“التواجد الإعلامي المكثف لن يجعل منك كاتبا”
يرى الكاتب الروائي عبدالوهاب بن منصور، أن التواجد المكثف إعلاميا لا يمكن أن يجعل “منك كاتبا”، وأن الشهرة والأضواء ليست معيارا لتمنح لك صفة الكاتب، معللا قناعته هذه، بما حدث مؤخرا، بعد إعلان الأكاديمية السويدية عن الحائز بجائزة نوبل للأداب لهذه السنة، مشيرا إلى أن الأديبة الفرنسية آني ارنو الحائزة على جائزة نوبل غير معروفة إعلاميا، وأعمالها الأدبية لا تزيد عن أصابع اليد، وليست مهوسة بالروايات التي تزيد صفحاتها عن 300 صفحة أو أكثر، وأن بعض أعمالها الأدبية لا تزيد صفحاتها عن 70 صفحة وفي أحسن الأحوال 190 صفحة، معتبرا أن هذا المعطى يمكن أن يساهم في اعادة النظر في تعاملنا مع الكتابة والنشر أيضا، وأن المقاييس التي أنتجت أدب آني أرنو يمكن أن تشكل ما وصفه بـ”العبرة” لمن أراد أن يعتبر، في ظل التسابق المحموم على النشر من جهة ومن ناحية أخرى السعي العبثي للتواجد المكثف إعلاميا، وهي كلها معطيات سقطت بل اسقطتها مؤخرا أعمال آني أرنو، التي قدمت درسا وهي تعيش شيخوختها المتأخرة (تبلغ من العمر 85 سنة).
الأديب عبدالوهاب بن منصور الذي لا يزال وفيا لطقوسه الكتابية، فارضا على نفسه ما يشبه خلوة اختيارية، مفضلا أن يبقى بعيدا عن المشهد الأدبي يحاول كما كشف عن ذلك في لقاءنا به “الكتابة والحرص على القراءة” في إشارة منه إلى أن القراءة واجب والتزام أما الكتابة تبقى في أحسن أحوالها “محاولة ” تحتاج لحضور ذهني وتركيز أكبر، إذ يبقى من بين الكتاب اللذين لا يزالون متمسكين ان الكتابة هي “حالة”، أو ما يشبه طقسا صوفيا تعيشه في الداخل وليس في الخارج وتبقى اللغة تشكل المفتاح للولوج إلى هذا المناطق المحفوفة بالمخاطر.
صاحب روايتي الحي السفلي وفصوص التيه، أكد في هذا اللقاء الخاطف أنه ليس متسرع بإصدار أعمال أدبية أخرى، وأنه حاليا يشتغل على إحدى النصوص التي لا تخرج عن المسارات العامة التي شكلت بداياته الأولى، إذ تبقى العوالم الصوفية، هي المناخ الذي يؤثث من خلاله لنصوصه الأدبية، كما حدث مع فصوص التيه، ومعظم أعماله الأدبية، سواء تعلق الأمر بالأدب أو الكتابة المسرحية أو تجاربه في كتابة السيناريو، إذ غالبا ما يجازف في عوالم ومجاهيل يصعب على الكثير الخوض فيها، فابن منطقة جبالة بتلمسان التي قضى فيها طفولته الأولى، يرى عكس الكثير من الكتاب أنه من المستحيل أن تعيش الكتابة كحالة دون أن تمارس التصوف كتجربة، حيث يربط الكتابة بالعوالم الصوفية التي تبقى أهم المناخات التي يأتي منها عبدالوهاب بن منصور ككاتب يعيش خارج الأزمنة التي يؤطرها العادي والمألوف والاعتيادي.
هذا وقد بدا صاحب فصوص التيه أكثر قناعة من أي وقت مضى، أن الكثافة الأدبية لا تخلق الفارق ولا تصنع التميز، وأن الروايات التي يعتمد أصحابها على ضخامة صفحاتها ماهي في الأصل إلا جهد ضائع، ويأتي هذا الرأي ليدعم الكثير من الآراء الأخرى لكتاب آخرين تصب في نفس السياق، في ظل صدور عديد الأعمال الأدبية لكتاب وروائيين وقعوا في فخ “الحشو” الذي يبقى أهم العيوب التي تضرب مصداقية الكاتب وتجعل من النص الأدبي نصا مشوّها أدبيا وإبداعيا.