقية الإخفاء التي تسمح لي بالتنقل والتخفي واجتياز الحدود بلا توقيف ولا جواز ولا تفتيش، لأجد نفسي أدخل على الوزير الأول (الأخير) وهو منتشي بما قام به خلال الأشهر الأخيرة رغم التعب (فتعب الرئيس، راحة!). قلت في نفسي: علي قبل محاورته، أن أداعبه قليلا، وأفزعته لبعض الدقائق. ورحت من حين لأخر أحدث صوتا تحت المكتب أو خلفه أو على الباب أو على بعض أثاث الديكور حوله، قبل أن أشرع في بعثرة بعض ملفاته على المكتب وهو فاتح فمه، لا يجرؤ حتى على مناداة الحراس، ربما خوفا من أن يتهم بالهبل أو الخبل!
تركته يلتفت يمنة وشملة باحثا عن مصدر “التخرخيش” في مكتبه العريض فلم يجد شيئا، عندها، حمل حقيبته ومعطفه وهم بالخروج مسرعا قبل أن أوقفه بصوت من خلفه: السيد الوزير الأخير، هل تريد أن تتسلل خارج المكتب؟ فأنا قد تسللت داخله من دون أن يتفطن لي المتسلل الأول! عندها، ارتبك وأراد أن يصرخ قبل أن أقاطعه: لا تقلق: أنا الصحفي المخفي، تعرفني بالتأكيد، جئت لزيارتك ولأجراء حوار معك، إن قبلت، وإلا فإني سأضطر إلى إجراء حوار معك بالسيف! ضحك وقال لي: خلعتني، هذا غير أنت؟ مرحبا، ولكن كان عليك أن تدخل من الباب الواسع! قلت له: دخلت من الأبواب الواسعة الموصدة، ولم أدخل من النافذة! أنا مثل الاستعمار الكلاسيكي ابن الكلب، يدخل من الأبواب المشرعة وليس مثل الاستعمار الجديد ولد الحرام، الذي يدخل من النوافذ! ضحك قبل أن يقول لي: أعرفك طريقة إجابته، الإجابة حاضرة دوما عندك، لكني مشغول اليوم ولا أستطيع أن أجري مقابلة معك، أرجع في يوم آخر، لعلي أكون في كامل وقتي، فقد وجدتني أحضر نفسي للخروج لاجتماع مع الرئيس، لقد طلبني في الحال! قلت له: هذا هو السؤال الأول، وأجلس وأجب من فضلك، لأنك إذا لم تجبني على أسئلتي اليوم، فقد أسبقك عند الرئيس وأجري معه الحوار قبل أن يقابلك. قال لي وهو يجلس: أنت باسل. قلت له: وأنت بسالتك فوق كل بسالة، أنت بطل حقيقي. السؤال الأول يقول: هل صحيح أن ملف الرئيس الصحي مزور؟ فبعض السياسيين يطالبون بكشف الحقيقي وإحالة الملف الصحي للرئيس إلى أطباء دوليين متخصصين في معرفة كفاءة الرجل لقيادة البلاد والترشح لعهدة ما لا نهاية! قال لي: الملف الطبي صحيح، فقد فحصه الهاشمي وبلحمر، والصادق نتاع الاغواط، والكل أجمعوا أنه لا يعاني لا من مس لا جن ولا سحر، وأنه في كامل قواه العقلية، وأن السحر الذي كان به قد تم نزعه. قلت له: والأطباء الدوليين؟ قال لي: الهاشمي مختص في الأعشاب وهو دولي وبلحمر من دولة في الغرب الجزائري والصادق من دولة في الجنوب الجزائري! أو ليست ولاياتنا (المتحدة) مثل الدول؟ كل ولاية لها قوانينها الإدارية كأنك ماراكش في الجزائر؟ قلت له: هذه قلها لروحك! قال لي: والله ألا تعجبت! كل ولاية، تحكم كما بغاو مواليها، أقصد إدارتها! وحتى في الولاية الواحدة، كل بلدية وكل دائرة تمشي بقوانين عرفية محلية، وفي كل بلدية، كل رئيس بلدية، داير قانون محلي كأنه في جمهورية خاصة به! قلت له: راك تشتكي لي؟ أنا اللي جيت نشتكي لك هموم الناس، أنت من كنت رئيسا لحملة الرئيس في العهدة السابقة، (ورئيس حكومة ذات حملة انتخابية مسبقة عامة للعهدة المقبلة). قال لي: الرئيس بخير ويفكر خير مني ومنك ومن كل الجزائريين؟ قلت له: معناه، أنك تقول لنا أنه علينا أن نضيف إلى شهادة الدخول في الإسلام بعد التوحيد، توحيد النبي والرئيس! قال لي: أنا لم أقل هذا! لكن الرئيس في كامل قواه! قلت له: أخطينا من جد هذا السؤال، أريد أن أسألك وأنت معروف عنك كفاءتك ومهنيتك كوالي سابق ثم وزيرا، ماذا قدم لنا النظام السياسي الجزائري منذ الاستقلال بمناسبة مرور 50 سنة على الاستقلال والاستعداد لتولية الرئيس ولاية لإكمال 20 سنة من الحكم من أجل إنهاء حكم أحادي ذي طابع تعددي؟ قال لي: أنا مثلك ضحية النظام! أنا عانيت أيضا! لكني أنا أكتفي بوظيفتي ولا أمارس الإيديولوجية والسياسة. أنا لا أحب الإيديولوجية! قلت له: دولتنا قائمة على الإيديولوجيا، والسياسة المتبعة إنما هي نتاج للأيديولوجية! غير أن الإيديولوجية عندنا، مطبقة بالعوجي، لأن “الأعاوج” هم من أشرفوا عن تطبيق الإيديولوجية، فالأيدلوجية مشتقة من كلمة “إيديو” أي الفكر، ولوجيا يعني العلم! باختصار تعني: علم الأفكار! إيديولوجي! غير أنه عندنا، ماذا حدث؟: ذهبت اللوجيا، أي العلم، وبقي “الإيديو”! قال لي: هذا رأيك، أنا في رأيي أن النظام قدم لنا كثيرا وعمل كثيرا لمصلحة الشعب والبلد. قلت له: هذا رأيك، لكن أنا في رأيي أن أكبر ما قدمه النظام وحققه طيلة 50 سنة هو أنه أوصل الناس إلى رفع الشعار الذي صار يتردد في كل المناسبات الكروية وغير الكروية لدى الشباب: ميزيرية وتحيا الجزائر!
لقد أوصل النظام شباب هذا الجيل إلى كراهية كل ما هو عنوان للسلطة ونظام الحكم! حتى العلم! لا يرفع إلا في مقابلات كرة القدم، من أجل الفريق الوطني!
هل رأيتم الشباب يرفعون العلم يوم 1 نوفمبر أو 5 جويلية أو 19 مارس أو 20 أوت، أو 17 أكتوبر؟ البعض منهم لا يعرف حتى هذه المناسبات! أرأيت كيف أن الشعب يتضامن ضد السلطة حتى في تنبيه بعضهم بعضا من خلال أضواء السيارات للتنبيه على أن هناك رادار؟ إنهم يتعاونون ويتضامنون ضد كل هو مؤسسة نظامية. هذا ما فعلته العائلات النخبوية الحاكمة عندنا منذ الاستقلال..والآن أذهب عند الرئيس وقل له هذا الكلام، وإلا فسوف أقوله له مباشرة .
وأفيق وأنا أنهي كلامي: ..وقل له أخطيك، أخرج من الباب الواسع..الله يهدينا ويهديك.