تبعا لتخفيض قيمة الدينار أمام اليورو
التهاب أسعار المواد الغذائية والسيارات
ينتظر أن تعرف أسعار المواد الغذائية واسعة الاستهلاك والمواد الوسيطة، ارتفاعا غير مسبوق بشكل مباشر، نتيجة التعامل غير الشفاف في تحديد قيمة الدينار إداريا، مقابل العملات الرئيسية ومنها الأورو الذي هو عملة الاستيراد الأولى لأزيد من 70 بالمائة من واردات السلع والخدمات في الجزائر.
- وقال الخبير الاقتصادي فارس مسدور في تصريحات لـ”الشروق”، إن الاتحاد الأوروبي سيعمل بقوة على تصدير جزء كبير من أزمته الخانقة إلى الجزائر وفق نظرية تصدير الأزمة، مستغلا ضعف مستوى المتدخلين في التجارة الخارجية للجزائر، حيث ستدخل دول “الأروزون” في سباق محموم نحو الاستفراد بالجزائر التي تتوفر على احتياطات رهيبة من العملة الصعبة لامتصاصها عن طريق رفع حجم صادراتها إلى الجزائر من جهة، ورفع أسعار خدماتها أيضا، مستغلة مرض جنون الاستيراد الذي أصاب الجزائر خلال العشرية الأخيرة نتيجة الطفرة التي عرفتها أسعار المحروقات والتي ترافقت وإعلان الجزائر لبرنامج إنفاق عمومي ضخم بقيمة تناهز حوالي 290 مليار دولار.
- وفي الوقت الذي تهاوت فيه قيمة الأورو مقابل جميع العملات الرئيسية في العالم، سجلت قيمة الدينار تراجعا غير مسبوق أمام الأورو، حيث قفز سعر الأورو من 100 دج إلى 111 دج بشكل غير مفهوم اقتصاديا.
- وشدّد المتحدث على القول إن المواطن الجزائري سيدفع ثمن الأزمة الأوروبية رغم أنفه نتيجة التسيير الارتجالي للسياسة الاقتصادية عموما والسياسة النقدية على وجه الدقة، موضحا أن الملاحظة الأولية الواجب الوقوف عندها من قبل الفاعلين في الساحة الاقتصادية هي أن التضخم المعلن من الحكومة لا يمت للحقيقة بشيء، بالإضافة إلى أن العملة الوطنية الدينار يتم تحديدها بغير قيمتها الحقيقية بالنظر إلى ارتفاع احتياطات البلاد من النقد الأجنبي.
- وكشف مسدور أن الجزائر هي الدولة الوحيدة في العالم التي يتم تحديد سعر العملة فيها بأربع قيم مختلفة، إثنان في السوق الرسمية واثنان في السوق الموازية، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تقوم بتخفيض قيمة عملتها على الرغم من أن اقتصادها أحادي الصادرات ويعتمد على استيراد 80 بالمائة من حاجياته من السلع والخدمات من الخارج، مشيرا إلى أن العقل المسير للسياسة النقدية لازال في السبعينات وغير قادر على مجاراة التحولات العالمية التي عرفتها نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين.
- ومن الناحية الاقتصادية، ستكون لقرار تراجع قيمة الدينار أمام الأورو، انعكاسات خطيرة أيضا على أسعار المواد المستورة من مواد غذائية وحبوب وقطع غيار وسيارات ومنتجات صناعية، وبالتالي على القيمة النهائية لفاتورة الواردات مما سيتبعه ارتفاع في عجز الميزان التجاري، فضلا عن الارتفاع المحسوس في الأسعار عند الاستهلاك، مما سيثقل كاهل الفقراء والموظفين أكثر فأكثر، وسيجعل من الزيادات في الأجور التي تقررت بداية من جانفي، دون جدوى.
- ومن ناحية المقارنة، يمكن ملاحظة ان سياسة العملة الضعيفة المنتهجة بشكل أو بآخر في الجزائر هي سياسة عبثية، فدول مثل تونس والمغرب تمكنت من تحقيق صادرات مرتفعة جدا لسلع حقيقية على الرغم من أن عملاتها قوية جدا بالمقارنة مع العملة الجزائرية، وبمعنى أصح يمكن القول أن الجزائر في حاجة إلى سياسية إنتاج ثروة وليس إلى سياسة للتلاعب بسعر صرف الدينار أمام عملة تصدير الريع المحروقات وتضخيم مستوى صندوق ضبط الموارد لتغطية عجز الميزانية بطرق مفتعلة، وفي هذه الحالة لا يمكن حل مشاكل الجزائر بتخفيض قيمة الدينار.
- وأوضح مسدور، إن تخفيض الدول لعملتها الوطنية يندرج في إطار تشجيع صادراتها وجعلها تنافسية في الأسواق العالمية، أي جعلها منخفضة الثمن، وهو الأمر الذي لا يعني الجزائر لا من قريب ولا من بعيد، لأنها لا تتوفر على سياسة وطنية للتصدير، ولا تتوفر على قدرات حقيقية قابلة للتصدير، وبالتالي فتخفيض قيمة العملة ستكون له نتائج كارثية على الفئات الهشة والمحدودة الدخل، لأن أسعار المواد المستوردة ستعرف قفزة خلال الأسابيع القادمة في السوق الجزائرية.