الشروق العربي

“الثورة” لن تنقرض !

جمال لعلامي
  • 1717
  • 0

الكثير من المآسي والأحزان والذكريات، التي عاشها الجزائريون، في أوقات عصيبة سابقة، تعود مع عودة أكتوبر، ليهوّن منها الفاتح نوفمبر بثورته التحريرية الكبرى، التي أخرجت وحرّرت الجزائريين من ظلمات الاستعمار والاستحمار الغاشم.

أحداث أو “ثورة” 5 أكتوبر، كانت في أكتوبر، ووفاة “أب الديمقراطية” الرئيس الشاذلي بن جديد كان أيضا في أكتوبر، ومشاركة الجيش الجزائري في الحرب العربية الإسرائيلية لعام 73 كانت في أكتوبر، وهذه ثلاثة أحداث، توقظ الضمائر وتحيي الذكريات، بحلوها ومرّها.

هذه الذكريات، تأتي بعدها مباشرة، ذكرى ثورة نوفمبر الخالدة، التي كانت ومازالت نموذجا يعود إليه السابقون واللاحقون كلما سحبوا ملف الثورات القديمة والحديثة، مستشهدين ببطولات لا تموت ولا تسقط بالتقادم، صنعها مليون ونصف مليون من الشهداء الأبرار من أجل شعب الأحرار.

كجزائريين، ونحن في الذكرى الـ 60 لتفجير الثروة التحريرية، هل استفدنا؟ هل صحّحنا الأخطاء؟ هل استفدنا من الدروس؟ هل كافأنا الذين يستحقون جزاء وشكورا؟..بماذا استفادت الأسرة الثورية؟ هل أخذت حقها أم منها من تعرّض للظلم والنسيان؟، ماذا أعطى “جيل الاستقلال” لـ “جيل الثورة”؟..هل هناك استمرارية وتواصل بين الجيلين أم خصومة وخلاف والعياذ بالله؟

وزير الخارجية الفرنسي الأسبق، بيرنار كوشنير، اعتقد ذات يوم واهما، أن تحسّن العلاقات بين الجزائر وفرنسا، مرهون بـ “انقراض” جيل الثورة، لكنه سرعان ما فطن وتفطـّن، بمجرّد أن تيقـّن بأن جيل الاستقلال هو استمرار جيني وامتداد تاريخي لجيل الثورة !

لقد أدرك خلفاء بيجار وأوساريس وديغول، بأن الشباب الجزائري كلهم العربي بن مهيدي وديدوش مراد ومصطفى بن بولعيد وعلي لابوانت وحسيبة بن بوعلي وهواري بومدين، وقبلهم الشيخ بوعمامة والأمير عبد القادر، ولذلك راجع “السفاحون الجُدد” حساباتهم ورتـّبوا أوراقهم وفق القاعدة التجارية “رابح رابح” وإلاّ “خاسر خاسر” !

لقد “خسرت” الجزائر الآلاف من الشهداء خلال الثورة المباركة، وخلال سنوات الاستيطان والاحتلال الغاشم، لكن الجزائريين لم يسحبوا شهداءهم أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، ولذلك، استمرت صفعة “7 سنين بركات” في وجه “فافا” ومن ولاها من الحركى الذين تخلدهم وتمجدهم بقانون ادعى زورا وبهتانا بأنه كان للمستعمر الفرنسي “دور إيجابي” في الجزائر !

هذه “الخسارة” قابلها انتصار مبين من عند الله المعين، فقد كان 5 جويلية 1962، آخر حلقة لثورة الفاتح نوفمبر 1954، ومن هناك فجّر الجزائريون “ثورات” جديدة على مدار 53 سنة كاملة، كانت لإعادة بناء الدولة، ولتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلمي.

ليس مخطئا من يقول بأن الثورة في الجزائر، لم تتوقف أبدا، فنيل الاستقلال، كان في الحقيقة بداية لثورات داخلية، بسواعد الجزائريين، حيث انتقلوا من الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر، من أجل البناء والتشييد والتعمير وردّ الاعتبار، وكانت “ثورة” 5 أكتوبر، وبعدها مباشرة “ثورة” الديمقراطية والتعددية السياسية والإعلامية، بداية موفقة لكسب المزيد من الانتصارات.

لقد واصل الجزائريون ثوراتهم، وفق التطورات والأحداث التي عرفتها البلاد خلال مختلف مراحل الاستقلال واسترجاع الحرية والسيادة، فكانت “ثورة” ضد الإرهاب الهمجي بداية التسعينيات، و”ثورة” ضد الخوف والترهيب، و”ثورة” ضد استهداف استقرار وأمن الدولة، و”ثورة” ضد التدخل الأجنبي في شؤوننا الداخلية، و”ثورة” ضد املاءات وضغوط خارجية، و”ثورة” لتكريس مسعى السلم والمصالحة الوطنية وطي ملف “المأساة الوطنية”.

بسبب كلّ هذه المستجدات و”الثورات” الأليمة والمحزنة والبطولية، للجزائريين قصص طويلة مع أكتوبر ونوفمبر، يتألمون ويسعدون في نفس الوقت لعودتهما، لأنهما شهرين فيهما ما “يجرح ويداوي”، وفيهما تلك المرآة التي نرى فيها أنفسنا وأخطائنا وخطايانا، وأيضا تحقيقاتنا ومكاسبنا التي تستحقّ كلّ التشجيع والاحترام والتقدير.


بعيدا عن النرجسية والسفسطائية، ومنطق “حوحو يشكر روحو”، وبعيدا أيضا عن الأنانية القاتلة، نستذكر جميعا ونتذكـّر، بجوارحنا وعقولنا وقلوبنا وعواطفنا وأحاسيسنا، وبحكمتنا وتبصّرنا وبصيرتنا، أفراح وأقراح أكتوبر ونوفمبر، وهذا لا يعني أن ليس لبقية الشهور شواهد وشهادات تستحق التوقف والتحليل والتبجيل، وإنما كلّ ما في الأمر، أن لكلّ حادث حديث ولكلّ مقام مقال، ولكلّ شهر ذكرى وعبرة وأبطال.

مقالات ذات صلة
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!