التوسع في الإقراض: من إفلاس البنوك الى زحمة السير
لم تعد طرقات الجزائر تحتمل سيارات أكثر عددا بل لم تعد طرقات الجزائر صالحة لسير السيارات، والذين زاروا أوربا أو قضوا فيها بعضا من العمر يقولون إن الجزائر لا تملك طرقا سيّارة وأن مدينة ضخمة مثل لندن على ما تمثله من زحمة مرتاديها لا تكاد تحس فيها بأزمة سير أبدا.
-
وأن أغلب وقت الموظفين عندنا يضيع في الزحمة وأن الأمر لم يعد يطاق وعلى الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها بل وعلى الجميع أن يعترف بأن الحلول الترقيعية لمشكلات السير يجب أن تطوى لصالح الحلول الذكية وإلا تحولت المدن الجزائرية الكبرى إلى صورة من الجحيم كلما استمرت السلطات في تيسير قروض الاستهلاك والضغط على الدخل الحقيقي للأفراد. فإلى أين الاتجاه؟ وكم تبلغ الكلفة الاقتصادية لمشكلة السير في بلادنا؟
-
-
-
عندما شرعت الحكومة في بناء الأنفاق عبر ما يعرف بالنقاط السوداء بالمدن الجزائرية الكبرى ولاسيما العاصمة تنفّس الجميع الصعداء ورسم الخيال صورا جميلة عن مرور سهل بعيدا عن الزحام وعن توتر الأعصاب، ولكن سرعان ما تبدّدت الصورة الجميلة وغرق الجميع في مشكلة متجددة اسمها زحمة السير. ضريبة المشكلة باهظة كما يعلم الجميع، وفضلا عن الاستهلاك الإضافي للبنزين والتسرب المفرط للكاربون في الجو يستمر هدر الوقت وتتسع نسبة العمال المتأخرين عن عملهم ويسارع أرباب العمل، بمن فيهم مسيرو القطاعات العمومية، إلى فرض الرقابة على دخول وانصراف الموظفين. البعض يتحدث عن تأثر إنتاجية الموظف بعامل الزحمة وهي إنتاجية متدنية منذ البداية وزادها الأمر سوءاً. والبعض يتحدث عن تكاليف أخرى على صعيد صحة مرتادي الطرقات تكلف الدولة مزيدا من الأعباء. وأكثر الناس يتساءل عن جدوى مشاريع الحكومة التي استهلكت الأموال الضخمة دون أن تحسّن من الوضع شيئا وربما اعتبروها مشاريع غير مدروسة وأن الأولوية كان يجب أن تمنح لمشروع الميترو والنقل الجماعي والترامواي والمرور الذكي. كلام من هذا قد يعكس شيئا من معاناة المواطن ولكنه قد يحمل شيئا من المبالغة لأن لا أحد يتصور كيف يكون الوضع لو لم تحفر الأنفاق في الوقت الذي تضاعف فيه عدد المركبات.
-
-
أعرف أستاذا بدرجة بروفيسور في جامعة ليدز البريطانية يركب الحافلة إلى العمل كل يوم وأعرف آخر لا يتأخر عن السير بالدراجة وأعرف غيرهما كثير ممن يركنون سياراتهم في المواقف العامة كي يركبوا النقل العام. لو أتيح للجزائريين مثل هذه الثقافة مع شيء من التنظيم وتدخل الدولة لسارت الأمور على غير المسار الحالي، ولكن البلد تأخر كثيرا في تنظيم النقل مما رسخ لدى المستهلكين عادة السيارة حتى صارت شيئا لا يستغنى عنه.
-
لماذا يفضل الصينيون الدراجة على السيارة إلا للنزهات في العطل حيث السير قليل؟ تلك هي ثقافة النجاعة في كسب الوقت، وبدعم من الحكومة الاشتراكية تعاون الجميع على ممارسة الحياة البسيطة. وفي الولايات المتحدة الأمريكية حيث الشوارع واسعة والطرق السريعة فعلا سريعة تبدو السيارة رمزا للرفاه الاقتصادي وتتويجا لحياة مريحة كذلك. وأغلب الظن أن أمريكا لو رأت في السيارة تعكيرا لمرور الناس وتنقلاتهم لرسمت سياسة مواتية لمواطنيها. ومع ذلك يظل النقل العام المزود بكل أدوات الراحة والأمان وسيلة مشتركة للنقل لدى جميع الشعوب المثقفة، وتلعب ثقافة الاستهلاك دورا مهما في التعاطي مع حاجات الناس وتطلق الحكومات خطط نقل ذكية ومدروسة وكثير من المعاهد يشجع البحث في مجال تسهيل حركة المرور.
-
-
-
هل يعقل أن يتطور السلوك الاستهلاكي للأفراد إلى درجة تملك أكثر من سيارة للأسرة الواحدة؟ وهل يعقل أن تفكر العائلات محدودة الدخل في اقتناء مركبات عالية الثمن؟ قد يبدو ذلك غريبا ولكن مع ثقافة الاقتراض يتحول كل شيء إلى الممكن. فالمستهلك دائما متجدد الحاجات في حدود الإمكان وعندما توفر القروض البنكية هذا الإمكان يتجاوز المستهلك حاجاته بكثير وتغري السيولة المتوفرة بتغيير السلوك الاستهلاكي على عكس الإنفاق من الدخل المتاح فهو يدفع بالمستهلك إلى تحديد حاجاته بدقة ولو كان ذلك الدخل مرتفعا. وهكذا تؤدي قروض الاستهلاك أثرا مضاعفا في توسيع سلة الحاجات وتكون السيارة السلعة الأكثر جذبا في دولة لا توفر لمواطنيها النقل العام المريح. والنتيجة تمدد حظيرة السيارات في غياب الطريق السيار، اختفاء الأرصفة بسبب ركن السيارات، الطوابير الممتدة عند بوابات محطات البنزين وفوق هذا وذاك فوضى المرور وتعقد الحياة.
-
وما يزيد الأمر سوءاً في بلد مترامي المساحات كالجزائر، السياسة العمرانية لمرافق الصالح العام كالوزارات والدوائر الرسمية ومساحات التسوق والمستشفيات، سياسة تخدم الزحمة لأنها تكرس فكرة العاصمة هي الدولة والدولة هي العاصمة وعدا ذلك قفار وبراري وأدغال.
-
وعندما تلتقي أغلب الدوائر الحكومية في حيّز واحد لا تلام الطرقات ولا أحد يلوم المواطن عن ثقافته الاقتراضية. لقد آن الأوان لإعادة نشر المرافق العمومية في جوار مراكز المدن وترقية الضواحي بما يخدم سهولة الولوج إلى الخدمات. وتظل المدن الجديدة التي نسمع عنها حلم الجميع وكلنا يتمنى أن تلقى هي الأخرى نفس مصير الميترو والترامواي وغيرهما من وسائل النقل المعاصر.