التين الشوكي ودرّاجات والهواتف النقالة في حقائب المهاجرين
تشهد مطارات وموانئ الجزائر الدولية ازدحاما كبيرا، يؤكد عجز الجوية والبحرية الجزائرية عن توفير أماكن سفر لعشرات الآلاف من الجزائريين الذين قرروا هذا العام العودة إلى أرض الوطن لقضاء عطلة الصيف، وقضوا بعض الوقت، وليس كله على ضفاف الشواطئ، وقضوا شهر الصيام وعيد الفطر مع أهاليهم، في صيف عرف دخول عشرات الآلاف من الحاويات القادمة من شرق آسيا ودول الخليج العربي وأمريكا اللاتينية، وهو ما أذهل العائلات المهاجرة التي وجدت سلعا بأثمان أقل مما هو موجود في أوربا وخاصة بفرنسا.
ورغم الشكاوى التي رفعها الجزائريون ضد الخطوط الجوية التي لم تُنزل سعر الرحلة عن 500 أورو وبلغت رحلة فرانكفورت نحو الجزائر العاصمة 1200 أورو إلا أن الجزائريين صاروا لا يفرطون في الرحلة مهما كلفهم الثمن .
وإذا كانت المعادلة قد انقلبت منذ قرابة الست سنوات، عندما أصبح المهاجر هو الذي ينقل البضائع المختلفة إلى المهجر بعد أن كان يستقدم معه الألبسة والحلوى وحتى الموز والكيوي والشكولاطة، فإن الظاهرة أخذت الآن أبعادا أخرى لا تخطر على بال أحد إلى درجة أن بعض البواخر التي شقّت البحر في الأسبوع الأخير من شهر أوت من موانئنا إلى موانئ فرنسا وإسبانيا نقلت مدنا بأكملها أذهلت رجال الجمارك الجزائريين وحتى الفرنسيين، وكان الإجماع على أن ما هو موجود في الجزائر من سلع أرخس ثمنا بكثير مما هو موجود في أوربا، رغم أن النوعية غير متوفرة في الأسواق الجزائرية، وحتى المهاجرين الذين يعشقون مختلف أنواع الغناء المحلي والعربي والغربي وجدوا ما يطلبون، حيث لاحظنا أن غالبية الذين حضروا حفلات تيمڤاد وجميلة الرمضانية وحفلات ليالي الكازيف في سيدي فرج وتلمسان وسيرتا كانوا من المهاجرين الذين أذهلتهم سياسة الدخول المجاني لهاته الحفلات والأسعار الرمزية لغالبية الحفلات التي لم يزد سعرها عن 200 دج، كما أن أسعار السيديهات رخيسة جدا وتصل إلى 50 دج لأشهر الأفلام وآخر الألبومات، وهي لا تنزل عن 5 أورو في فرنسا مثلا، رغم أن صيف 2012 لم يشهد مباريات كرة القدم التي تستهوي كل الجزائريين، حيث جرت مباراتي رواندا وبينين ضمن إقصائيات كأس أمم إفريقيا وكأس العالم في شهر جوان قبل بداية العطلة الصيفية، والجزائر مطالبة بتدعيم أسطولها البحري قبل الجوي، وفتح مزيد من الرحلات عبر مختلف موانئها، لأن المهاجرين الذين يدخلون خفيفي الوزن بقليل من الهدايا لذويهم والكثير من الأورو عبر الطائرة، ويعودون ثقيلي الوزن عبر الباخرة، رأوا أن البحر هو الحل الأمثل لأجل العودة إلى أوربا، حيث لا تتساهل الخطوط الجوية الفرنسية مع المسافرين عبر خطوطها، وتجبرهم على نقل حقيبة كبيرة واحدة في سفرياتهم نحو الخارج، ويدفعون أزيد عن 100 أورو لكل حقيبة إضافية من الحجم الكبير، بينما تسمح الخطوط الجوية بالتساهل الجزائري المعروف نقل الأطنان من الأمتعة، وتسمح الخطوط البحرية بنقل مدن بأكملها.
وما شاهدناه في الموانئ التي زرناها جاوز التصوّر، حيث أصبح الكثير من مغتربينا يُجهزون مساكنهم في فرنسا بالأثاث المستقدم من الجزائر، وكانت ظاهرة صيف 2012 هي شراء الدراجات من محلات ما يسمى دبي في مختلف الولايات، سواء الدراجات الخاصة بالأطفال أو الخاصة بالكبار، إذ تراوح سعرها بين 5000 و10000 دج، بينما لا يقل سعرها في فرنسا عن 300 أورو، إضافة إلى اقتناء أجهزة الإعلام الآلي خاصة المحمول منها، والهواتف النقالة، وكما قال أحد المهاجرين لو يتم إنشاء مصنع رونو في وهران، كما هو مقرر فإن المهاجرين سيحجون إلى الجزائر لشراء السيارات الفرنسية والعودة بها إلى فرنسا.
.
عجائب وغرائب في حقائب المهاجرين
في غياب سياحة أجنبية حقيقية، وأمام انهيار الدينار، وفي غياب أداء بنكي محترم ومحترف، ما زال المهاجرون هم المصدر الأهم، وأحيانا الوحيد لدخول العملة الجزائرية إلى السوق الموازية، وإذا كانت مصر والمغرب وتونس وتركيا تسجل في مواسم العطلة انتعاشا كبيرا في دخول العملة الصعبة لبلدانهم، فإن الوضع في الجزائر لا يتغير إطلاقا، وحتى الدولة لا تبدو مهتمة باستغلال التواجد القوي والكبير والنوعي للجزائريين في شتى البلدان، وفي أحسن الأحوال يقوم بعض المهاجرين بمحض إرادتهم بفتح حسابات بنكية بالعملة الصعبة في مختلف البنوك الجزائرية التي لا تقوم أبدا كما هو حادث في بنوك العالم الثالث بالإشهار، وجذب المهاجرين للإدخار في بلادهم، ويلجأ كل المهاجرين بدون استثناء لبيع الأورو في السوق الموازية سواء بطريقة مباشرة أو يتركون المهمة لأقاربهم، وتعتمد السوق الموازية على العملة المنتشرة في كل المدن من دون استثناء على ما يضخه المهاجرون من عملة صعبة، لكن ما حدث في صيف هذا العام هو بقاء الأورو في أعلى مستواه، لأن الطلب بقي أقوى من العرض، وبيع الأورو تبعه الهجوم الكاسح الذي قاد السواح الجزائريين إلى مختلف البلدان، ولم ينزل سعر الدينار التونسي عن 7500 دج، وهو رقم مرتفع يتماشى مع سعر الأورو الذي قدر بـ 130000 دج لكل 100 أورو، ولجأ بعض الهاجرين لاقتناء بعض البضاعة بالعملة الصعبة مباشرة، وأهمها أجهزة الإعلام الآلي والهواتف النقالة التي تباع بأثمان بخسة، مقارنة بما هو موجود في كور دوبالزانس في مارسيليا وبارباس في باريس.
المهاجرات المقبلات على الزواج في فرنسا استغلين الفرصة كاملة واقتنين الحلي والألبسة التقليدية والعصرية، وكل جهاز العروس من الأسواق الشعبية في العاصمة وقسنطينة وتلمسان، لكن ما أذهل أصحاب الحوانيت في الجزائر أن بعض المهاجرين غزوا محلات الأجهزة الكهرومنزلية والأثاث، واقتنوا أجهزة تلفاز من نوع بلازما، ومن أشهر الماركات، وحتى غرف نوم كاملة تم تحويلها عبر الباخرة، ناهيك عن أثاث الزينة الذي وصفوا سعره بغير المعقول، وبالرغم من أن الصناعات الصينية والكورية موجودة بقوة في فرنسا، إلا أن الأسعار في الجزائر منخفضة جدا في عز الأزمة الاقتصادية في فرنسا التي انهارت فيها أسعار القماش والألبسة والأطعمة فقط.
مهاجرون حضّروا للموسم الاجتماعي والدراسي بالخصوص، فشاركوا أهاليهم بالجزائر في التسوق واقتناء الأدوات المدرسية والمحافظ الصينية الصنع، وتحولت الموانئ إلى بازارات حقيقية فيها من كل شيئ خاصة أنواع الأطعمة، أما أغرب ما صادفه رجال الجمارك هو نقل بعض الجزائريين للمشروبات الغازية والمربى والحلويات، وحتى الكيوي والموز الذي يصل سعره أحيانا في فرنسا إلى 3 أورو للكيلوغرام أي قرابة 400 دج، كما أخذ بعض المهاجرين البطيخ بكل أنواعه وحتى التين الشوكي المعروف محليا باسم الصبار، داخل سلات خاصة وُضعت في السيارات المشحونة في البواخر، وإلى غاية عام 2001 كان الجزائريون كلما عادوا من أي بلد أوروبي، إلا واستقدموا الموز معهم بعد أن جعلوه في سفرياتهم وجبة غذاء وعشاء بسبب سعره المستحيل في الجزائر، وبلغ مشارف 1000 دج للكلغ في تسعينات القرن الماضي، وحتى الأحذية ومختلف الأغطية وأواني المنزل كانت ضمن الأمتعة، حتى يخيّل إليك أن الجزائر تم نقلها بالكامل نحو أوربا وفرنسا بالخصوص، وهناك من تجاوز هذا الخط وأخذ مزيدا من الأمتعة لأجل بيعها لأصدقائه وأهله المتواجدين في أوربا.
هذا الوضع الجديد لم يحرّك السلطة في الجزائر لأجل التعامل مع الجزائريين المتواجدين في الخارج، الذين عادوا بقوة وبعضهم بجوازات سفر أجنبية، حيث لم تتمكن من مواكبة هذا الزحف في كل المجالات سواء في النقل أو في أماكن الراحة وخاصة في الأداء البنكي، وبقي التعامل بين الجزائريين فيما بينهم بطريقة فوضوية، وأضاعت الجزائر كالعادة فرصة لتقوم بهبّة اقتصادية تم استغلالها لدى بلدان مجاورة، تمكنت حتى من استدراج مهاجرينا لمرّكباتها السياحية وفنادقها وأيضا لبنوكها.