الرأي

الثورة الوطنية الجزائرية والمسألة اللغوية

جمال لعبيدي
  • 41
  • 0

لاحظنا في مقال سابق أن الازدواجية اللغوية كانت – في نهاية المطاف – انعكاساً لازدواجية عامة، اقتصادية واجتماعية. فقد أنتجها الاستعمار عبر إحداث قطاعين في البلد المستعمَر: قطاع حديث يستعمل لغة المستعمر، وقطاع تقليدي مُهْمَل يصارع فيه الساكن الأصليون من أجل البقاء. وبما أن هذه الازدواجية هيكلية، فإنها كانت تميل بطبيعتها إلى إعادة إنتاج نفسها.
ويترتب على ذلك أنه في جزائر ما بعد الاستعمار، تمثلت المهمة الأولى لقادة الاستقلال في رتق هذا الجرح المفتوح وإزالته، و القضى على هذه الازدواجية والهوة الناتجة عنها بين جزئي المجتمع عبر تقسيمه إلى قطاعين اجتماعين واقتصاديين ومن ثم لغويين وثقافيين.
لقد كان قوميو الأول من نوفمبر 1954 ثوريين، بمعنى أنهم قطعوا الصلة مع الإصلاحية التي تجلت أولاً في النزعة الاندماجية، والتي سعت لاحقاً إلى تهيئة الانتقال من الاستعمار نحو استقلال نسبي كالذي عرفته العديد من البلدان الأفريقية.
ولكن فيما يخص المسألة اللغوية، حدث وكأن الإصلاحية قد عادت في شبه سرية إلى سدة القيادة، ليس فقط لأن تفعيلها جرى بواسِطَة نخب شديدة الفراكوفونية، بل خصوصاً لأن التأثير الفرنسي الأعمق والأكثر نعومة كان تأثيراً ثقافياً. لم يكن الأمر كذلك في بلدان أخرى مثل فيتنام التي أجرت منذ الاستقلال قطيعةً جذرية مع هذا التأثير. بل إن “هوشي منه” رفض حتى مرحلة الانتقال التي كان يطالب بها العديد من المثقفين الفيتناميين الفرنكوفونيين اللامعين الذين لعبوا دوراً بارزاً في الكفاح المسلح من أجل الاستقلال، وأصر بدلاً من ذلك على تعميم التعليم العالي فوراً باللغة الفيتنامية، بل وحتى تعميم الطب باللغة الوطنية.
إن المشكلة الكبرى للثورة الوطنية الجزائرية هي أنها لم تذهب بعد حتى النهاية في تحقيق أهدافها كما حلم آباؤها المؤسسون. فمن المرجح جداً أنهم، في نشوة النصر، قد استخفوا بعمق البصمة التي تركها الاستعمار الفرنسي على الجزائر في كافة المجالات. لقد حدد قادة الثورة بوضوح تام في بيان أول نوفمبر المكونات الهويتية للأمة الجزائرية: اللغة العربية والإسلام، بالتزامن مع إعلان قيام دولة اجتماعية.
ثم بقيت الثورة الجزائرية في مسألة اللغة كمؤشرً جوهريً، مترددة بين بابين، وبين كرسيين: بين ناطقين بالعربية وناطقين بالفرنسية، وبين حلم ثنائية لغوية فرنسية – عربية للبعض (شبيهة بتلك التي كانت قائمة في “الثانويات الفرنسية الإسلامية” الشهيرة خلال عهد الاستعمار)، أو نوع من الازدواجية القومية الثقافية، وبين طموح البعض الآخر في الاعتراف الحصري باللغات الوطنية وإن مع تردد طويل بشأن الأمازيغية.

الجزائر تصبح أول بلد فرنكوفوني في العالم بعد فرنسا
في الجزائر، لم تحدث قطيعة حقيقية مع الإرث الثقافي الاستعماري ووزنه الطاغي الباهظ. ومن الخطأ القول إن الانتشار الواسع للفرنسية يعود لجهود الاستعمار؛ فلم يفعّل الاستعمار شيئاً أبداً لنشر اللغة والثقافة الفرنسيتين، إذ كان يكفيه بعض الوسطاء ولغة فرنسية بسيطة ومباشرة للتواصل ليضمن وجود واجهة جزائرية له. وعند استقلال الجزائر، كان 90% من الجزائريين أميين؛ وبالتالي فإن انتشار الفرنسية لا علاقة له بمدى فعاليتها أو فائدتها كما يعاد اليوم بناء مسارها ومكانتها في الجزائر بأثر رجعي.
وإذا كانت هناك أقلية ضئيلة جدا من الإطارات الفرنكوفونية خلال الحقبة الاستعمارية، فلم يعد الأمر كذلك بعد الاستقلال. لقد تولت السلطة بنفسها تنمية اللغة الفرنسية وتوسيع مخزون النخب الفرنكوفونية وإن كان صحيحا أنها انطلقت من نية حسنة تتمثل في تعميم التعليم والتربية التي طالب بها شعب حُرم منها طويلاً بسبب الاستعمار.
لذا، تفاقمت المشكلات وتعمقت مع مرور الوقت وبالنتيجة تبلورت وتجذرت. وفي هذه النقطة، يمكن القول إن النظام الثقافي الاستعماري أعيد إنتاجه بصورة موسعة. فإذا كان الجميع في ظل استقلال الجزائر و حماسة التحرر يبذلون جهداً للكتابة والتحدث بالعربية، فقد أصبح هناك بعد سنوات قليلة من يفتخر بالتحدث بالفرنسية. لقد تحولت الجزائر لتصبح أول بلد فرنكوفوني في العالم بعد فرنسا! وقد تم ذلك عبر استقطاب ما كان يسمى “المتعاونين” (coopérants)، حيث توافد آلاف “المتعاونين” الفرنسيين فيي قطاع التعليم وفي قطاعات أخرى طيلة العقدين الأولين من الاستقلال، لدرجة أن “المتعاون” أصبح شخصية مألوفة في المشهد الاجتماعي الجزائري.
لقد حدث الانتشار الصاروخي للغة الفرنسية في الجزائر عقب الاستقلال تحت إشراف جميع الحكومات المتعاقبة، وهي حقيقة واقعة وجلية خلال عهدي الرئيسين بن بلة وبوميديْن، رحمهما الله، وكذلك في عهد من خلفوهما. وليست هذه أقل المفارقات غرابة بين ما سنرصده؛ فالرئيسان الأولان للجزائر المستقلة عُرفا بكونهما مدافعين شرسين عن اللغة العربية: الرئيس بن بلة بعبارته الشهيرة التي رددها مراراً: “نحن عرب، نحن عرب” في الأيام الأولى للتحرر عام 1962، والرئيس بومدين الذي حظي بهيبة المثقف الناطق بالعربية وبدعم النخبة العربية، وهو نفسه الذي عيّن الراحل مصطفى الأشراف على رأس وزارة التربية، صاحب هذه الرؤية حول الثنائية اللغوية الفرنكوفونية-العربية في الجزائر.
لقد وُجد خطاب يتغنى بالتعريب، لكن الممارسات الفعلية كانت تشهد تعميماً للغة الفرنسية في التعليم، والجامعة، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الجزائريين، وخصوصاً في إدارة البلاد وعلى أعلى مستويات السلطة. فعلى سبيل المثال، كانت وزارات السيادة تعمل بالكامل باللغة الفرنسية.
وهناك مفارقة أخرى: تصريحات نارية لصالح التعريب يقابلها سلوك مغاير تماماً. في الواقع، فإن السياسة الحقيقية هنا كما في المجالات الأخرى نعثر عليها في الوقائع والأفعال. والسياسة الفعلية – لا المعلنة ولا الأيديولوجية- تتجلى في نتائجها: نوع من الازدواجية اللغوية العرجاء وغير المُصرح بها، تقوم بتوزيع المهام، كما رأينا، بين الفرنسية والعربية، وتخلق تراتبية هرمية بينهما، وتغذي صراعات لغوية مزمنة ولا متناهية.
ومن أشد النتائج إثارة للحزنً خلق معاقين لغوياً، يتعتعون باستمرار، أو يتكلمون بلغة غريبة لا نسمعها في أي مكان آخر في العالم، وهي مزيج من لغة عربية رديئة وأخرى فرنسية أردأ. بل إن مسؤولين على أعلى المستويات – ممن يُنتظر منهم، كما في كل البلدان الأخرى، أن يكونوا مضرب المثل في اللغة السليمة- ينساقون هم أنفسهم لهذه العصيدة اللغوية أو يتكلمون بالفرنسية حتى في المناسبات البروتوكولية، بينما الدستور يحدد – فيما يبدو بلا جدوى – ما هي اللغات الوطنية والرسمية. ولكن من يبالي ويجرؤ على تذكير مسؤول سامٍ بالدستور؟ ورغم ذلك، وهي مفارقة أخرى، يُصار إلى تسليط عقاب شديد على كل شخص، وليس كافة الأشخاص، يقوم بالمساس بهوية البلاد كما يحددها الدستور. روح تفهم !

الثورات الثقافية
في تلك الحقبة، أي أولى عقود الاستقلال، عقود الخطاب الاشتراكي، كان من يلفتون الانتباه إلى المسألة الوطنية وبالتالي اللغوية يُنظر إليهم بشكوك؛ فلقد قيل عنهم إنهم يحرفون انتباه الناس واعتبروا في أقصى الأحوال “مضادين للثورة”. ألم يُقال إن الانقسام الحقيقي والوحيد هو صراع الطبقات بين أنصار الاشتراكية وأعدائها؟ ألم تكن المشكلات الحقيقية اقتصادية؟ وما علاقة قضية اللغات والهوية بعالم يحتاج بالعكس إلى الأممية؟
كان الخطاب حول اللغة العربية يُنظر إليه بريبة على أنه خطاب محافظين، قوميين أو دينيين، ويُنظر للخطاب عن اللغة الأمازيغية على أنه يعبر عن نزعة جهوية. ولم تنتهِ هذه المقاربة، البعيدة كل البعد عن الاحتياجات الحقيقية للثورة الوطنية، إلا بفضل الثورات الثقافية التي اندلعت أواخر السبعينيات حول التعريب في الجامعات وتلك الخاصة بالحركة الثقافية البربرية.
وليس مصادفة بالطبع أن تنفجر هذه الثورات تزامناً مع وفاة الرئيس بومدين وتؤذن بحدوث انعطاف كبير. فعند وفاته، كان الوجع الجماعي للأمة عظيما. ولكن إذا ملأ أمثال هؤلاء الرجال مسرح التاريخ، فذلك لكون الشعب لم يحتله بعد. وإذا بدت وفاته كمنعطف تاريخي، فبالضبط لأن هذا المنعطف لم يُؤخذ في حياته. كان الواقع يذكر بأن القضية الملحة لم تكن الاشتراكية بل القضية الوطنية: قضية مواصلة الثورة الوطنية واستكمالها. كان الواقع بنفسه يبين أن التناقضات الاجتماعية يمكن أن تتكثف في لحظة ما، لا في تناقضات اقتصادية بحتة كما يطالب بعض أشباه المنظرين، بل في تناقضات ثقافية وتتجلى من خلالها.
فالصراع اللغوي والثقافي لم يكن “مشكلة وهمية” بل كان هو الجدلية الاجتماعية الحقيقية، وحقيقة ملموسة لا تعبأ بالتحليلات المجردة. وسيتعين انتظار نصف قرن لكي تترسخ هذه الرؤية التي تعترف حقاً بالهويات الوطنية كقوى للتنمية والتقدم، ولتتشرب بها رؤية عالم متعدد الأقطاب، متساوي الأمم، وقائم على الديمقراطية الدولية. لكن هذا موضوع آخر.

الإصلاحيون والثوريون
مثلما حدث في قضية النضال ضد الاستعمار، ومثلما جرى في المسألة الوطنية، ظهر عبر الزمن تياران واتجاهان واضحان جلياً بخصوص المسألة اللغوية:
التيار الإصلاحي المدفوع بإرادة إدارة وهندسة النزاع الإقليمي بين اللغة الفرنسية واللغات الوطنية، لا سيما اللغة العربية في الجزائر.
التيار الوطني، بل القومي بإرادة حسم المسألة عبر ما اصطلح عليه – بشكل غير دقيق – “التعريب”. هل يمكن تعريب العربي , فمصطلح المعرب مشبوه لأنه يوحي ان العربية ليست لغة الجزائريين.
كان التيار الإصلاحي يريد تنظيم الصراع عبر تحديد مناطق للفرنسية وأخرى للعربية. تلك في الواقع هي السياسة الرسمية غير المعلنة منذ الاستقلال: للغة الفرنسية تعود العلوم والتكنولوجيا وفي مقدمتها الطب، وكذلك عالم الأعمال، وقضايا التنمية، والإدارة العليا؛ وللغة العربية تعود العلوم الاجتماعية، والأنشطة الثقافية، والقانون، وباختصار كل الأنشطة التي يتعذر إدارتها بالفرنسية لأسباب بديهية تتعلق بعدم التجانس. وقد نتج عن ذلك ازدواجية تطورت لتصبح ثنائية محضة، ومن ثم أزمات لغوية مزمنة. لقد جرى في الواقع إعادة إنتاج الانقسام الاستعماري الأصلي من خلال الدور الممنوح للغة الفرنسية: قطاع حديث يعمل بالفرنسية، وقطاع متخلف يعمل بالعربية.
واستمر ذلك النهج في منح اللغة الفرنسية هنا وهناك منزلة الحصرية واحتكار الحداثة. فما زال مصطلح “المعَرَّب” متداولاً في الجزائر المستقلة، وهو خير دليل على مخلفات الاستعمار. ثم يتعجبون بعد ذلك لماذا لا يكون “المعَرَّب” أو الناطق بالعربية حديثاً، ولماذا يظهر بمظهر عدم الفعالية إلى درجة عصية على الإصلاح، وبأنه مجرد “بدوي” كما يصفه بعض الفرنكوفونيون باحتقار، في مجالات النشاط والمعرفة التي خُصِّصت له: شاعرا، صانع عبارات، متعصباً دينياً، بل وحتى متطرفاً! هكذا يتحول الأثر إلى علة، ليصبح أثر هذه السياسة في حد ذاته مبرراً أيديولوجياً وحجة لاستمرارها. فالازدواجية اللغوية تغذي ازدواجية عامة في كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتخلق شعوراً عميقاً بالاستياء الكامن على الصعيد الثقافي.
أما التيار القومي الثوري، فهو على غرار موقفه الجذري ضد الهيمنة الأجنبية، يتبنى الموقف ذاته تجاه هيمنة اللغة الفرنسية. فهو يسعى إلى ردّ الاعتبار للغات الوطنية بالكامل في وظائفها الاجتماعية، وإزالة الفجوة القائمة بين النخب الحديثة والجماهير، ودمج الروح العقلانية والعلمية والحداثة في صميم المجتمع العميق، باختصار، التغلب على العائق الرئيسي في البلدان الواقعة تحت الهيمنة أمام تنمية ثقافية وعلمية جماهيرية ألا وهو عائق ازدواجية اللغة، تماماً مثل ازدواجية الاقتصاد والمجتمع.لكي لا تقتصر التنمية الثقافية على نخب ضيقة.

علماء اندماجيون وفرنكوفونيون وطنيون
ينبغي أن نحذر من عدم إضفاء جوهر مطلق على اللغات (سواء العربية أو الفرنسية) واعتبارها محدداً مطلقا، بحيث يُفترض أن الفرنكوفوني موال لفرنسا حتما، وأن الناطق بالعربية قومي ضيق الأفق، “بعثي” أو حتى إسلامي. واحدة من الطرق للتحذير من جوهرة اللغات هي التذكير بأن العديد من قادة الثورة الوطنية كانوا فرنكوفونيين، بينما كان آخرون ناطقين بالعربية ومدافعين عنها قد تبنوا في مرحلة ما نزعات اندماجية. وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين مستهدفة خصوصاً في هذا السياق من قِبل المعسكر الفرنكوفوني. صحيح أنها تبنت في مرحلة ما مواقف سياسية اندماجية، لكن الموضوعية تقتضي الإقرار بأنها كانت القوة الأساسية للوطنية الثقافية، وهو ما يفسر ضخامة حجم جمهورها ومصداقيتها التاريخية حتى اليوم.
أما فيما يتعلق بالنزعة الاندماجية، فإن أولئك الذين يلومون بها جمعية العلماء وحدها بغرابة، يتغاضون عن حقيقة أنها كانت تيّاراً موجوداً في الأحزاب الجزائرية، لاسيما حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري (UDMA) بزعامة فرحات عباس (رئيس الحكومة المؤقتة الأولى)، والحزب الشيوعي الجزائري (PCA). والحزب الوحيد الذي لا يصح توجيه هذا المطعن إليه هو حزب الشعب الجزائري، – حركة انتصار الحريات الديمقراطية (PPA-MTLD)، وذلك هو السبب البديهي لتصدره الحركة الاستقلالية عبر جبهة التحرير الوطني (FLN).
ولأجل الأمانة التاريخية، يجدر بنا التذكير بأنه لا ينبغي فقط ذكر الوطنيين الفرنكوفونيين، بل يجب أيضاً ذكر كل أولئك الفرنكوفونيين الذين كانوا موالين لفرنسا أو كانوا شديدي التحفظ في مناهضتهم للاستعمار. ومن جهة أخرى، فإن من يسلطون الضوء على حقيقة أن قادة كباراً في الثورة الجزائرية كانوا فرنكوفونيين، ينسون بغرابة بالغة أن هؤلاء القادة أنفسهم اتخذوا مواقف واضحة وحاسمة بشأن ثوابت الشخصية الوطنية الجزائرية (اللغة العربية والإسلام) كما أشرنا سابقاً. وإذا كانوا معجبين بهم إلى هذا الحد، فلماذا لا يفعلون مثلهم؟!
كل هذا لا يثبت سوى حقيقة واحدة: إن الموقف المتخذ من المسألة الوطنية واللغوية – لا اللغة التي يُعبر بها عنه – هو الجوهر. فهناك كتاب وأكاديميون وإعلاميون ناطقون بالعربية يُعرفون بقربهم أو انتمائهم للجبهة الحالية المدافعة عن ديمومة الفرنسية في الجزائر، كما توجد بالمقابل نخب ومثقفون فرنكوفونيون يدافعون عن اللغة العربية. فهل هذه إلا استثناءات تؤكد القاعدة، قاعدة التفوق الحتمي للانتماءات والتوجهات التي تفرضها اللغة والثقافة التي يحملها الإنسان؟ أم أنه الدليل على أن الانقسام ليس لغوياً فحسب؟
مما لا شك فيه أن هناك تطابقاً بين اللغة والانتماءات الثقافية والأيديولوجية، والموقع من المسألة اللغوية؛ وهذا ما ينبغي أن يدفعنا إلى عدم السماح لهذه الانقسامات بالتفاقم. نحن أمام مجموعات اجتماعية لا مجرد أفراد. خذ مثلاً السجال الذي اندلع مؤخراً حول العربية والفرنسية وتوسيع مكانة الإنجليزية، إذ يمكن التكهن سلفاً عبر شبكات التواصل الاجتماعي -حسب اللغة المستعملة – بموقف المتحدث في هذا السجال. فالشرخ خطير، وعلى من يتولون أمر الجزائر أن يكونوا في غاية اليقظة إزاءه.
إذن، الحتمية اللغوية قائمة، حتى وإن لم تكن مطلقة بالطبع وينبغي إضفاء النسبية عليها. فبإمكان الأفراد اتخاذ مواقف مغايرة لمجموعاتهم الاجتماعية أو الثقافية، إذ قد تتدخل عوامل أخرى كالوعي الوطني، وروح العدالة التي كانت بالتأكيد حادة لدى الآباء المؤسسين والقادة الكبار للثورة بغض النظر عن اللغات التي عبروا بها عنهما.
أليست أفضل طريقة لتوحيد الضمائر والأشخاص، ولتحريرنا من أثقال سوء التفاهم، ووضع حد للانقسامات ولهذا الانفصال اللغوي الذي لا يعدو أن يكون من مخلفات الاستعمار، وإغلاق باب الحواجز اللغوية التي تفصل أبناء الأرض الواحدة، وإنهاء خصومات عقيمة بقدر ما هي خطيرة.. أليست هي تعميم استخدام اللغات الوطنية لكي يتمكن الجميع أخيراً من فهم بعضهم البعض، والانصراف إلى مهام أكثر إلهاماً؟ إن الحياة الاجتماعية قاسية ومعقدة بالدرجة التي تغنينا عن إضافة صراعات لغوية بداخل الأمة الواحدة.

مقالات ذات صلة