الرأي

التهجير كإستراتيجية إبادة: تحليل متكامل لخطط الاحتلال الإسرائيلي تجاه سكان غزة

بقلم: مهدي العايدي
  • 1910
  • 0

منذ السابع من أكتوبر 2023، يتجه العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة نحو هدف أكثر خبثًا من الإبادة الجماعية المباشرة، وهو التهجير القسري الممنهج.

هذا التهجير لا يستهدف القتل الجماعي بالضرورة، بل يعادل إبادة سكانية تجري على مراحل عبر الخنق والتفريغ التدريجي، مما يحوّل أي حديث عن “هجرة طوعية” إلى تضليل مقصود. تُعد هذه الإستراتيجية استمرارًا لنمط تاريخي من التهجير ضد الشعب الفلسطيني منذ النكبة عام 1948، وتندرج ضمن الأفعال المحظورة بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي. فالتهجير القسري، سواء داخل الإقليم المحتل أو خارجه، يُعدّ جريمة حرب بموجب المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، وجريمة ضد الإنسانية وفقًا للمادة 7(1) (د) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. أما الإبادة، في سياقها الأوسع، فتشمل الإيذاء المتعمد لظروف الحياة بهدف إحداث تدمير جزئي للسكان.
يُعدّ قطاع غزة منطقة ذات سياق جيوسياسي معقد، تشهد صراعاً ممتداً وأزمة إنسانية حادة، مما يشكل خلفية للمناقشات المتعلقة بحركة السكان. في هذا الإطار، تُعرف إستراتيجية التهجير الإسرائيلية المزعومة بأنها مجموعة مترابطة من السياسات والتصريحات الرسمية والآليات العملياتية التي تهدف، بشكل جماعي، إلى تقليل أو نقل كبير للسكان الفلسطينيين داخل قطاع غزة أو خارجه. إن التدقيق في هذه الادعاءات أمر بالغ الأهمية نظراً لتداعياتها الإنسانية والقانونية والسياسية العميقة. فالإستراتيجية المزعومة تثير مخاوف جدية بشأن الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي، بما في ذلك حظر التهجير القسري، والتطهير العرقي، واستخدام التجويع سلاح حرب، مما يبرز ضرورة التحليل الدقيق للحقائق والاعتبارات الأخلاقية.

أولًا: استحالة الإبادة المادية الكاملة عسكريّا
تؤكد الأرقام والمعطيات استحالة تحقيق إبادة مادية كاملة عبر العمليات العسكرية التقليدية، وتكشف عن تكلفتها الباهظة على كافة المستويات:
الخسائر البشرية: تجاوز عدد القتلى في قطاع غزة 59,600 ضحية حتى 3 يوليو 2025، منهم 57,645 فلسطيني، وفقًا لتقارير وزارة الصحة الفلسطينية. هذه الأرقام، وإن كانت رسمية، لا تعكس بالضرورة الحجم الكامل للكارثة. فقد كشف تحليل تمت مراجعته من قبل الأقران ونُشر في مجلة “ذا لانسيت” في يناير 2025، أن وزارة الصحة في قطاع غزة قد قللت من عدد الوفيات المرتبطة بالصدمات بنسبة 41% في تقاريرها. وتشير التقديرات المستندة إلى هذا التحليل إلى أن عدد الوفيات الناجمة عن الإصابات الرضحية قد تجاوز 64,260 حتى يونيو 2024، ومن المرجح أن يتجاوز 70,000 بحلول أكتوبر 2024، وقد يصل إلى نحو 80,000 بحلول يناير 2025. علاوة على ذلك، يُعتقد أن آلاف الجثث لا تزال تحت أنقاض المباني المدمرة، وقد أعلن إعلام حكومة غزة مؤخراً عن اختفاء ما يقارب ربع سكان غزة، في إشارة إلى أعداد هائلة من المفقودين تحت الركام، والمحتجزين مجهولي المصير، وضحايا الظروف الإنسانية القاسية التي تفرضها الحرب والحصار. كما أشارت تقارير، مثل تلك الصادرة عن منصة “هارفارد داتا فيريرس” التابعة لجامعة هارفارد، إلى “اختفاء كارثي” لما يقارب 377 ألف إنسان من سكان القطاع، نصفهم أطفال، تلاشت آثارهم منذ بدء الحرب. هذا “المحو الجماعي من الوجود” لا يعترف به أحدٌ بشكل رسمي ضمن قوائم القتلى، مما يضفي بعداً إضافياً على حجم الكارثة. هذه المعطيات تؤكد أن الحجم الحقيقي للوفيات يتجاوز 100,000 قتيل بكثير، مما يعكس حجمًا أكبر بكثير للكارثة الإنسانية وجريمة الإبادة السكانية الشاملة.

أشارت تقارير، مثل تلك الصادرة عن منصة “هارفارد داتا فيريرس” التابعة لجامعة هارفارد، إلى “اختفاء كارثي” لما يقارب 377 ألف إنسان من سكان القطاع، نصفهم أطفال، تلاشت آثارهم منذ بدء الحرب. هذا “المحو الجماعي من الوجود” لا يعترف به أحدٌ بشكل رسمي ضمن قوائم القتلى، مما يضفي بعداً إضافياً على حجم الكارثة. هذه المعطيات تؤكد أن الحجم الحقيقي للوفيات يتجاوز 100,000 قتيل بكثير.

التكلفة الاقتصادية: تجاوزت كلفة العدوان 67.57 مليار دولار أمريكي حتى نهاية عام 2024، وفقًا لتقديرات البنك المركزي الإسرائيلي ووزارة المالية الإسرائيلية. هذه التكاليف الباهظة، سواء البشرية أو المادية أو السياسية، تدفع الاحتلال نحو إستراتيجية بديلة أقل تكلفة ظاهريًا وأكثر خبثًا: التفريغ السكاني.

ثانيًا: منطق التهجير بدل الإبادة
يُدرك صانع القرار الإسرائيلي أن الكلفة السياسية والدولية للإبادة المادية المباشرة ستكون غير مقبولة وقد تُعرضه للمساءلة الجنائية الدولية. لذلك، اتجه الاحتلال نحو إستراتيجية “الإبادة الناعمة” أو “الإبادة السكانية” عبر التهجير القسري. هذا التهجير يُقدَّم للعالم كخيار إنساني لتجنب المزيد من الضحايا، لكنه يُستخدم فعليًّا أداةً لتطهير سكاني ممنهج بهدف إعادة تشكيل ديموغرافية القطاع، وتقليل عدد السكان الفلسطينيين فيه، وصولًا إلى أهداف استيطانية طويلة الأمد. يرتكز التهجير على خلق ظروف معيشية قاسية تدفع الناس لـ”اختيار” المغادرة، محولًا الفعل القسري إلى “فعل طوعي” ظاهري.
تُلقي التصريحات الرسمية الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين مزيدًا من الضوء على النية الكامنة وراء هذا التهجير، إذ تُظهر تحليلاً دقيقاً لسرد متسق يشير إلى مستقبل لغزة يتضمن تحولات سكانية كبيرة وسيطرة إسرائيلية، غالباً ما تُصاغ في سياق الأهداف الأمنية، فقد أفادت التقارير أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو صرح بأن إسرائيل “تدمر المزيد والمزيد من المنازل [في غزة، وبالتالي ليس للفلسطينيين] مكان للعودة إليه”، مضيفًا أن “النتيجة الحتمية الوحيدة ستكون رغبة سكان غزة في الهجرة خارجها”. وقد ربط نتنياهو صراحةً إنهاء الصراع بتنفيذ خطة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب “الثورية” لإعادة توطين المدنيين في غزة، واصفاً إياها بأنها “عبقرية” ولديها القدرة على تغيير وجه الشرق الأوسط. وقد حدد نتنياهو شروطاً واضحة لإنهاء الحرب، بما في ذلك “أن تكون جميع أراضي غزة تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وهزيمة حماس بالكامل”، مع نفي قيادة حماس من القطاع، وتجريد غزة من السلاح، وتنفيذ “خطة ترامب”، مشيراً إلى تحقيق “نتيجة حاسمة ومستقبل مختلف لغزة”. هذه التصريحات من رأس الحكومة أساسية، إذ تربط مباشرة الأهداف العسكرية (هزيمة حماس، السيطرة الأمنية الإسرائيلية) بخطة محددة لإعادة توطين السكان. مصطلح “إعادة توطين” غامض بحد ذاته، لكن عند وضعه في سياق تصريحات رسمية أخرى، فإنه يشير إلى تهجير خارجي. ويشير التركيز على السيطرة الأمنية الإسرائيلية على “جميع الأراضي” إلى وجود طويل الأمد وإعادة تنظيم جوهرية لحوكمة القطاع وتركيبته الديموغرافية.
في 5 مايو 2025، بعد يوم واحد من تبني مجلس الوزراء الإسرائيلي خطة للاستيلاء على كامل قطاع غزة، أعلن أعضاء الحكومة علنًا عن نيتهم “تدمير غزة بالكامل” وجعل الفلسطينيين “يغادرون بأعداد كبيرة إلى دول ثالثة”. وصرح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش علناً في 5 مايو 2025: “سنحتل قطاع غزة أخيراً”، وذكر أن الضم احتمال وارد، مؤكداً: “بمجرد أن نحتل ونبقى يمكننا الحديث عن السيادة (على غزة)” وأنه “لن يكون هناك انسحابٌ من الأراضي التي استولينا عليها، حتى مقابل الرهائن”. وقد أسهب سموتريتش في رؤيته لغزة بعد الانتصار، مشيراً إلى أنها ستكون “مدمَّرة بالكامل”، مع إرسال المدنيين إلى “منطقة إنسانية خالية من حماس أو الإرهاب”، و”من هناك سيبدأون بالمغادرة بأعداد كبيرة إلى دول ثالثة”. كما صرح بشكل مثير للجدل أن سياسة إسرائيل هي “عدم دخول أي مساعدات إنسانية إلى غزة، وأن منع هذه المساعدات هو أحد الروافع الرئيسية للضغط لمنع حماس من استخدامها أداةً مع السكان”. وفي فبراير 2025، أصدر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تعليمات لجيش الدفاع الإسرائيلي بإعداد خطط “للسماح لأي مقيم في غزة يرغب في المغادرة بالقيام بذلك، إلى أي بلد يرغب في استقبالهم”، واصفًا ذلك بـ”حرية الحركة والهجرة”.

يُدرك صانع القرار الإسرائيلي أن الكلفة السياسية والدولية للإبادة المادية المباشرة ستكون غير مقبولة وقد تُعرضه للمساءلة الجنائية الدولية. لذلك، اتجه الاحتلال نحو إستراتيجية “الإبادة الناعمة” أو “الإبادة السكانية” عبر التهجير القسري. هذا التهجير يُقدَّم للعالم كخيار إنساني لتجنب المزيد من الضحايا، لكنه يُستخدم فعليًّا أداةً لتطهير سكاني ممنهج بهدف إعادة تشكيل ديموغرافية القطاع، وتقليل عدد السكان الفلسطينيين فيه، وصولًا إلى أهداف استيطانية طويلة الأمد. يرتكز التهجير على خلق ظروف معيشية قاسية تدفع الناس لـ”اختيار” المغادرة، محولًا الفعل القسري إلى “فعل طوعي” ظاهري.

إن الجمع بين التصريحات الرسمية التي تروج لـ”الهجرة الطوعية” والسياسات المتزامنة التي تجعل غزة “غير صالحة للسكن” وتدمر المنازل يكشف عن إستراتيجية محتملة للإكراه المتخفي في شكل خيار. هذا يشير إلى نية تحقيق تغيير ديموغرافي بوسائل غير مباشرة، ولكنها قسرية، فعندما يتعرض السكان لقصف لا هوادة فيه، وتدمير واسع النطاق لمنازلهم، وحرمان شديد من الضروريات الأساسية، فإن “خيار” المغادرة، حتى لو قُدم على أنه “طوعي”، يتم تحت إكراه شديد. إنه خيارٌ بين المعاناة التي لا تطاق والتهجير، وهو ما يندرج تمامًا تحت تعريف “النقل القسري” بموجب القانون الدولي، والذي يتضمن التهجير عن طريق “الطرد أو غيره من الأفعال القسرية”.

ثالثًا: عناصر التهجير المتكامل في خطط الاحتلال: الخطة الرباعية الخبيثة
تعمل خطة التهجير الإسرائيلية عبر تآزر أربعة مكونات رئيسية تُشكل معاً خطة رباعية خبيثة تُحقق غايات التطهير السكاني:
خطة الجنرالات (Generals’ Plan): الأساس العسكري للضغط تجلّت هذه الخطة في الأيام الأولى للعدوان (أواخر أكتوبر/نوفمبر 2023)، واقترحها اللواء المتقاعد غيورا آيلاند في أكتوبر 2024، بهدف إخلاء شمال غزة من سكانها وتصنيف أي أشخاص يبقون هناك عناصرَ عسكرية، مما يسمح بحظر الإمدادات الأساسية مثل الغذاء والدواء عن المنطقة. وقد نُظر في هذه الخطة من قبل الحكومة الإسرائيلية، على الرغم من أنها لم تُعتمد رسمياً بالكامل، إلا أن هناك مؤشرات على أن إسرائيل قد نفذت أجزاء منها خاصة خلال حصار شمال غزة. استندت الخطة إلى مبدأ تقسيم القطاع لمناطق عمليات، مع توجيه إنذارات بالإخلاء القسري وقصف مكثف للمناطق الشمالية والوسطى، مما أجبر مئات الآلاف على النزوح جنوبًا. فقد نزح أكثر من 684,000 فلسطيني بين 18 مارس و24 يونيو 2025. وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان إلى أن هذه التكتيكات صُممت لإجبار السكان على التحرك، مما يشكل أساسًا للتهجير القسري. حتى 25 يونيو 2025، كان 82.6% من قطاع غزة يقع ضمن “مناطق عسكرية إسرائيلية” أو خاضعًا لأوامر إخلاء. كما تساهم سياسة “المنطقة العازلة”، التي يقوم فيها الجيش بتسوية المنازل والأراضي الزراعية بالأرض، في جعل المناطق غير صالحة للسكن وزيادة التهجير.
عربات جدعون (Gideon’s Chariots): أداة النقل القسري وامتداد تنفيذي لخطة الجنرالات تُعدّ عملية “مركبات جدعون” امتداداً تنفيذياً لـ”خطة الجنرالات”، وقد أُطلقت في 16 مايو 2025. هي حملة مُنفّذة لنقل المدنيين قسرًا من الشمال إلى الجنوب، بزعم إخلائهم من مناطق القتال. تهدف هذه العملية البرية واسعة النطاق، التي يشنها جيش الدفاع الإسرائيلي، إلى هزيمة حماس بالكامل، وتدمير قدراتها العسكرية والإدارية، والسيطرة على ثلاثة أرباع قطاع غزة، وإفراغ شمال غزة بالكامل. وقد أدان مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان هذه العملية واصفًا حملة القصف التي تهدف إلى تهجير الفلسطينيين بأنها “ترقى إلى التطهير العرقي”. وثّقت منظمات دولية متعددة هذه العمليات كترحيل ممنهج ينتهك القانون الإنساني الدولي. شملت العمليات توجيه المدنيين سيرًا على الأقدام أو عبر طرق محددة وتحت إشراف عسكري إسرائيلي، مما قيّد حريتهم في التنقل وجعل نزوحهم قسريًا.
تُظهر هذه التطورات أن هناك تكاملاً بين الضغط العسكري والإنساني؛ فالربط الصريح بين الأهداف العسكرية (الغزو والسيطرة الأمنية) ونقل السكان وتدمير غزة من قبل مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، بالإضافة إلى تصريحات بأن منع المساعدات الإنسانية هو “رافعة ضغط رئيسية”، يشير إلى أن أي “هجرة طوعية” تُقوَّض بالظروف القسرية. إن التدمير العسكري المنهجي، والقيود الشديدة على المساعدات، والتهجير الداخلي القسري، تخلق بيئة يصبح فيها المغادرة خياراً يتم اتخاذه تحت ضغط شديد، وليس اختياراً حقيقياً. هذا يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة حول طبيعة “التهجير الطوعي” في مناطق النزاع، وقد يُنظر إليه على أنه شكل من أشكال التهجير القسري غير المباشر أو العقاب الجماعي.

صرح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش علناً في 5 مايو 2025: “سنحتل قطاع غزة أخيراً”، وذكر أن الضم احتمال وارد، مؤكداً: “بمجرد أن نحتل ونبقى يمكننا الحديث عن السيادة (على غزة)” وأنه “لن يكون هناك انسحابٌ من الأراضي التي استولينا عليها، حتى مقابل الرهائن”. وقد أسهب سموتريتش في رؤيته لغزة بعد الانتصار، مشيراً إلى أنها ستكون “مدمَّرة بالكامل”، مع إرسال المدنيين إلى “منطقة إنسانية خالية من حماس أو الإرهاب”، و”من هناك سيبدأون بالمغادرة بأعداد كبيرة إلى دول ثالثة”.

مؤسسة غزة الإنسانية (Gaza Humanitarian Foundation – GHF): غطاء الشرعية الإنسانية وتضييق الخناق هذا العنصر هو الأكثر خبثًا، إذ يتم توظيف كيانات ومؤسسات بظاهر “إنساني” أو “لإدارة الهجرة” لتنفيذ التهجير، مع عرقلة المساعدات الإنسانية واستغلالها كسلاح. وقد تم “تفكيك النظام الإنساني بشكل متعمد ومنهجي” من قبل الحكومة الإسرائيلية من خلال الحصار والقيود لأكثر من 100 يوم، تم فرض حصار شبه كامل على المساعدات والسلع التجارية، مما أدى إلى انهيار الظروف الإنسانية وانتشار خطر المجاعة على نطاق واسع. وقد أبرزت الأمم المتحدة ومنظمات أخرى أن الفلسطينيين يواجهون “خيارًا مستحيلاً: إما الجوع أو المخاطرة بالتعرض لإطلاق النار أثناء محاولتهم اليائسة للحصول على الطعام”. يوصف هذا الوضع بأنه “تحويل الغذاء والماء وغيرهما من المساعدات إلى سلاح”. برزت مؤسسة غزة الإنسانية (GHF) منذ فبراير 2025 لإدارة وتنسيق مراكز توزيع المساعدات داخل غزة. تأسست كمنظمة غير ربحية مقرها الولايات المتحدة بدعم من إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية. كان هدفها المعلن هو إنشاء “آلية جديدة لتوصيل المساعدات إلى غزة، متجاوزة القنوات التقليدية مثل الأمم المتحدة”. أدّت مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) دورًا محوريّا في إنشائها، إذ ساهمت في اللوجستيات واستراتيجية العمل والإطار التشغيلي. تثير طبيعة عمل مؤسسة GHF شكوكًا جوهرية حول شرعيتها ومطابقتها للمعايير الإنسانية الدولية، لعدة أسباب:
• غياب الحياد والاستقلالية: واجهت GHF إدانة واسعة النطاق من الأمم المتحدة وأكثر من 170 جمعية خيرية ومنظمة غير حكومية، لفشلها في التمسك بالمعايير الإنسانية ولتسييس توزيع المساعدات. وذكرت الأمم المتحدة أن نموذجها “ليس محايدًا ولا نزيهًا”. أي تنسيق مباشر أو غير مباشر مع سلطات الاحتلال يُفقدها هذه المبادئ الأساسية، إذ إنها تخدم أهدافًا سياسية وعسكرية ولا تعمل بناءً على الحاجة الإنسانية فقط.
• انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية وحق العودة: إذا كانت GHF تسهّل دفع السكان إلى الجنوب أو خارج غزة دون ضمان حق العودة الآمن، فإنها تُشارك في انتهاك صارخ للقانون الدولي.

• غياب الشفافية والمساءلة: الغموض المحيط بتأسيس GHF وتمويلها وإدارتها يثير علامات استفهام كبيرة حول شرعيتها. وقد رفضت بنوك سويسرية فتح حسابات لها (مثل UBS، غولدمان ساكس)، وبدأت سويسرا إجراءات حل فرعها في جنيف بسبب أوجه قصور قانونية، بما في ذلك عدم وجود حساب مصرفي سويسري أو عنوان بريدي.
• التلاعب بالوصول والملاءمة: تصميم نقاط التوزيع في الجنوب فقط، وتقييد الوصول إلى الشمال، لا يهدف إلى تلبية الحاجة الإنسانية بل يُستخدم أداة ضغط لتغيير أماكن تواجد السكان. المواقع محدودة (ثلاثة مواقع ضخمة فقط في جنوب غزة وواحد فقط في وسطها، لا يوجد أي منها في الشمال حيث الاحتياجات أشد)، مقارنة بنحو 400 نقطة توزيع كانت تديرها الأونروا، مما يجبر مليوني شخص على التجمع في مناطق مكتظة وعسكرية.
• توزيع مشروط بالهوية والمسح الحيوي: تُزعم التحقيقات أن مقاولي GHF مكلفون بجمع “معلومات استخباراتية بصرية وسلوكية عن الفلسطينيين”، باستخدام طائرات من دون طيار لتتبع التحركات، ومسح الوجوه، ومراقبة السلوك لتحديد “الأهداف”. هذا ينتهك الحق في الخصوصية ومبادئ الأمم المتحدة للعمل الإنساني، ويحوّل الإغاثة إلى أداة مراقبة وتغيير سلوكي.
• التمييز الجغرافي الذي تسبَّب بالتهجير: تركيز المساعدات في الجنوب والوسط وغيابها في الشمال يتعارض مع ميثاق Sphere ومبادئ اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) والمادة 59 من اتفاقية جنيف الرابعة.
• التهجير القسري عبر عمل “إنساني”: عبر التوزيع المشروط وتقييد حرية الحركة وغياب ضمانات العودة، ساهمت GHF بشكل غير مباشر في جريمة التهجير القسري (المادتان 49 و147 من اتفاقية جنيف الرابعة) وجريمة ضد الإنسانية (المادة 7 من نظام روما الأساسي). باختصار، دور GHF هو خلق الدافع للرحيل من خلال جعل البقاء مستحيلاً عبر تضييق الخناق الإنساني. تُحاط المواقع بحراسة من قبل مقاولين أمنيين خاصين مسلحين (مثل شركة Safe Reach Solutions، المرتبطة بخليفة شركة بلاك ووتر المثيرة للجدل) وقوات الجيش الإسرائيلي. وقد وصف النقاد هذا النموذج بأنه “مذبحة متنكرة في شكل مساعدات إنسانية”. وسجل مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أكثر من 613 قتيل بالقرب من مواقع GHF وقوافلها حتى 27 يونيو 2025، منهم 509 في نقاط توزيع GHF. وتفيد التقارير بأن الجيش الإسرائيلي يقصف ويطلق النار على الفلسطينيين الذين يحاولون الحصول على المساعدات. وقد أفاد مقاولون أمنيون سابقون بأنهم شاهدوا زملاء يطلقون النار على فلسطينيين جائعين. ولاحظت منظمة أطباء بلا حدود زيادة حادة في عدد المرضى المصابين بطلقات نارية من مواقع GHF.

مؤسسة التهجير ومديرية “الهجرة الطوعية”:
تُعدّ هذه المؤسسة، التي ظهرت تفاصيلها في أوائل عام 2025 ضمن خطة وزارة المخابرات الإسرائيلية (وتحديداً وزير الدفاع آنذاك يسرائيل كاتس)، الذراع التنفيذية لـ”التهجير الطوعي” أو “الناعم”. تُشير التقارير إلى إنشائها كـ”مديرية خاصة” داخل وزارة الدفاع الإسرائيلية، بهدف معلن يتمثل في “تشجيع وتسهيل المغادرة الطوعية” لسكان غزة الراغبين في الرحيل. وقد أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس في فبراير 2025 عن توجيهاته للجيش الإسرائيلي لإعداد خطط “للسماح لأي مقيم في غزة يرغب في المغادرة بالقيام بذلك، إلى أي بلد يرغب في استقبالهم”. وقد وافق مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي رسمياً على تشكيل هذه المديرية، وأُعلن عن “مكتب للهجرة الطوعية” في 23 مارس 2025 وعُيّن العقيد المتقاعد في الجيش الإسرائيلي، يعقوب بليتشتاين، رئيساً لها في أواخر مارس.
ترتبط هذه المبادرة صراحةً بخطط الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب المعلنة لإعادة توطين جميع سكان غزة. لكن الهدف الخفي يتجاوز “التسهيل” إلى التفعيل الممنهج للهجرة الدائمة لسكان غزة خارج القطاع، بعد أن تكون المكوِّنات الثلاثة الأخرى قد خلقت بيئة لا تُطاق تجبر السكان على البحث عن أي مخرج. هي تمثل الجزء الذي يمكّن عملية الرحيل الفعلي ويسهِّلها لوجستياً. تُعزِّز بعض التحليلات أن هذه المؤسسة تعمل بالتنسيق مع وزارة الخارجية الإسرائيلية في مساعيها لإيجاد دول ثالثة تستقبل الفلسطينيين من غزة، في محاولة لإضفاء شرعية دولية على هذا التهجير بتقديمه كـ”خيار طوعي”.
إن إنشاء هيئة حكومية مخصصة، يعمل بها أفراد عسكريون، يؤكد جدية نية إسرائيل في تسهيل الهجرة الخارجية. يشير الربط المتكرر بـ”خطة ترامب” إلى وجود دعم دولي متصور أو توافق مع هذه السياسة، بهدف إضفاء الشرعية على مفهوم النقل الجماعي للسكان.
آليات العمل ومسارات التهجير المقترحة (براً وبحراً وجواً): تُركز هذه المؤسسة على تحديد وتفعيل منافذ خروج محددة لتسهيل “هجرة” السكان خارج القطاع. ذكر مكتب كاتس أن الخطة تتضمن “مساعدة واسعة النطاق” و”ترتيبات مغادرة خاصة عبر البحر والجو والبر” لأي مقيم في غزة يرغب في الهجرة إلى دولة ثالثة. هذا يشير إلى إطار لوجستي شامل.
• المعابر البرية: استخدام بعض المعابر البرية كبوابات للمغادرة، بدلاً من كونها نقاطاً لإدخال المساعدات أو عودة السكان. يُصنف معبر رفح كـ”طريق خروج إضافي” في الخطة الإسرائيلية. ومنذ يونيو 2024، سمحت إسرائيل للمرضى بالخروج من غزة عبر معبر كرم أبو سالم إلى إسرائيل ثم إلى الأردن عبر جسر اللنبي، ومن هناك تم نقلهم جواً إلى الخارج.
• المغادرة البحرية: وهو الجانب الأبرز الذي تم الكشف عنه، حيث تُشير الخطط إلى إمكانية استخدام ميناء أسدود الإسرائيلي، أو ترتيبات بحرية أخرى، كنقاط انطلاق لنقل المدنيين بحراً إلى دول ثالثة، بقدرة معلنة تبلغ 2500 فلسطيني يومياً. وقد استخدمت القوات الإسرائيلية هذا الميناء أيضاً لسحب قوارب النشطاء التي تم اعتراضها.
• المغادرة الجوية: في حال توفرت ترتيبات لوجستية وسياسية معقدة، قد تُطرح خياراتٌ للمغادرة الجوية، رغم صعوبتها، كجزء من خطة شاملة. يُعدّ مطار رامون أيضاً جزءاً من خطة الإخلاء، بقدرة إبلاغية تبلغ 2500 فلسطيني يومياً. ادعى وزير الداخلية موشي أربيل في أبريل 2025 أن “أكثر من 16 رحلة جوية غادرت من مطار رامون تحمل غزيين طلبوا مغادرة القطاع”. تسعى هذه المؤسسة إلى تقديم حوافز مختلفة لـ”تشجيع” السكان على المغادرة، والتي قد تتضمن عروضاً مالية أو وعوداً بتسهيلات للاندماج في المجتمعات الجديدة، مستغلةً اليأس والمعاناة التي يعيشها السكان.
ومع ذلك، فإن الأعداد الفعلية للأشخاص الذين يغادرون عبر هذه الطرق أقل بكثير من القدرات أو الطموحات المعلنة، مما يشير إما إلى عوائق عملية، أو نقص في الاستجابة “الطوعية” الحقيقية، أو فجوة بين السياسة المعلنة والتنفيذ الفعلي. هذا التباين الكبير يشير إلى أن الجانب “الطوعي” من خطة الهجرة إما أنه غير طوعي حقاً، أو أن الدول الثالثة غير راغبة إلى حد كبير في استقبال أعداد كبيرة من النازحين من غزة. هذا يعني أن خطاب “الهجرة الطوعية” قد يخدم أكثر كإطار سياسي لإضفاء الشرعية على مفهوم نقل السكان بدلاً من كونه حلاً عملياً واسع النطاق للرحيل الجماعي.
أوامر التهجير الداخلية و”المساحات المتضائلة”: بالإضافة إلى الهجرة الخارجية، نفذت إسرائيل بشكل منهجي إجراءات تهجير داخلية داخل غزة؛ فمنذ 18 مارس 2025، أصدرت القوات الإسرائيلية ما لا يقل عن 47 “أمر إخلاء”، مما أدى إلى تهجير قسري لأكثر من 684,000 فلسطيني. وتفيد منظمة أوكسفام بأن أكثر من 30 أمر تهجير قسري صدرت منذ 18 مارس، تغطي 68 من أصل 79 حياً، مما يحصر السكان فعلياً في “جيوب مكتظة ومجردة من البنية التحتية” تغطي أقل من 20% من قطاع غزة.

 قد تُطرح خياراتٌ للمغادرة الجوية، رغم صعوبتها، كجزء من خطة شاملة. يُعدّ مطار رامون أيضاً جزءاً من خطة الإخلاء، بقدرة إبلاغية تبلغ 2500 فلسطيني يومياً. ادعى وزير الداخلية موشي أربيل في أبريل 2025 أن “أكثر من 16 رحلة جوية غادرت من مطار رامون تحمل غزيين طلبوا مغادرة القطاع”. تسعى هذه المؤسسة إلى تقديم حوافز مختلفة لـ”تشجيع” السكان على المغادرة، والتي قد تتضمن عروضاً مالية أو وعوداً بتسهيلات للاندماج في المجتمعات الجديدة، مستغلةً اليأس والمعاناة التي يعيشها السكان.

يقع ما يقرب من 82.6% من قطاع غزة الآن ضمن “المناطق العسكرية الإسرائيلية” أو تحت أوامر التهجير. هذه “المناطق العسكرية” و”المناطق العازلة” هي مناطق تم فيها تسوية المنازل الفلسطينية والأراضي الزراعية والبنية التحتية بالأرض لدرجة جعلتها غير صالحة للسكن. كما أن إنشاء “ممرات حركة باتجاه واحد” (مثل ممر نتساريم) يجبر سكان غزة على الانتقال من الشمال إلى الجنوب، من دون عودة، مما يؤدي فعلياً إلى إفراغ شمال غزة من سكانه.
وتتجلى هذه الإستراتيجية أيضاً في مخططات حشر مئات الآلاف من الفلسطينيين في محور موراج (ممر صوفا/ فيلادلفيا 2) الذي استحدثه الاحتلال في جنوب قطاع غزة. يهدف هذا المحور إلى فصل رفح عن بقية القطاع، وتقطيع أوصاله، وحصر السكان في مساحات ضيقة ومكتظة ضمن مناطق معينة، مما يزيد من الضغط عليهم ويساهم في دفعهم نحو الهجرة. هذا المحور، الذي وصفته بعض التقارير بأنه “سجن إسرائيلي جديد”، يؤكد الدور الفعلي له في تجميع وتكديس السكان كجزء من عملية ممنهجة لتقليل المساحات الصالحة للعيش.
تُعد إستراتيجية التهجير الداخلي هذه عنصراً حاسماً في خطة التهجير الخارجي الأوسع. إنها تُظهر نمطاً واضحاً لتقليل المساحة الصالحة للسكن للفلسطينيين داخل غزة بشكل منهجي، وتركيزهم في مناطق أصغر فأصغر، وغالباً ما تكون غير مهيّأة. هذا يخلق احتجازاً فعلياً، والذي يمكن اعتباره مقدمة أو تكتيكاً مكملاً للهجرة الخارجية، مما يجعل الظروف الداخلية سيئة للغاية لدرجة أن المغادرة الخارجية تصبح الخيار الوحيد المتصوَّر أو الممكن.
إن الطابع المنهجي للتهجير الداخلي، بالإضافة إلى تدمير المنازل والبنية التحتية في “المناطق العازلة”، يشير إلى أن هذا ليس مجرد نتيجة للصراع بل إستراتيجية متعمدة لتعزيز السيطرة على الأراضي وتغيير التوزيع الديموغرافي داخل غزة. ومن خلال جعل مناطق واسعة غير صالحة للسكن وإجبار السكان على التجمع في مساحات ضيقة وغير مهيّأة، يمكن لإسرائيل ممارسة سيطرة أكبر وربما التحضير لاحتلال طويل الأمد أو وجود فلسطيني أقل بكثير في مناطق محددة.
هذه الإستراتيجية الداخلية للتهجير، إذا كانت دائمة، يمكن أن تشكل شكلاً من أشكال إزالة الوجود الفلسطيني من مناطق معينة في غزة، بما يتماشى مع الهدف الأوسع المتمثل في الغزو والبقاء. وتثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي بشأن النقل القسري، الذي يعد انتهاكاً خطيراً لاتفاقية جنيف الرابعة وجريمة حرب، واحتمال العقاب الجماعي. ويشير إنشاء هذه “المناطق المحظورة” و”التذاكر ذات الاتجاه الواحد” إلى إعادة تشكيل متعمدة لجغرافية غزة وديموغرافيتها.

رابعًا: تداعيات استقالة المدير التنفيذي لـ GHF والرد الدولي
في 25 مايو 2025، استقال المدير التنفيذي لـ”مؤسسة غزة الإنسانية” GHF، جايك وود، معلنًا رفضه ممارسة المؤسسة أدوارًا تنتهك مبادئ الإنسانية والحياد والاستقلالية. هذه الاستقالة فجّرت جدلًا واسعًا حول شرعية المؤسسة. كما سلطت صحيفة نيويورك تايمز وغيرها الضوء على شكوك حول تمويلها وشفافية عملها. وقد أنهت مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) عقدها وسحبت فريقها من تل أبيب في أواخر مايو/ أوائل يونيو 2025، وطردت شريكين بارزين بسبب عمل “غير مصرح به” لا يتماشى مع معايير الشركة، وأصدر الرئيس التنفيذي لـ BCG اعتذارًا، معترفًا بـ “فشل في الإجراءات”.
أدت وسائل GHF المالية غير الشفافة إلى رفض بنوك سويسرية فتح حسابات لها، وإجراءات حل فرع جنيف. ورصدت تقارير الأمم المتحدة ما لا يقل عن 613 قتيل وأكثر من 4,200 جريح قرب مراكز التوزيع، معظمهم في مواقع GHF، منذ بدء عملياتها في أواخر مايو 2025. وقد وصف الناجون هذه المواقع بأنها “فخاخ موت”، ووصفتها منظمة أطباء بلا حدود بأنها “مذبحة متنكرة في هيئة مساعدة”. يشير النموذج التشغيلي لمؤسسة غزة الإنسانية، الذي يتسم بمواقع توزيع محدودة وعسكرية وعدد كبير من الضحايا المدنيين، إلى أن المساعدات لا يتم تسليمها فحسب، بل تُستخدم أداةً للسيطرة والإكراه.
وصفُ الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية لهذه المواقع بأنها “مصائد موت” و”مسالخ بشرية” يسلط الضوء على أن تصميم نظام المساعدات نفسه يساهم في إلحاق الضرر بالمدنيين ويثبط الوصول، مما قد يخدم زيادة الضغط على السكان أو جمع البيانات تحت الإكراه. هذا يمثل انحرافاً كبيراً عن المبادئ الإنسانية ويثير مخاوف جدية بشأن الضرر المتعمَّد أو تعريض المدنيين للخطر بشكل متهور.
علاوة على ذلك، تشير الادّعاءات بأن مقاولي GHF يجمعون معلومات استخباراتية بصرية وسلوكية، باستخدام الطائرات من دون طيار والمسح الضوئي للوجه لتحديد “الأهداف”، إلى أن المؤسسة تخدم غرضاً مزدوجاً يتجاوز المساعدات الإنسانية. هذا يحول توزيع المساعدات إلى آلية مراقبة، مما يقوض الحياد والنزاهة الضروريين للعمل الإنساني. مثل هذه الممارسات تقوض الثقة، وتعرّض المدنيين للخطر، ويمكن أن تسهّل المزيد من السيطرة أو استهداف السكان، مما يطمس الخطوط الفاصلة بين المساعدة الإنسانية والعمليات العسكرية/ الاستخباراتية.
إن الرفض الواسع النطاق لمؤسسة GHF من قبل وكالات الأمم المتحدة وأكثر من 170 منظمة غير حكومية، إلى جانب التحذيرات القانونية من التواطؤ في جرائم الحرب (التهجير القسري، التجويع كأسلوب حرب)، يُظهر قلقاً عميقاً من أن نموذج GHF ينتهك بشكل أساسي المبادئ الإنسانية الأساسية للإنسانية والحياد والنزاهة والاستقلالية. ويزيد انسحاب مجموعة بوسطن الاستشارية واعتذار رئيسها التنفيذي من صحة هذه المخاوف، مما يشير إلى أن عمليات GHF تُعتبر غير أخلاقية وربما غير قانونية من قبل الجهات الفاعلة الدولية الرئيسية، مما يقوض الإطار الإنساني العالمي المعمول به.

خامسًا: خطة متكاملة للسيطرة السكانية
إن التآزر بين التخطيط العسكري العدواني (خطة الجنرالات)، والنقل القسري الفعلي للسكان (عربات جدعون)، والهياكل المدنية “الإغاثية” التي تضيِّق الخناق وتوجِّه حركة السكان (مؤسسة غزة الإنسانية GHF)، وأخيراً، المؤسسات التي تُعنى بتسهيل “الهجرة الطوعية” وتفعيل الخروج الدائم من القطاع (مؤسسة التهجير)، يُنتج نمطًا متكاملًا من التهجير القسري الناعم. هذا النمط مُصمَّم بحيث يصعب على الرأي العامّ الدولي تصنيفه بشكل مباشر وواضح كجريمة تطهير عرقي أو جريمة ضد الإنسانية في سياقها الفوري، لأنه يُقدم تحت ذريعة “توفير ممرات آمنة” أو “تقديم المساعدة الإنسانية” أو “حلول للهجرة الطوعية”. ومع ذلك، فإنه يحقق أهداف التطهير السكاني فعليّا وبشكل منهجي.

سادسًا: إعادة هندسة الجغرافيا السكانية
لا تقتصر هذه الخطة على ترحيل السكان مؤقتًا، بل تحمل أهدافًا إستراتيجية أعمق بكثير:
• تفريغ شمال غزة تمهيدًا لفصله إداريّا وأمنيّا، وربما إقامة منطقة عازلة واسعة أو إعادة الاستيطان فيه.
• إنشاء منطقة عازلة دائمة على طول الحدود ومنع عودة السكان إليها، مما يُقلص مساحة القطاع الصالحة للسكن ويعزل الحدود بشكل كامل.
• تمكين السيطرة العسكرية والاقتصادية الكاملة على ما تبقى من السكان في الجنوب، وتحويلهم إلى منطقة مكتظة ومعزولة يسهل التحكم فيها.
• فتح الباب تدريجيّا لتوطين الغزيين خارج القطاع، سواء في سيناء المصرية أو في دول الجوار الأخرى، وهي خطة طالما راودت الأطراف اليمينية المتطرفة في إسرائيل، وتُشكل تهديدًا للأمن الإقليمي وتتنافى مع القانون الدولي. علاوة على ذلك، فإن الأهداف الإستراتيجية تتجاوز مجرد هزيمة حماس لتشمل السيطرة على الأراضي والتغيير الديموغرافي. تشير التصريحات حول “الاحتلال والبقاء” في غزة، والهدف من “السيطرة الأمنية الإسرائيلية على جميع الأراضي”، وتصنيف أجزاء كبيرة من غزة “مناطق عسكرية” يجري فيها هدم المنازل، إلى وجود إسرائيلي طويل الأمد وسيطرة على أجزاء كبيرة من غزة.
إن تقليل عدد السكان الفلسطينيين بشكل منهجي من خلال التهجير الداخلي والهجرة الخارجية الميسرة يساهم بشكل مباشر في هذا الهدف عن طريق تغيير التركيبة الديموغرافية للإقليم. هذا يشير إلى نية إستراتيجية لإنشاء غزة أكثر قابلية للإدارة أو أقل اكتظاظاً بالسكان تحت السيطرة الإسرائيلية، مما يثير مخاوف جدية بشأن انتهاكات القانون الدولي، بما في ذلك حظر النقل القسري وما قد يرقى إلى التطهير العرقي، كما صرح بذلك مسؤولو الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

خاتمة: الكشف والمساءلة عن جريمة التهجير المنهجي
إن ما يجري في غزة منذ أكتوبر 2023 لا يُمكن قراءته فقط كمأساة إنسانية عابرة، بل يجب تحليله بدقة كجزء من إستراتيجية عسكرية-سياسية متكاملة تهدف إلى تهجير سكان القطاع وإعادة هندسة الجغرافيا السكانية بما يخدم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي. يُظهر تحليل العناصر الأربعة الكبرى: (خطة الجنرالات – عربات جدعون – مؤسسة غزة الإنسانية GHF – مؤسسة التهجير) أن الاحتلال ينفذ مخططًا متدرجًا ومنهجيًا، يحقق غايات التطهير السكاني من دون حاجة إلى الإبادة الجماعية التقليدية بالقتل المباشر.
كما أن دور GHF ومؤسسة التهجير يمثلان تهديدًا لمعايير الإنسانية، وحياد مؤسسات الإغاثة، وحفظ حرية التنقل والعودة، وقد شاركتا ضمن مخطط التهجير القسري عبر أدوات تقنية وسياسية. ما حدث فيهما يُعدُّ انتهاكًا شاملًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، ومبادئ العمل الإغاثي الدولي، ويُدخلهما في دائرة المساءلة الجنائية والدولية. هذا هو ما يجب كشفه وتوثيقه وإبرازه على كافة المستويات الحقوقية والقانونية والسياسية والإعلامية الدولية، للضغط من أجل المساءلة ووقف هذه الجريمة المستمرة.

مقالات ذات صلة