التنازل المفضوح
لم تكن مصر مرشحة لتنظيم نهائيات كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم 2017 في ظل الفوضى العارمة التي تعيشها البلاد على مدار عشرين شهرا منذ الانقلاب العسكري على الرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي.
وكان طلب مصر للاتحاد الإفريقي لتنظيم النهائيات محل سخرية وتهكم ودهشة الجميع في الاتحاد القاري بسبب عجز المصريين عن تنظيم مسابقاتهم المحلية بانتظام.. وعجزهم التام عن فتح الأبواب للجماهير لحضور المباريات المحلية التي تقام منذ أكثر من ثلاثة أعوام وراء أبواب مغلقة.. وتفاقم العجز المصري ليصل إلى ذروته في 8 فبراير الماضي عندما سقط 43 مشجعا من جماهير الزمالك قتلى أمام ملعب الدفاع الجوي قبل مباراة الزمالك وانبي في الدوري.
العارفون بسلوكيات وأفكار السلطة الانقلابية في مصر اكتشفوا على الفور الأغراض الخبيثة التي دفعت الحكومة المصرية لدعم ملف تنظيم البطولة رغم عجزها عن الوفاء بذلك الالتزام على الإطلاق.. ولكن الانقلابيين يتسولون المساعدات والدعم المالي والسياسي من الجميع لضمان بقائهم وتوطيد أركانهم.. وكان قرار التقدم لتنظيم كأس الأمم الإفريقية 2017 بعد إعلان الجزائر رغبتها في التقدم لها مجرد ورقة بيضاء ليكتب عليها مسئولو الجزائر ما يطلبون من مصر مقابل استمرار دعم حكومة الجزائر لنظام الانقلاب العسكري.. والأهم استيراد أكبر قدر من الغاز الجزائري بأسعار مدعومة لتعويض النقص الحاد في الوقود في الشارع المصري.. ولا يعلم أحد إذا كان الغاز الجزائري سيذهب بالفعل إلى المستهلك المصري الغلبان أو سيتجه رأسا إلى اسرائيل بسعر أعلى مما تشتريه مصر من الجزائر لضمان ضخ عملة أجنبية في احتياطي النقد.
ما توقعناه حدث بالحرف الواحد.
وسرعان ما أعلن المسئولون في وزارة الشباب والرياضة في مصر عن تنازلهم عن استضافة البطولة الإفريقية مع دعم طلب الجزائر.. وإذا كان الجزء الأول من الأمر مفهوما وهو التنازل عن طلب التنظيم.. فما هو الشيء الذي تمتلكه مصر لدعم الجزائر في تنظيم البطولة القارية.
أي دعم تنتظره الجزائر أو تتوقعه من مصر التي انفردت دون كل دول العالم بالحصول على صفر في تصويت الاتحاد الدولي لكرة القدم عند التقدم بطلب تنظيم نهائيات كأس العالم 2010 في مواجهة جنوب إفريقيا والمغرب.. ولم تكن في مواجهة دولة مثل الولايات المتحدة وألمانيا أو فرنسا واليابان.
قرار الاتحاد الإفريقي بشأن اختيار الدولة المنظمة لبطولات كأس الأمم سيتم في اجتماعات مجلس إدارة الاتحاد الإفريقي ولجنته التنفيذية.. وكلاهما خالية من أي عضو مصري بعد استبعاد هاني أبو ريدة من منصبه قبل عامين دون أن يدخل أي مصري في مكانه.. وبالتالي لا يملك المصريون صوتا ليمنحوه للجزائر عند التصويت على التنظيم بين الجزائر والغابون وغانا.
ما فعلته مصر في انسحابها من سباق التنظيم لكأس الأمم 2017 بدعوى دعمها للجزائر يذكرني بمتسابق لم يتخط حاجز زمن 11 ثانية في سباق العدو لمسافة 100 متر يقرر الانسحاب من السباق في نهائيات بطولة العالم لألعاب القوى دعما للجامايكي أوسيان بولت لينال الأخير الميدالية الذهبية.. أو بملاكم من وزن الخفيف يعلن تنازله عن خوض بطولة العالم للملاكمة لوزن الثقيل دعما لأحد أبطال ذلك الوزن.. ولو شارك المتسابق الأول لخرج باكرا من التصفيات ولو طلب الملاكم المشاركة لمنعوه، لأنه دون المستوى في الوزن.
السلطات الانقلابية في مصر تستجدي الدعم من الجميع بطرق مؤسفة للغاية.. وتحاول التقرب والتزلف للحكومات والشعوب بكل أساليب النفاق الممجوجة.. ولديهم أكبر وأقوى ماكينة إعلامية لصناعة الكذب.. وهو الأمر الذي اكتشفه الجزائريون قبل أي شعب آخر في العالم خلال أحداث أكتوبر ونوفمبر 2009 قبل وبعد مباريات الفريقين في تصفيات كأس العالم 2010.. ولا ينسى أي جزائري العبارات والاتهامات الحقيرة التي خرجت من ألسنة الإعلاميين المصريين الراقدين تحت أقدام النظام ضد شهداء الجزائر الأبرار وشعبها.
المحصّلة.. أن انسحاب مصر من التنظيم كان حتميا، لأن قرار الاتحاد الإفريقي باستبعادها كان موجودا في الأدراج ليظهر بعد أول زيارة يقوم بها وفد الكاف إلى الملاعب المصرية.. وتنازل الحكومة الانقلابية لم ولن يخدع أي جزائري عاقل ولن يدفعه للتصفيق لنظام يقتل شعبه في الشوارع والسجون وقاعات القضاء.
مصر ستعود أقوى مما كانت لتستضيف أكبر البطولات الرياضية عندما ينزاح الانقلاب وتعود للشعب سيادته على بلده.