الرأي

التوسع العمراني في الجزائر.. إفلاسٌ حضاري وتسمّم إسمنتي

الشروق أونلاين
  • 4221
  • 2

لا أستطيع أن أصف مدى حسرتي وأنا أجول في أنحاء البلاد المختلفة وأرى مستوى الإفلاس الذي وصلنا إليه من ناحية العمران.

قواسم مشتركة تشاهدها في معظم المدن الجزائرية وحواضرها: بناءات فوضوية، أو شبه فوضوية عنوانها العام: غياب أدنى معايير البناء والعمران.

العمران.. أهم المجالات الحيوية على الإطلاق، ما يعكس المستوى الحضاري الذي وصلت إليه كل أمة؛ فكلما زرت بلدا ستكشف لك جمالية بناءاته، هندستها وانتظامها، وتناسقها مع المحيط، مدى تطوره ورشاد التسيير فيه

 ومن الأسف أن زائر الجزائر لن يجد ما يعرّفه بهوية هذا الشعب وتاريخه إلا مما تبقى من عمران أسلافنا المترامية هنا وهناك، مقطوعة الصلة بما استجد من مشاريع عمرانية تفاقمت رداءتها في الفترة الأخيرة.

كلنا شاهدون على ذلك، ونعيش تبعات تفاقم هذاالتسمم الإسمنتيأو بالأحرى  السرطان الإسمنتي؛ فمدننا تضخمت مثل خلايا السرطان دون أن تستجيب إلى أي قاعدة أو قانون.

بعد 2001، انفجرت الطفرة العقارية، مع ارتفاع أسعار البترول، بطريقة جنونية لا تستجيب إلى أي نوع من التخطيط يحدد سياسات العمران في المدى المنظور والمتوسط، ميّزها غياب كلي  لهندسة المدينة وطرق توسعها وربطها مع المدن والحواضر المجاورة.

            بداية إنجاز السكنات المليونية

 كنت سمعت برقم 3 ملايين سكن في الحملة الرئاسية 2004، استغربت ضخامة هذا العدد، وتعجبت أكثر لأنني لم أقرأ في مطالعاتي، حينذاك، تحاليل خبراء في هذا الموضوع الحساس.

حساسية هذا الموضوع تبدأ تحديدا من هذا الرقم: 3 ملايين؟!

 فأول ما يتبادر إلى أي إنسان يفكر هو التحول العميق والخطير من الناحية الديمغرافية، وآثاره الاجتماعية الآنية والمستقبلية، وتداعياتها الاقتصادية، المترتبة عن هذا الرقم المهول:

3  ملايين سكن ستمنح لـ3 ملايين عائلة جزائرية، متكونة من 4 إلى 5 أفراد ـ على الأقل ـ ومنه إعادة توزيع ديمغرافي لـنحو 15 مليون جزائري يكوّنون أكثر منثلث المجتمع“.

كنا ننتظر أن يخرج الجهاز التنفيذي المكلفببرنامج الرئيسليشرح لنا معالم هذا المشروع الوطني وكيف سيغير خريطة بلاد بأكملها، وفق مخطط من المفترض أن يراعي الجانب التقني والنسق الجمالي، المنسجمين مع موقعها الجغرافي ومناخها وهويتها.

نظريا يستدعي ذلك تشييد مدن جديدة، وحواضر كبرى، تناسب هذا العدد غير المسبوق. طبعا، أيّا من هذا لم يتحقق.

 الذي تحقق فعلا هو اقتطاع أراض من مدن كبرى كعواصم الولايات، أو في محيطها، بطريقة ارتجالية وعشوائية من أجل بناء مئات آلاف الشقق، على هذه الطريقة:

            تجميع عدد كبير من السكان في عمارات متقاربة مساحات عقارية ضيقة، وهي بالأحرى مراقد جماعية Cités dortoirs

            عدم توفير المرافق الخدماتية لهذه التجمعات، ما جعل هذه الأقطاب التوسعية في حال تبعية للمدن المجاورة الغارقة في أصلا في التضخم السكاني.

والنتيجة أننا نعيش الآن اختناقا ديمغرافيا، تسبب في تبعات كارثية على المجالات الحيوية الأخرى، بالأخص مجال النقل: الشريان الرئيس للاقتصاد.

نفس الفوضى تسود البناءات الفردية؛ فمعظم التجمعات السكنية المتوسعة غير مكتملة لونها أحمر آجوري أو رمادي اسمنتي !

أنظروا إلى الحميز وبرج البحري وقهوة الشرڤي وأولاد موسى وأولاد هدّاج، بالله عليكم من المسؤول عن هذه الفوضى؟ ومن كان سببا فيها؟

أنظروا إلى المتيجة وتوابعها: الدويرة وخرايسية والرحمانية وبابا علي وبئر توتة وبوفاريك وبراقي وسيدي موسى

والكارثة العظمى المسماة المدينة الجديدة سيدي عبد الله!

الزائر هناك لا يعرف هل هو في الريف أم في الحضر؟ ولا يمكنه أن يتبيّن شكل المدينة هل هو مربع أو مستطيل أو نصف دائري؟

وقس على ذلك باقي الولايات والمناطق الجزائرية.

 ما الذي يحدث؟

ألهذا المستوى الخطير نسمح باستنزاف مقدرات البلد في مجال العقار والعمران؟

أين هم المختصون؟

 ما فائدة تأسيس معاهد متخصصة في هندسة المدينة مثل الذي في جامعة المسيلة، وتخريج آلاف الطلبة في علوم المعمار وخبراء العمران؟

ما جدوى اختصاص علم الاجتماع الحضري ومئات الرسائل الجامعية في هذا الميدان إذا لم تُفد في التخطيط لمشاريع المساكن المليونية ومراعاة آثارها الاجتماعية والديمغرافية؟

وماذا ستتذكر الأجيال القادمة من جزائر الآن؟ هل يستذكروننا بمشاريععدلوعماراتها المتآكلة في بضع سنين، أو بعبقرية المعمار ونظامه في الحميز؟!

 في الوقت نفسه لا زلنا نسمع نفس التصريحات من شاكلةلقد آن الأوان لوضع سياسة للمدينة من خلال إطار قانوني وتنظيمي“..  

ما نصدّقه نحن هو ما نراه ماثلاً أمام أعيننا كل يوم من استمرار لنفس الطرق في التهام الأراضي بطريقة غير مدروسة هدفها ملء الفراغ وإشباع البطون وشراء السلم.

فالأمر لا يتعلق فقط بتبذير المال العام أو إهدار قرابة عشريتين من السنين، إنّه انتهاك لقاعدة حضارية نرهن به مستقبل البلاد لعقود، وسيعقّد بل قد تستحيل معه كل محاولة مستقبلية للتدارك والإصلاح.

 

وليتيقن كل من ساهم في هذا الإفساد، أنّه سيأتي اليوم الذي تحاسبهم فيه الأجيال القادمة ويحاكمهم التاريخ.

مقالات ذات صلة