الرأي

الثلة من العرب باقية وتنكمش

حبيب راشدين
  • 4550
  • 8
ح. م

من قال إن القمم العربية ليست سوى مضيعة للوقت، وهدر للمال فيما هي ـ بعد النظر والتدقيق ـ أفضل وأصدق عرض حال عن أحوال العالم العربي من أي تقرير أكاديمي ذي مصداقية يُنجَز تحت رقابة الصفوة من علماء السياسة والاجتماع، لا يحتاج معه المواطن العربي إلى فقه سياسي غزير ليحيط حتى قبل صدور البيان الختامي بصورة آنية صادقة ذات بيان.

الصورة الآنية لآخر “قمة” على ضفاف الأطلسي بنواقشط هي أكثر الصُّور صدقا لعالم عربي يلفظ أنفاسه الأخيرة، داخل هيكل مهترئ اسمه جامعة الدول العربية، قمة “نجحت” بعد جهد في جمع ثلث تعداد زعماء العرب (مع احتساب رئيس الدولة المضيفة)، وكانت الصورة قد بدأت تتشكل منذ اللحظة التي “اعتذر” فيها سلطان المغرب عن استضافة أصحاب الجلالة، والسموّ، والفخامة، ليجنِّب بلده إهانة احتضان “قمة” يقاطعها ثلثا الزعماء، ولولا كرم رئيس جزر القمر لما كان اكتمل نصاب الثلث.

بعض الغائبين لهم أعذارهم، بدءا بالدولة التي ليس لها رئيسٌ مثل لبنان، أو التي لم تعُد دولة أصلا مثل ليبيا، ثم لا لوم على سورية “المغيّبة” منذ خمس سنوات، أو العراق الذي يخيط ثلاث رايات من رتق علم العراق ما بعد الغزو، وخادم الحرمين المهموم بتأمين موسم الحج القادم من نسخة حديثة لغزوة القرامطة الجدد، ثم لا لوم على سلطان قد وجّه جهده لاستعادة مقعده الشاغر بقمم الأشقاء الأفارقة، ومع كثير من الجهد قد نلتمس الأعذار للبقيَّة، حتى للسيسي الذي أهين من قبل بغياب رئيس القمة ما قبل قمة القاهرة. 

عزاؤنا الوحيد أن هذا الاعتذار الجماعي يكون قد أعفى أشقاءنا الموريتانيين من بعض نفقات الإقامة، وأراح أجهزة الأمن، وسمحت للرئيس الموريتاني أن يكون “نجما” ولو خلال الساعات القليلة التي خُصِّصت للقمة، وجنَّبته مؤونة تذليل الخلافات التقليدية بين الزعماء، ويكون على الأقل قد أخرج من النقاش أخطر الملفات التي تمزِّق العالم العربي، وأعفى الجامعة من مسؤولية صياغة موقف ذي مصداقية من العدوان الغربي الذي يُحضَّر مجددا للشقيقة ليبيا، أو من هذا التحالف الأمريكي الروسي الذي يضع اللمسات الأخيرة لتقسيم سورية، وتثبيت التقسيم في العراق.

ولأن “القمة” قد نُفيت إلى رمال موريتانيا، بعيدا عن بؤر النار في المشرق، وعن البؤرة الأم في فلسطين المحتلة، فإن الثلث الحاضر لم يكن ليخسر الكثير بوضع الملف الفلسطيني على رأس البيان الختامي حتى مع غياب المعني بالأمر رئيس السلطة، ولا بتجديد التزام العرب بإحياء مفاوضات السلام على رميم مبادرة فرنسية وُلدت ميتة، قد أعادها للدرج الرئيس الفرنسي عند أول إشارة من نتانياهو.

قد لا تكون هذه آخر قمة، لأن العرب لا يمتلكون قرار تعطيل القمم، ولا قرار حل الجامعة، الذي يبقى بيد الطرف الذي صنع هذا الكيان الهجين بعد انتهاء الوظيفة، لكنها حتما آخر قمة يتحقق لها نصابُ الثلث، قبل أن تحال على التقاعد بجزر القمر، أو يبعثها انضمام أحد الكيانين المشتركين اليوم في شعار “باقية وتتمدد من البحر إلى البحر”.

مقالات ذات صلة