الرأي

الثروة الأخرى التي نملك

محمد سليم قلالة
  • 2994
  • 0

نبَّهني أحد الأصدقاء المهتمين بمرحلة ما بعد البترول والغاز، إلى أن المعادن الثمينة والنادرة ستحل محل البترول والغاز في العقود المقبلة وربما في أقل من 10 سنوات من الآن، بل إنها ستعيد رسم جيوإستراتيجية العالم وتطيح بدول ومناطق بأكملها وترفع من الأهمية الجيواستراتيجة لأخرى. وأشار عليّ في هذا الصدد بمقال صدر منذ أيام قليلة يحمل العنوان التالي: “إمدادات النحاس منخفضة بشكل خطير ويمكن أن تغطي فقط أقل من 5 أيام من الطلب العالمي” (انظر موقع Market Insider)  لأتبيّن كم هي الحاجة ماسة اليوم للمعادن وخاصة لبعض منها كالنحاس الذي -على خلاف ما نظن- لا يكفي ما هو متوفر منه حاليا في السوق أزيد من 5 أيام! وقس على ذلك بقية المواد  الإستراتيجية التي يزيد عددها عن العشرين (الألمنيوم، النيكل، الزنك، المنغنيس، الليثيوم، الكوبالت… الخ).

وحتى وإن كان هذا البعد حاضرا لدى مختصينا، فإنّ علينا الإشارة إليه في أكثر من موقع لأجل صناعة وعي إستراتيجي متكامل بهذا الشأن. لا يكفي أن نهتم بما على وجه الأرض من ثروات فلاحية لإنتاج الحبوب وتوفير الغذاء، وهي معركتنا الأولى الآن، بل علينا أن نخوض إلى جانبها معركة أخرى لا تقلّ أهمية لها علاقة بما تحت الأرض خارج المحروقات. وهذا  لا يعني أبدا الدعوة إلى الاتكال مرة أخرى على ما تختزنه أرضُنا الطيبة من خيرات، كما فعلنا مع البترول والغاز، وأن نغط في نوم عميق ثانية لا يزيدنا سوى تبعية وتخلف، إنما أن نُدرك مسألة جوهرية تتعلق بهذا النوع من الثروات الباطنية، وضرورة الاستعداد من الآن لمعركة التنافس والصراع من أجل الحصول عليها.

وعلينا منذ البداية أن نعلم إن هذه المعركة تتطلب تكنولوجيا عالية (لاستخلاص المعادن الثمينة)، أكثر مما كانت ومازالت تتطلبه المحروقات أو المنتجات الفلاحية، أي تستدعي استخداما مكثفا للمعرفة وكوادر مؤهَّلة للقيام بذلك، فضلا عن توفير شبكة صناعية لأجل الاستفادة منها وعدم الوقوع في ضرورة تصديرها خاما كما اختزنتها أرضنا، فيحل بها أكثر مما حل بالبترول من هدر وتبديد، ولن تلعب الدورَ المطلوب منها في تحقيق القفزة التنموية المُنتظَرة.
ويبدو أن الدول الصناعية اليوم ستتكالب على ما بقي من هذه الثروات خارج أراضيها، أكثر مما فعلت مع المحروقات والذهب والمعادن التقليدية الأخرى. وإذا علمنا أن الصين تتقدّم دولَ العالم في هذا المجال بما جمعت من ثروة باطنية وتكنولوجية مؤهلة للاستفادة من ثرواتها المعدنية، وأن روسيا اليوم على نفس النهج، وباقي الدول الصاعدة، نُدرِك أننا سنكون أول المستهدَفين إذا لم نستبق الأمر بسياسات عامة ملائمة تضع ضمن أولوياتها تحسين التكوين وتطوير البحث العلمي في هذا المجال، وقبل هذا وذاك إيجاد المناخ الملائم للكفاءات الحالية حتى لا تهجر الوطن وتتحول إلى أدمغة في خدمة كبرى الشركات العالمية، كما  حدث ويحدث في قطاعات كثيرة كالمعلوماتية أو الجراحة أو الطب وغيرها من الاختصاصات المطلوبة في الغرب.
بمعنى آخر، علينا منذ الآن الاستعداد لما هو قادم من تحول في مجال جيو إستراتيجية المعادن، وأن نعلم أن طبيعة بلادنا الشاسعة بقدر ما يمكنها منحنا فرصا للتقدم، بقدر ما تجعلنا عرضة لتهديدات وضغوط خارجية قد لا نقوى عليها.

مقالات ذات صلة