الرأي

الجامعة بين التعريب والفرانكوفونية والانفتاح على الإنجليزية

بقلم: عمر العربي
  • 1564
  • 0

في السنوات الأخيرة، أصبح التحوّل اللغوي في مؤسسات التعليم العالي مسألة إستراتيجية تتجاوز كون اللغة مجرّد وسيلة للتلقين، لتصل إلى محور يرتبط بهوية الجامعة وجودة التعليم والانخراط في المحيط الأكاديمي الدولي. تواجه الجامعة الجزائرية مفترق طرق لغويّا يتداخل فيه التعريب والفرانكوفونية مع الانفتاح المتزايد على اللغة الإنجليزية، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل حول ضرورة تبنِّي الإنجليزية لغة أساسية في المسارات العلمية والبحثية لضمان الربط مع الشبكة العلمية العالمية ورفع كفاءة التكوين العلمي للطلبة.

يتشكّل واقع اللغة في الجامعة الجزائرية من خلال عدة مستويات؛ فبينما تُستخدم اللغة العربية في غالبية التخصصات الإنسانية والاجتماعية، تواجه صعوبات في نقل المصطلحات العلمية الدقيقة. ومن جهتها، تحظى الفرنسية بمكانة قوية في العلوم الطبية والتقنية، إلا أنها تبقى محدودة الانتشار عالميًّا مقارنة بالإنجليزية التي تظهر بشكل هامشي في بعض المسارات العليا والبحث العلمي، مما يؤدي إلى حالة من الارتباك الأكاديمي تؤثر على جودة التعليم في ظل تزايد الحاجة إلى الانخراط في الفضاء العلمي الدولي.

لقد أصبحت اللغة الإنجليزية اليوم أداة رئيسية في تداول المعرفة العلمية، إذ تُنشر أغلب الأبحاث المحكمة والمقالات الأكاديمية بها، وتُعتمد في كبريات المؤتمرات والمجلات والدوريات العالمية. وهي اللغة الرسمية للتواصل داخل الجامعات الرائدة والتكوين في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والطب، والهندسة، والاقتصاد العالمي. لذلك، فإن اعتمادها لغةً أساسية في التعليم العالي لم يعد خيارًا، بل أصبح شرطًا أساسيًّا للالتحاق بركب المؤسسات الجامعية ذات التصنيف العالي، ولتمكين الخرّيجين من الاندماج في سوق العمل المحلي والدولي.

برهنت تجارب عدة من دول غير ناطقة أصلاً بالإنجليزية على أنه من الضروري اعتمادها لغة علم؛ فقد اعتمدت ماليزيا الإنجليزية في الجامعات التقنية والطبية، مما ساعدها على استقطاب الطلبة الأجانب وزيادة معدلات النشر العلمي الدولي. وفي هولندا، تُدرَّس أكثر من 70% من برامج التعليم العالي بالإنجليزية، الأمر الذي جعل جامعاتها من بين الأفضل عالمياً. كما أثبتت تجربة رواندا، التي انتقلت من الفرنسية إلى الإنجليزية في نظامها التربوي، صواب خيار الانفتاح على اللغة الإنجليزية.

أما بالنسبة للجزائر، فرغم ما تبديه من مؤشرات مبدئية إيجابية نحو الانفتاح على اللغة الإنجليزية -من خلال تصريحات رسمية ودعوات أكاديمية- إلا أن حضور الإنجليزية في منظومة التعليم العالي لا يزال محدودًا، سواء على مستوى البرامج التعليمية أو البنية التحتية الداعمة للتكوين بهذه اللغة. كما أن التكوين اللغوي في المرحلة الثانوية لا يزال غير كافٍ لتمكين الطلبة من مواصلة دراستهم الجامعية باللغة الإنجليزية. وعليه، فإن الجزائر لا تزال في مراحلها الأولى من هذا التحول مقارنة بدول مجاورة أو ذات ظروف لغوية وثقافية مشابهة، ما يتطلب إستراتيجية وطنية واضحة ودعماً مؤسساتياً قوياً لتسريع وتيرة هذا التحوّل.

وفي هذا السياق، برهنت تجارب عدة من دول غير ناطقة أصلا بالإنجليزية على أنه من الضروري اعتمادها لغة علم؛ فقد اعتمدت ماليزيا الإنجليزية في الجامعات التقنية والطبية، مما ساعدها على استقطاب الطلبة الأجانب وزيادة معدلات النشر العلمي الدولي. وفي هولندا، تدرّس أكثر من 70% من برامج التعليم العالي بالإنجليزية، الأمر الذي جعل جامعاتها من بين الأفضل عالميا. كما أثبتت تجربة رواندا، التي انتقلت من الفرنسية إلى الإنجليزية في نظامها التربوي، صواب خيار الانفتاح على اللغة الإنجليزية، فهي تُعزز الروابط مع المجتمع الأنجلوساكسوني ويساهم في توسيع آفاق التعاون العلمي. تثبت هذه التجارب الناجحة أن اعتماد الإنجليزية ليس ترفاً بل ضرورة إستراتيجية لمواكبة التطور العلمي والتكنولوجي.

إضافة إلى هذه التجارب العالمية، تبرز عدة أمثلة من داخل الوطن العربي أثبتت نجاحها في هذا التحول. إذ تعتبر دولة قطر مثالاً بارزاً؛ فقد قامت بإنشاء “مدينة التعليم” التي تحتضن فروعاً لجامعات أمريكية مرموقة، وهي تُدرّس جميع البرامج باللغة الإنجليزية، مما أوجد بيئة أكاديمية متعددة الثقافات وساهم في تعزيز مستوى البحث العلمي والتعاون الدولي.  كما أن الإمارات العربية المتحدة، ولاسيما في مدينتي دبي وأبو ظبي، نفذّت إستراتيجيات تعليمية أدت إلى زيادة استخدام اللغة الإنجليزية في المسارات العلمية والتقنية، مما ساهم في رفع تصنيف جامعاتها عالمياً وتعزيز التبادل الأكاديمي مع مؤسسات دولية.

على الرغم من هذه التجارب الناجحة، تواجه عملية التحوّل تحدّيات عدة، منها ضعف التكوين اللغوي للطلبة والأساتذة، وقلة المراجع والدروس المتوفرة باللغة الإنجليزية، إضافة إلى مقاومة التغيير الناتجة عن العادات والمؤسسات الراسخة. لذا يصبح من الضروري تبني إستراتيجيات مدروسة لتسريع النجاح في هذا التحوّل، وعلى رأسها إدماج تدريجي للغة الإنجليزية في المناهج الدراسية؛ إذ تبدأ الجامعات بتدريس مواد أساسية باللغة الإنجليزية في الشعب العلمية، وتصير اللغة الإنجليزية الأكاديمية مادة إلزامية منذ سنوات الدراسة الأولى. كما يستوجب إطلاق دورات تدريبية مكثّفة لتأهيل الأساتذة والطلبة لاستخدام اللغة الإنجليزية في النشر والبحث العلمي، مع العمل على ترجمة المناهج والمراجع وتطوير موارد بيداغوجية ثنائية اللغة تُساهم في تيسير انتقال العملية التعليمية إلى نمط عالمي. وإلى جانب ذلك، يعد تعزيز التعاون مع الجامعات الأنجلوساكسونية من خلال برامج التوأمة الأكاديمية والتبادل الطلابي والبحثي، وإنشاء مراكز دعم لغوي داخل الجامعات، من العوامل الحيوية لتسريع وتيرة هذا التحوُّل.

ختامًا، تقف الجامعة الجزائرية أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل هويتها الأكاديمية عبر تبنّي رؤية لغوية مستقبلية تدمج بين الهوية الوطنية والانفتاح العالمي. إن التحوّل إلى اللغة الإنجليزية في المسارات العلمية والبحثية ليس خيارًا ثانوياً بل ضرورة حتمية تُعزّز جودة التعليم وترفع مستوى التنافسية الدولية للخرّيجين، مما يفتح آفاقاً جديدة للتقدّم العلمي والبحثي على المدى الطويل.

مقالات ذات صلة