الرأي

الجار المريض 

لِجار السوء، دواء، إما بالغلق أو القطع أو نسيان وجوده أصلا، لكن أن يكون مريضا نفسيا، معجونة حالته بعُقدٍ مزمنة ميئوس الشفاء منها، فذاك هو الخطر الذي يستوجب يقظة من الجميع، مع التأكيد على أن خطورته لا تكمن في ذكائه وإمكاناته وقوته، وإنما في حقارته التي تجعله قادرا على أن يبيع كرامته بأبخس الأثمان وأحيانا من دون ثمن لأحقر الأمم وأشدّها عداوة للذين آمنوا.

كمية الأحقاد التي يطلّ بها نفرٌ من البلد الجار، وردود الكراهية التي يسايرهم فيها نفرٌ آخر من نفس البلد الجار، خلف شاشات الكومبيوتر أو الهاتف المحمول، لم نشاهده لا في الحروب الكلاسيكية القديمة التي عمّرت عشرات السنوات، ولا في الحربين الباردتين بين الشرق والغرب قديما وحديثا.

وإذا كانت اليد الصهيونية واضحة للعيان في هذه المعركة القذرة، كقائدة للعملية من خلال محاولة التشكيك في الآخر ومحاولة نقل الرعب إلى ميدانه، فإن بعض المحسوبين على المغرب أو المخزن بالتحديد بالغوا في حقارتهم، وصار واضحا بأنهم لا يريدون السلطة في الجزائر بأزيزهم، وإنما همُّهم الوحيد هو المساس بالشعب الجزائري، بدليل تطاولهم على الرياضيين والفنّانين والأدباء وحتى على الفلاحين، وتشعر أحيانا بأنّ بعض المُنظّرين من المغاربة يعيشون “أكثر” من أربع وعشرين ساعة في اليوم، وعيونهم شاخصة للقنوات التلفزيونية وشاشات الإنترنت، وعقولهم منشغلة بكل جزائري وجزائرية حتى ولو كان شابا يرتشف قهوته صباحا، أو عاملا في البلدية يجمع القمامة ليلا، في أغرب مرض نفسي يمكن أن يصيب إنسانًا في العالم.

المريض المعقّد يقنع نفسه بأنه في حالة صحية سليمة، فهو يتحدث عن المغرب وكأنها المدينة الفاضلة التي لا يُظلم فيها أحد، ويتحدث عن الجزائر وكأنها أرض المعذَّبين في الأرض، ويصر على أن يكذب ويتحرى الكذب، حتى يصدِّقه الناس كما قال أحد النازيين، وبدلا من أن يقدِّم لبلده أو للمخزن خدمة، فإنه يدقُّ مزيدا من المسامير في نعوشهم، وبدلا من أن يُحبط معنويات الجزائريين، فإنه يسلّيهم بجهله ويكشف لهم حقيقة كانوا يرفضون تصديقها، عن درجة الحقد التي يكنُّها هؤلاء للجزائر، التي لا يمكن أن نجد لها تفسيرا غير عقدة قديمة تحولت مع مرور الوقت إلى وباء وجائحة، قد لا يكون لها لا دواءٌ ولا تطعيم.

من القفطان إلى الشربة إلى ألعاب البحر الأبيض المتوسط إلى وهران إلى البكالوريا إلى مجمَّع “الشروق”، وفي كل مناحي الحياة الجزائرية بين تقليدي وعصري، يصطفّ أفراد من هذه الطائفة المغربية الغريبة، يبلعون أشرطة “كاسيت”، ويخوضون في كل شيء، وكأنهم “طلاؤون”، يحملون لونين من الطلاء، فيضعون الأبيض على المغرب، والأسود على الجزائر، وهم لا يعلمون -وربما يعلمون- بأنهم بصدد تغريب المغرب آلاف السنين بعيدا عن بلد جار، صفح عن الزلات الكبرى التي ارتكبها ومازال نظامه واستقبل عشرات الآلاف من المغاربة على أرضه، ليتنفسوا من العز ومن الكرامة التي افتقدوها في بلاد “أمير المؤمنين”.

مقالات ذات صلة