الجزائر
القاضي يواجه المتهمين بالتملص في حجز ممتلكات عقارية للمسجونين

التماس 10 سنوات لمحافظين عقاريين عن إخفاء ممتلكات حداد وكونيناف

نوارة باشوش
  • 2245
  • 0
أرشيف

التمس وكيل الجمهورية لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بسيدي امحمد، الاثنين 9 سبتمبر أقصى عقوبات في حق المحافظين العقاريين المتابعين عن وقائع فساد تتعلق بعدم التبليغ عن بعض أملاك وعقارات رجال الأعمال المدانين في قضايا فساد، إذ طالب بتوقيع عقوبة 10 سنوات حبسا نافذا مع غرامة مالية قدرها مليون دينار في حق كل متهم، فيما حاصر رئيس القطب الجزائي الاقتصادي والمالي، خلال مواجهته للمحافظين العقاريين لكل من بئر مراد رايس ودرارية، عن إنشاء بطاقات عقارية باسم رجال الأعمال المدانين في قضايا فساد، بدلا من أن تكون باسم الدولة وللصالح العام، باعتبار أنه تم منع التصرف ومصادرة جميع أملاك هؤلاء بأحكام قضائية ممهورة بالصيغة التنفيذية.
وقد انطلقت، الاثنين 9 سبتمبر الجاري، محاكمة 3 محافظين عقاريين، ويتعلق الأمر بالمحافظ العقاري لدرارية المتهم “ب.ع” وخليفته بالنيابة المتهم “ب.ج” والمحافظ العقاري لبئر مراد رايس المتهم “ش.إ” السابقين، وقد وجهت للمتهمين في ملف الحال جنح سوء استغلال الوظيفة وإخفاء عائدات إجرامية وعدم الإبلاغ عن جرائم الفساد، الأعمال المعاقب عليها في المواد 33 و43 و47 من قانون مكافحة الفساد والوقاية منه 01 / 06.
وبعد دخول المتهمين غير الموقوفين إلى قاعة الجلسات، شرع القاضي في المناداة على المحافظين العقاريين وجميع الأطراف المعنية بالقضية، من شهود وأطراف مدنية، ليشرع في التدقيق في الهوية الكاملة لكل متهم مع تذكيرهم بالتهم الموجهة إليهم من طرف قاضي التحقيق، ليشرع في استجواب المتهمين والبداية كانت مع المتهم “ب.ع” المحافظ العقاري لدرارية.

إنهاء مهامي في 2018 ولا أعرف ماذا حدث
القاضي: لقد تم إحالتك إلى محكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي لتحاكم وفق القانون عن جنح سوء استغلال الوظيفة، إخفاء عائدات إجرامية وعدم الإبلاغ عن جرائم الفساد، الأعمال المعاقب عليها في المواد 33 و43 و47 من قانون مكافحة الفساد والوقاية منه 01 / 06.. هل تنكر أم تعترف.
المتهم: أنكرها جملة وتفصيلا سيدي الرئيس.
القاضي: ماذا تقول بخصوص الوقائع المتابع فيها؟
المتهم: سيدي القاضي، أنا عينت كمحافظ عقاري لدرارية من سنة 2014 إلى 2018، إذ أنه في سنة 2016 قام رجل الأعمال السابق علي حداد بشراء بناية في درارية وبعد شهرين تقريبا حرر عقد هبة لصالح شقيقه، وفي 2023 أي بعد 5 سنوات كاملة تم استدعائي من طرف قاضي التحقيق للاستفسار عن البطاقة العقارية المتعلقة بهذه البناية، على أساس أنه لم يتم العثور عليها.
القاضي: يعني أن البطاقة العقارية لم يتم العثور عليها وهنا مربط الفرس، بالرغم من أن البناية تم مصادرتها من طرف الجهات القضائية؟
المتهم: سيدي الرئيس، كما قلت لكم، أنا أنهيت مهامي في سنة 2018، وبعد 5 سنوات ظهرت هذه القضية، لا أعرف كيف لم يتم العثور عليها.
القاضي: البطاقات العقارية الخاصة بالمتهمين بوشوارب عبد السلام وسلال عبد المالك وطحكوت محي الدين موجودة.. لكن البطاقة العقارية الخاصة بحداد علي لم يتم العثور عليها، كيف يمكن أن تفسر هذا؟
المتهم: لا أعرف سيدي الرئيس.
القاضي: خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2022، أين كنت تعمل؟
المتهم: تم توقيفي عن العمل سيدي الرئيس.
القاضي: بالنسبة للبطاقات العقارية الخاصة بالمتهمين الآخرين على شاكلة ” كونيناف” وبوشوارب وغيرهم؟
المتهم: “أنا خاطيني” سيدي الرئيس.. جميع التسخيرات التي وردت من مصالح الضبطية القضائية بخصوص البطاقات العقارية للمتهمين في قضايا الفساد أجبنا عليها دون أن نخفي أي شيء.
القاضي: قمتم بعملية البحث عن البطاقة العقارية لبناية حداد؟
المتهم: نعم سيدي الرئيس، بحثنا في 80 ألف ملف ولم نعثر عليها، ولا تنسى أن المصادرة انطلقت في عام 2019، وأنا أنهيت مهامي في سنة 2018.
توليت منصب المحافظ العقاري لـ3 أشهر فقط
ومن جهته، أنكر المتهم “ب.ج” المحافظ العقاري لدرارية بالنيابة التهم الموجهة إليه، وقال إنه تم تعيينه بالنيابة ولمدة لا تزيد عن 3 أشهر ومع هذا تم جرجرتي اليوم إلى القضاء.
القاضي: لقد تم إحالتك إلى محكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي لتحاكم وفق القانون عن جنح سوء استغلال الوظيفة، إخفاء عائدات إجرامية وعدم الإبلاغ عن جرائم الفساد، الأعمال المعاقب عليها في المواد 33 و43 و47 من قانون مكافحة الفساد والوقاية منه 01 / 06.. بماذا ترد؟
المتهم: مستحيل سيدي الرئيس، أنكر هذه التهم تماما.
القاضي: أنت محافظ عقاري لدرارية بالنيابة؟
المتهم: سيدي الرئيس، تم تعييني في مارس 2022 إلى غاية جوان 2022، لتسيير المحافظة العقارية لدرارية بالنيابة أي لمدة 3 أشهر فقط.. سيدي الرئيس، أنا كنت في نفس الوقت محافظا عقاريا للمحافظة العقارية لرويبة، وكنت أقطع مسافة 100 كلم بين الرويبة ودرارية يوميا، والحمد لله أديت واجبي كما ينبغي.
القاضي: واصل؟
المتهم: لقد تلقيت تسخيرات من مصالح الضبطية القضائية بخصوص البطاقات العقارية الخاصة بعبد السلام بوشوارب وهذا في عام 2022 وقد أجبت عليها بالتفصيل… كما أنني لم أتلق أي أمر بالحجز على أملاك “العصابة”، وبعدها تم تعيين محافظ عقاري جديد على رأس المحافظة العقارية لدرارية وأنا عدت إلى منصبي الأصلي كمحافظ عقاري بالرويبة إلى غاية استدعائي من طرف قاضي التحقيق القطب الاقتصادي والمالي بسيدي أمحمد.
عندما واجهني قاضي التحقيق بالوقائع واستظهر لي البطاقة العقارية، قلت له بالحرف الواحد “سيدي الرئيس، هذه تعود إلى سنة 2016، ولم أكن أنذاك في المحافظة العقارية لدرارية من جهة، ومن جهة أخرى كما سبق وأن قلت لكم لم أتلق أي أوامر بالحجز، وبعد أن تم إنهاء مهامي بالمحافظة العقارية لدرارية تم تعييني كمحافظ عقاري بحسين داي إلى يومنا هذا”.
القاضي: لماذا كان إنشاء البطاقة العقارية للبناية متأخرا إلى غاية سنة 2022؟
المتهم: سيدي الرئيس علي حداد كما تعرف رجل معروف.
القاضي: من المفروض أن هذه المنشأة تم مصادرتها وعلى هذا الأساس، فإن إنشاء البطاقة يكون باسم الدولة وللصالح العام، أليس كذلك؟
المتهم: هذا هو الأساس، فمن المفروض أن يتم إنشاء البطاقة باسم الدولة.. سيدي القاضي صدقني “كي شفتها ما عرفت ساسها من راسها.. بقيت حاير؟” والله… كنت محافظا عقاريا للمحافظة العقارية بالرويبة وتلقيت مراسلات بخصوص البطاقة العقارية لوزير الصناعة السابق بوشوارب عبد السلام وقدمت جميع المعلومات ولم أخف أي حقيقة.
القاضي: طيب، ما هو الأثر القانوني في حالة إنشاء بطاقة عقارية تحمل معلومات خاطئة وغير صحيحة أي مزورة؟
المتهم: كل واحد يتحمل المسؤولية.. من المفروض أن صاحب العقار يحرر تصريحا شرفيا.. سيدي الرئيس أتحدث عن نفسي.. أنا تعاونت مع مصالح الضبطية القضائية بصفة كاملة وشاملة.

أدفع الثمن بسبب خطأ في “رسم الاسم”
بالمقابل أرجع المتهم “ش. ب” المحافظ العقاري للمحافظة العقارية لبئر مراد رايس متابعته في ملف الحال إلى خطأ في “رسم الاسم” في الشركة المملوكة للإخوة “كونيناف” وأن التهم الموجهة إليه في هذا الملف لا ناقة له فيها ولا جمل.
القاضي: لقد تم إحالتك على محكمة الحال بموجب الأمر بالإحالة الصادر عن قاضي التحقيق الغرفة الثانية للقطب الاقتصادي والمالي عن جنح سوء استغلال الوظيفة، إخفاء عائدات إجرامية وعدم الإبلاغ عن جرائم الفساد، الأعمال المعاقب عليها في المواد 33 و43 و47 من قانون مكافحة الفساد والوقاية منه 01 / 06.. هل تنكر أم تعترف؟
المتهم: أنكر هذه التهم تماما سيدي الرئيس.
القاضي: أنت كنت تشغل منصب المحافظ العقاري للمحافظة العقارية لبئر مراد رايس، أنت متقاعد حاليا؟
المتهم: موقف عن العمل.
القاضي: تحدث لنا عن وقائع الحال؟
المتهم: سيدي الرئيس، تلقيت تسخيرة من فصيلة الأبحاث التابعة للمجموعة الإقليمية لدرك الجزائر العاصمة، بخصوص البطاقة العقارية لشركة ” و. جي. سي” المملوكة للإخوة “كونيناف”، نحن أجبنا على كل البطاقات العقارية المتعلقة بالأشخاص الطبيعيين لعائلة كونيناف، أما بالنسبة لشركة “كو.جي.سي” فإن المشكل كان يكمن في “اسم الكتابة” هناك شركة تبدأ بالحرف ” K” وشركة أخرى تبدأ بالحرف “C” والترتيب في البطاقية كما تعلمون أبجدي، وبالتالي فإن البطاقة العقارية تختلف، مما أدى حتما إلى إنشاء بطاقيتين عقارتين مختلفتين..

النيابة: هكذا تم التملص من حجز ممتلكات المدانين في قضايا فساد
ومن جهته، وصف وكيل الجمهورية لدى القطب الاقتصادي والمالي وقائع الحال بـ”الخطرة جدا” باعتبار أن الجهة التي كان من المفروض أن تقدم يد العون والمساعدة للجهاز القضائي الذي كان يقود حربا شرسة منذ سنة 2019 لاسترجاع الأموال المنهوبة، إلا أنها تملصت في فعل ذلك.
واستهل ممثل الحق العام مرافعته بالقول “سيدي الرئيس… المتهمون الماثلون أمامكم اليوم تم إحالتهم على محكمة الحال بموجب أمر إحالة صادر عن قاضي التحقيق الغرفة الثانية للقطب الاقتصادي والمالي، عن جنح سوء استغلال الوظيفة، إخفاء عائدات إجرامية وعدم الإبلاغ عن جرائم الفساد، الأعمال المعاقب عليها في المواد 33 و43 و47 من قانون مكافحة الفساد والوقاية منه 01 / 06”.
وأضاف الوكيل “وقائع الحال يمكن أن نلخصها في التالي، خلال 2019 انطلقت ملفات فساد كبيرة جدا وكان القضاء يصدها بكل جهده، حيث تم تسخير كل الجهات والأطراف للتوصل إلى حصر وجرد ممتلكات المتهمين في هذه الملفات الكبرى، ومن بين هذه المصالح المحافظات العقارية، وخاصة هنا في الجزائر العاصمة”.
وأردف ممثل الحق العام “المشكل سيدي الرئيس وللأسف الشديد أن التسخيرات الموجهة لهؤلاء المحافظين العقاريين المتابعين اليوم لم يتم الرد عليها بكل أمانة، ليتضح فيما بعد وجود أملاك عقارية متحصلة عن جرائم الفساد ذات قيمة مالية كبيرة وكبيرة جدا لم يتم حجزها من طرف المحافظين العقاريين المتهمين”.
وتطرقت نيابة الجمهورية بالتفصيل إلى الوقائع المنسوبة لكل المتهم والبداية من المتهم “ش.إ” المحافظ العقاري للمحافظة العقارية لبئر مراد رايس، قائلة “بالنسبة للمتهم “ش.إ” الذي كان يشغل منصب المحافظ العقاري في عام 2019 ببئر مراد رايس، فقد تم تكليفه لتحديد الممتلكات العقارية المملوكة لعائلة “كوننياف”، حيث كانت التسخيرة عن طريق الضبطية القضائية، ليأتي الرد ناقصا، إذ لم يرد على البطاقة العقارية لشركة كو.جي. سي” والتي فيها قيمة كبيرة جدا تتمثل في التالي: منزل أرضي بحيدرة بمساحة إجمالية تقدر بـ620 متر مربع، ومنزل آخر بمساحة تقدر بـ540 متر مربع إلى جانب فيلا بحيدرة تقدر مساحتها بـ 780 متر مربع ومساحات كبيرة بمناطق جد راقية بالعاصمة، لكن تعذر حجزها ومصادرتها بسبب عدم الرد الكامل على التسخيرة الموجهة للمتهم”.
وتابع الوكيل “سيدي الرئيس، ومع هذا تم استرجاع هذه الأملاك العقارية فيما بعد بفضل المحافظ العقاري الذي خلف المتهم “ش.إ” في منصبه، هذه الوقائع عندما يتم إسقاطها نصل إلى إثبات بالأدلة والقرائن للتملص في حجز هذه الممتلكات”.
أما بالنسبة للمتهم “ب.ج”، المحافظ العقاري لدرارية بالنيابة، يقول ممثل الحق العام “فإن الوقائع المتابع فيها تتعلق بالعقار المملوك لحداد علي المتابع في إطار قضايا الفساد التي عرفتها الأجندة القضائية منذ سنة 2019، وفي هذا الإطار تم تسخير المحافظ العقاري لدرارية لحصر الممتلكات العقارية المملوكة لحداد علي، وبعد ذلك تبين أن هذا الأخير أي حداد يملك بناية في بلدية العاشور ذات مساحة تقدر بـ167 متر مربع، ومع ذلك لم يتم إنشاء بطاقة عقارية لها”.
وفي سنة 2019، يقول الوكيل، تعذر على المتهم تقديم معلومات مما أدى إلى عدم حجزها ومصادرتها.
أما المتهم “ب.ع” المحافظ العقاري لدرارية فهو لم يقم بإنشاء بطاقة عقارية في حينها، مما تعذر على القضاء حجزها ومصادرتها، إلا بعد أن جاء المحافظ العقاري الذي استخلفه في المنصب، وإلا فإن حداد كاد أن يفلت من مصادرة هذه البناية.
بالمقابل طالبت الخزينة العمومية بمبلغ 6 مليارات دينار جزائري جبرا لكافة الأضرار اللاحقة بخزينة الدولة..

الدفاع: ملف الحال تم تضخيمه.. وهؤلاء نزهاء
ومن جهتها، اعتبرت هيئة الدفاع عن المتهمين أن قضية الحال تم تضخيمها إلى حد جر هؤلاء المحافظين العقاريين الذين أفنوا حياتهم في خدمة الوطن، وأجمعوا المحامون على أن موكليهم شرفاء ونزهاء وقاموا بممارسة مهامهم وفقا لقوانين الجمهورية.
وفي هذا السياق، رافع المحامي طارق مجيدي المتأسس في حق كل من المتهم “ب.ع” المحافظ العقاري لدرارية والمتهم “ش.إ” المحافظ العقاري لبئر مراد رايس بقوة من أجل إسقاط التهم الموجهة لموكليه باستعمال جميع الأدلة والقرائن والوثائق التي من شأنها تبرئة ساحتهما.
وقال مجيدي “سيدي الرئيس بالنسبة لموكلي “ب.ع” فهو قام بشهر عقد خلال سنة 2016 وأنشأ بطاقة عقارية وأنهيت مهامه خلال سنة 2018، ولا يعلم ماذا حدث فيما بعد، علما أنه تم حجز ومصادرة العقار سنة 2022″.
أما بالنسبة لموكلي “ش. إ”، يقول المحامي مجيدي، فقد تبين أنه يوجد خطأ في اسم الشركة ولم يتسن له التأكد من تسميتها في حينها وإنما اكتشفوا وجود عقار مملوك لعائلة كونيناف وتم استدراك الخطأ فيما بعد، وعلى هذا الأساس أطلب منكم سيدي الرئيس تبرئة ساحة موكلي من كل التهم الموجهة إليهما”.
وبدوره، محامي الدفاع عن المتهم “ب.ج” المحافظ العقاري لدرارية بالنيابة، شدد على أن موكله تولى منصب المحافظ العقاري لدرارية بالنيابة لمدة 3 أشهر فقط، ليصبح اليوم مهددا بـ10 سنوات حبسا نافذا.
وقال الدفاع “سيدي الرئيس، موكلي عندما تم استدعاءه من طرف قاضي التحقيق الذي واجهه بالحقائق كان واضحا في تصريحاته، حينما قال أن وقائع الحال تعود إلى سنة 2016، ولم يكن أنذاك في المحافظة العقارية لدرارية، كما أن موكلي التزم بالرد على جميع التسخيرات المرسلة إليه وعلى سبيل المثال لا الحصر الأملاك العقارية للوزير السابق عبد السلام بوشوارب، وعليه سيدي الرئيس نلتمس البراءة لموكلي وتكونون سيدي الرئيس قد عدلتم”.

مقالات ذات صلة