الشروق العربي

الثأر بمنطق الأنف بالأنف والأذن بالأذن يستفحل في مجتمعنا

الشروق أونلاين
  • 4050
  • 4

أسفنا على من يمشي على الأرض مرحا، غير مدرك بكل ما يفعله عبثا، معطيا لنفسه الحق في التمادي بأخذ مبدأ “العين بالعين والسن بالسن” وتطبيقه في كل ما ينفعه وما يضره، حيث يلحق الأذى بالآخرين.. يقول بذلك لا للسماح ولا لقيم يدنسها هو بنفسه، محطما بذلك كل ما هو إنساني أو اجتماعي أو ثقافي، وهنا اضطررنا لدق ناقوس الخطر، متجهين لبعض شوارع العاصمة في الخط الرابط بين “حسين داي” و”رويسو”، محاولين الوقوف ولو قليلا والتقرب من المارة، لاستفسارهم حول هذا الموضوع الذي بات خطيرا في مجتمعنا.

التسامح قيمة افتقدناها في مجتمعنا

وها هو مجتمعنا أخذ يفقد حلقاته المتصلة واحدة تلو الأخرى نتيجة التغيرات الفكرية الجارية من جيل إلى آخر، فتحت غطاء كلمات من وحي الله تعالى في قوله “العين بالعين والسن بالسن”، تمادى البعض منا في تطبيقه إلى حد أخذها كمبدأ يسقطونه على جميع الأفعال والسلوكيات التي يدخلون بها حين تفاعلهم مع بعضهم البعض، متغاضين بذلك على أسمى قيمة في ديننا الحنيف وهي التسامح عند المقدرة، والحاجة مليكة 50 سنة من اللواتي يؤكدن على أن منطق عصرنا اليوم يمشي على أساس هذا المبدأ، الذي تم فيه تشويه معاني آيات كتاب الله عز وجل عن قصد أو غير قصد، والمتضمنة للقصاص لإنصاف المظلوم من الظالم ولإرساء عدالة الله وتبيين أن الناس سواسية أمام الخالق مقابل إعادة بعثها في قول العين بالعين والسن بالسن لإفشاء قانون الغاب، حيث القوي منا يأكل الضعيف.

و قياسا لدين الإنسان وثقافته المنفتحة في التعامل، فالدين معاملة هي الكفيلة لمسامحة من لم يعده في مرضه أو من لم يفرح معه في فرحه، والحاجة مليكة هي امرأة طاعنة في السن ممن كتب الله لها زيارة البقاع المقدسة، قلبها كبير يسع العالم بأسره، قالت أنها تستطيع مسامحة من قاطعها لا لشيء إلا لكي لا تكون من الظالمين، الطاغين في الأرض وهي تأسف على حال أبناء أمتها الذين راحوا ينشغلون بالدنيا وحبها والتي هي أساس كل نقصان، والذي قد نكمله بإفشاء المحبة والرحمة والتسامح الذي يذهب بالتحلي بقيم نبيلة لغاية اختلاق أكثر من عذر لمن لم يبادلنا المعاملة الحسنة.. إلى ذلك ذهب السيد محمد 43 سنة الذي التقيناه جالسا في احد المقاهي بحسين داي، حيث يرى أنه يعمل على إلتماس الأعذار لأهله وأصدقائه، فلكل ظروفه وذلك حتى لا يمرون مرور الكرام في حياته ويبقي على صلة رحمه ومعارفه، وهو رافض لمبدأ العين بالعين والسن بالسن كأساس للتعامل بين الناس، وذلك لتفادي المشاكل التي قد تؤدي إلى سفك الدماء دون قانون يحكم في الأمر، وفي هذا الإطار تقول أمينة 40 سنة أن ابنها تعرض إلى اعتداء من طرف أحد الجيران، لكنه لم يسكت عليه، ورغم مناشدتنا له بعدم رد الاساءة إلا أنه قام في أحد الأيام بطعنه بالسكين، وكاد على إثر ذلك ابن الجيران أن يفارق الحياة على يد قلب مليء بالحقد والثأر غفل وتناسي أهوال يوم القيامة.

الثأر سمة تطغى على معظم معاملاتنا اليومية

فالتسامح إذا أصبح ضرورة حتمية في زمن يكون فيه الثأر سيد الموقف، باعتباره منطلقا تؤول إليه معظم تفاعلاتنا ومعاملاتنا في المجتمع، مطبقين من خلاله مبدأ العين بالعين والسن بالسن، غير مبالين بما قد يترتب عن ذلك من مشاكل، فنجدهم متعصبين لهذا الموقف، وهو ما لمسناه من خلال حديثنا مع يوسف 25 سنة، التقيناه أمام احد المطاعم  في “رويسو” حين طرحنا عليه موضوعنا، فأجابنا هائجا بعنفوانية أنه لا يتخيل نفسه جامدا لا يتحرك عند تعرضه لشتيمة أو أذى سواء له أو لأحد معارفه، لأن كبرياءه لا يسمح له بذلك، وأضاف قائلا “لغة الشارع هي التطبيق الحر لمبدأ العين بالعين والسن وإلا أكلتك الذئاب“.

أما أحمد 21 سنة فقال “أنا مؤمن حتى النخاع بهذا المبدأ، وهو متفش بصفة كبيرة فيه ونراه كل يوم في حياتنا اليومية، ففي إحدى المرات وليس ببعيد أذكر أني اتفقت مع صديقي بالذهاب في رحلة إلى مدينة وهران، لكنه تخلف عن الموعد ولم ينذرني بذلك حتى أنه لم يشرح لي سبب ذلك، فغضبت وعاهدت نفسي بالثأر من ذلك، ومرت الأيام وجاء اليوم المنتظرٍ، حيث أعدت له نفس الموقف الذي أوقعني فيه، وعندما سألني عن سبب ذلك، أجبته “العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم“.

هو كلام استعمل في غير محله من شباب تائه غلبت عليه سمة الاندفاع والتسرع، غافل، مقترف لإثم عظيم نهايته التهلكة لا محالة، تترتب عنه مشاكل وتصدعات من هنا وهناك، وقد تصل إلى حد الطلاق بين الزوجين بفعل مشادات كلامية، وكريم 28 سنة خير مثال على ذلك، حيث يرى أن علاقته مع زوجته تقوم على ذلك، وهو شائع بكثرة وعلى إثر ذلك زواجه أصبح على المحك، ويضيف قائلا “أنا أعترف أننا على خطأ، لكن الأمر خرج عن سيطرتنا نحن الاثنين وأصبحنا في صدام دائم“.

السيد سعيد سيلم إمام مسجد ببومرداس “الدين معاملة

ولأن هذا المبدأ مرتبط مباشرة بتعاليم ديننا الحنيف، قررنا التقرب من السيد “سعيد سيلم” وهو إمام بمسجد في بومرداس، يرى أن هناك نوعين من المعاملة بالعدل وبالحلم، والمعاملة بالعدل هي جزاء السيئة بالسيئة والحسنة بالحسنة مثلها، فإذا عامل المسلم أخاه المسلم بالعدل فلا حرج في ذلك، وذلك في قوله تعالى “وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” الآية 45 من سورة المائدة، لكن من الأفضل للمسلم أن يترفع عن ذلك في قوله تعالى “وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما” الآية 63 من سورة الفرقان، فالإسلام جاء لإحياء التسامح والمودة بين الناس.

التسامح أساس العلاقات الاجتماعية

نظرا لما آل إليه حال مجتمعنا اليوم من انحلال في الأخلاق، وقطع أواصر التواصل وانتهاك لصلة الرحم، ينذر بانحلال اجتماعي وتفكك في العلاقات، اضطررنا لدق ناقوس الخطر وطرقنا بذلك باب العارفين بعلم الاجتماع، وذلك لمناقشة مدى تأثير تطبيق مبدأ العين بالعين والسن بالسن على المجتمع.

يقول موسى كاف وهو أستاذ في علم الاجتماع في جامعة تيزي وزو أن مبدأ العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم، مبدأ متعامل به في العلاقات الاجتماعية عندنا، لاحظنا انتشاره السريع في الآونة الأخيرة، ويترتب عنه انحلال في الأخلاق والتربية، حيث تنعدم الأسس والقواعد التي يرتكز عليها المجتمع، و صبح القيم الدينية والثقافية في خبر كان، كالتسامح والثقة والاحترام والمودة بين الناس، ليحل محلها الثأر والانتقام والعدوانية، ولنجدهم في غالب الأحيان يتنافسون في أمور سلبية وليست إيجابية، لندخل في الأخير في التفكك الاجتماعي الذي نحن في غنى عنه.

في حين يقول سعودي إلياس وهو محلل اجتماعي أن هذا المبدأ قيل في إطار معين، والقصد منه مقابلة الخير بالخير والشر بالشر لأمور اضطرارية، و هذا لا يعني رد الظلم بالظلم، كما أن إطار تطبيقه ليس حاليا، لأنه لما يطبق في حياتنا اليومية، تحطم العلاقات الاجتماعية ويسود الأذى بين الناس، في حين أن هذا المبدأ جاء لتصحيح المعاملات بين الناس والتفاعلات، والأصل فيه مثلا ليس لقطع صلة الرحم، بل وصلها وذلك بأخذ المبادئ التي تبنى على التسامح والتراحم وتطبيقها في المجتمع.

مقالات ذات صلة