التكوين المهني.. من احتواء الراسبين إلى الابتكار
لم يعد التكوين المهني في الجزائر مجرد هروب من الفشل في شهادتي التعليم المتوسط أو البكالوريا، أو مجرد ملء للفراغ بعد ترك مقاعد الدراسة، فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية وما تفرضه مستجدات تكنولوجية، جعلت من هذا القطاع حقل للإبداع والابتكار خاصة لدى شباب يملكون الكثير من الأفكار، ويبحثون عن دعم وتشجيع لتجسيدها في مشاريع على ارض الواقع..
بفضل الخطوات الجدية التي اتخذتها الجزائر للنهوض بالتكوين المهني قصد تحقيق التوازن بين الاحتياجات الفعلية للسوق ومخرجات هذا التكوين، من خلال تحديث البرامج وتعديل المناهج وتوفير مناخ مناسب للابتكار، استطاع الكثير من المتربصين أن يحولوا أفكارهم إلى حلول مساعدة للاقتصاد الوطني والمجتمع الجزائري، في جميع الميادين والأنشطة، فمن الأدوات التربوية المبتكرة للتدريب المهني، إلى الأنظمة الروبوتية المخصصة لتلبية احتياجات قطاعات متخصصة، والحلول المبتكرة في مجال البيئة والتنمية المستدامة، وإلى غيرها من الحلول المتمثلة في أجهزة تعمل بالذكاء الاصطناعي أو بأدوات التحكم الاتوماتيكي، كلها مشاريع بحسب المختصين يمكن تطويرها مستقبلا لتجعل من التكوين المهني منارة مضيئة وبيئة تنمو فيها الأفكار وتتجسد بالابتكار.
ابتكارات تحافظ على الثروات الطبيعية وأخرى لحل مشاكل اجتماعية
وفي إطار إبراز قدرات ومهارات خريجي التكوين المهني، كان كل من وزير التكوين والتعليم المهنيين، ووزير اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة، قد أشرفا مؤرخا على فعاليات الحفل الختامي للمسابقة الوطنية الأولى للابتكار في قطاع التكوين المهني” innovet” بقصر الثقافة مفدي زكريا بالعاصمة، أين أبدع بعض المتربصين في طرح حلول مبتكرة يمكن أن تستفيد منها قطاعات مختلفة، وينتفع منها جزائريون بسطاء وذوو الاحتياجات الخاصة، ومدارس التعليم وحتى قطاع التكوين المهني.
حلول لمواجهة صعوبات التدريب المهني أولا
وقصد توفير الأدوات التربوية المبتكرة للتدريب المهني، فكر أيمن مويلحي، الطالب المتربص في المعهد الوطني المتخصص في التكوين المهني سيدي عبد الله الرحمانية تكنولوجيا التعليم، في حل مشكل صعوبة وصول المتكونين إلى الموارد التعليمية المنظمة، ومشكل نقص أدوات رقمية خاصة بالتكوين المهني، وغياب حلول متكاملة تجمع بين المتكونين والمكون والإدارة، بحيث اقترح منصة رقمية للتعلم عن بعد موجهة خصيصا لمتربصي التكوين المهني، تحتوي على ثلاث واجهات، متكون،مكون والنتائج والتقدم، وقال إن المشروع في مرحلة نموذج أولي وظيفي قابل للاستعمال، تتمثل قيمته في رفع جودة التكوين وتوفير بيئة رقمية منظمة ومساهمة في التحول الرقمي للقطاع، وهو مشروع، بحسبه، قابل للتعميم على المستوى الوطني، موجه للمعاهد ومراكز التكوين المهني عبر الوطن.
تطبيقات لحماية المؤسسات من الهجمات السيبيرانية
وأما الطالبتان سلمى بن عويدة وأسماء غربوج، من المعهد الوطني المتخصص في التكوين المهني العربي بن مهيدي ميلة، فاقترحتا فكرة مبتكرة لحل إشكالية تزايد الهجمات السيبرنية وتعقيداتها، وضعف بيئات الاختبار التقليدية وعدم استخدام الذكاء الاصطناعي في الكشف عن الهجمات، وغياب التدريب الواقعي للأفراد، وقلة التحليل الذكي لحركة البيانات داخل الشبكة، وتتمثل الفكرة في إنشاء بيئة ذكية لاختبار أدوات اختراق استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي “كابي آل”. وهي أجهزة افتراضية تمثل المهاجم والضحية وخادم التحليل، وجهاز مراقبة، تحليل حركة البيانات ” باستخدام برامج مثل “ZEEM وwireshark.
ويتضمن هذا التطبيق خوارزميات الذكاء الاصطناعي مثل “svm.random. forest.knn”، على الحزم المصنفة، واختبار أدوات وتقنيات الاختراق، ويقوم بتصنيف الحزم الشبكية إلى حزم عادية أو حزم ضارة أو سلوكيات غير طبيعية، كما يحاكي سيناريوهات هجومية حقيقية مثل ” dos. App”.
وتتمثل أهمية منصة kp all، بحسب الطالبتين، في مساعدة المؤسسات الحكومية في اختبار امن البيئة التحتية الرقمية قبل تنفيذها، دعم الشركات الاقتصادية في تحسين جاهزية الأنظمة ويقلل من الخسائر المحتملة الناتجة عن الهجمات الالكترونية ويدعم اتخاذ القرار الأمني بناء على تحليلات ذكية وواقعية.
وتستهدف هذه الفكرة المبتكرة المؤسسات الحكومية، والشركات الاقتصادية وشركات الأمن السيبيراني والاستثمارات التقنية، بحيث تتصف بسعر منخفض مقارنة بالحلول الأجنبية، وهي قابلة للتخصيص حسب المؤسسة تعمل بدون اتصال دائم بالانترنت وتدمج الذكاء الاصطناعي بدون تعقيد.
وفي مجال الحلول التي تستفيد منها معاهد التكوين، اقترح نصر الدين بلال، تقني سامي في الإكترونيك صناعية معهد التخصص في التكوين المهني قاسم شريف 500، ماكينة ميني “cnc “، لصنع الدوائر الالكترونية محليا وهي سريعة ودقيقة وسهلة الاستعمال حتى للمبتدئين وتخفض تكلفة الإنتاج بأكثر من 70 بالمائة، ويعتبر الابتكار قيمة مضافة ولها تأثير وتتمثل فوائد “mini cnc pcb”، من الناحية الاقتصادية في تقليل التكاليف بنسبة 70 بالمائة مقارنة بطلب اللوحات من الخارج، ومن الناحية التعليمية التكنولوجية يمكن الطلبة والتقنيين من التعلم العملي وصناعة لوحاتهم بأنفسهم علاوة كونه يقلل من وقت الإنجاز من 7 أيام إلى أقل من ساعة.
وأكد نصر الدين بلال، أنه نموذجا أوليا شغال وقيد التجربة، ويسعى لتطوير نسخة قابلة للتسويق للمؤسسات والمعاهد، حيث قال إن ورشات الإلكترونيات والتعليم التقني تخسر المال كل شهر في طلب لوحات “pcb”، من الخارج.
هدر المياه والاكتظاظ المروري.. حلول تأتي من مراكز التكوين
وقدم بعض المتربصين في الحفل النهائي لمسابقة الابتكار في التكوين المهني، بعض الابتكارات التكنولوجية بهدف ايجاد حلول لبعض الأزمات والمشاكل التي تواجه المواطن والمؤسسات، ففي التكنولوجيا التي تهدف إلى تحسين استخدام الموارد المائية، ابتكر الطالبان هيثم دحمري، وباكر البشير، من المعهد الوطني المتخصص في التكوين المهني حساني عبد الكريم، صمام مياه ذكين يتم التحكم فيه عن طريق قاطع.
ويرى هذان الطالبان، أنه في الكثير من المناطق يتم ري المزروعات بشكل عشوائي دون مراعاة مستوى الرطوبة أو توفر المياه، مما يؤدي إلى هدر المياه وتلف النباتات وهنا تكمن الحاجة إلى نظام ذكي يحسن هذه العملية ويوفر الجهد والماء، ويعتمد على “arduino”، ويتكون من حساس رطوبة لتحديد حاجة التربة للماء وعوامتين مع وحدة للتحكم بمستوى المياه في الخزان.
ويعمل النظام بحسب الطالبين، تلقائيا لتشغيل المضخة فقط عند الحاجة، مما يوفر الموارد بشكل كبير وهو حاليا في مرحلة النموذج الأولي بحيث تم تنفيذ التجربة بمواد بسيطة، علمان أنه يقلل من هدر الماء بنسبة 50 بالمائة، ويستفيد منه أصحاب البيوت الريفية والحدائق المنزلية والمدارس المهتمة بالزراعة.
مشروع آخر للطالبين وسيم طبوش وعماد الدين قويدري، من مؤسسة التكوين المهني الشهيدة صليحة بن حمدين، شرشال، يتمثل في نظام التحكم في عملية فصل ووصل القابض بشكل أتوماتيكي “تلقائي”، فانطلاقا من حل المشكلة المتعلقة بالسيارات ذات علبة السرعة اليدوية، والتي يضطر سائقيها إلى استعمال دواسة القابض مئات المرات يوميا خصوصا في الازدحام المروري، وهذا ما يسبب تعبا كبيرا وتآكل سريع للقابض وأخطاء متكررة عند المبتدئين في السياقة، وخاصة أن ذوي الاحتياجات الخاصة يجدون صعوبات في التحكم اليدوي أثناء القيادة، جاءت الفكرة من الحاجة ملحة لنظام أتوماتيكي.
واقترح الطالبان حلا يتمثل في تطوير نظام اتوماتيكي يتحكم في دواسة القابض دون الحاجة إلى تدخل السائق، ويعتمد هذا النظام على مجموعة من حساسات تقيس وضعية المحرك وسرعة السيارة ويرسل الأوامر إلى محرك كهربائي صغير يتحكم بدواسة القابض بدقة.
ويركب هذا النظام على سيارة يدوية دون الحاجة لتغيير علبة السرعات مما يجعله اقل تكلفة، حسب الطالبان، مقارنة بكثير من الأنظمة الموجودة في السيارات الحديثة وما يجعله فريدا هو مخصص للمبتدئين وذوي الاحتياجات الخاصة ويسهل القيادة اليومية خاصة في المدن.
الطاقات المتجددة.. الثروة التي تبحث عن حلول جيدة
وفي ما يخص فئة الأنظمة الروبوتية المخصصة لتلبية احتياجات قطاعات متخصصة، ابتكر عبد اللطيف بوساهل، من معهد التكوين المهني 500 قائم شريف سطيف، نظام تتبع ذكي للطاقة الشمسية، إذ قال إن الألواح الشمسية تكون أكثر كفاءة عندما تواجه الشمس مباشرة ولكن الألوان الثابتة لا تلتقط الضوء الأمثل إلا لفترة قصيرة كل يوم، بحيث تشير الدراسات، بحسبه، إلى أن أنظمة التتبع الشمسي يمكن أن تزيد من إنتاج الطاقة بنسبة 25 بالمائة إلى 40 بالمائة مقارنة بالأنظمة الثابتة، وخاصة في المناطق التي تكون فيها أشعة الشمس قليلة ويكون هذا الفرق بالغ الأهمية، خاصة مع توجه العالم إلى استخدام الطاقات المتجددة.
وأكد الطالب أن تحسين كفاءة الألواح الشمسية هو حاجة عالمية ملحة، خاصة في مناطق مثل البلدان النامية حيث كل واط واحد مهم، فمن خلال زيادة كفاءة الألواح الشمسية سيتيح إمكانية إنتاج المزيد من الطاقة الخضراء بموارد اقل مما يقلل التكاليف على المدى الطويل، يمكن الحصول على الكهرباء في المناطق الريفية، واعتبر ابتكاره، أيضا كأداة تعليمية تروج للطاقة المتجددة، ويفيد المدارس والمنازل والمزارع والقرى المعزولة في الجزائر.