الجذور والريح
عندما تُحاصَر هوياتُ الأقليات وتُهمش وتتعرض للاغتراب في أي مكان وفي أي زمان فإنها تقوم غالبا بمقاومتين اثنتين، وأسمي الأولى بالمقاومة النكوصية التي تتمثل في العودة إلى ثقافة الذات طلبا للحماية، أو في الانكماش بداخلها وغلق كل الأبواب، وتبدو وكأنها المنقذ الأخير من التلاشي، أما الثانية فتتلخص في مجابهة الهيمنة مرَة بإنكار ورفض الغير، ومرّة أخرى في البحث عن الاعتراف ونقاط التماس واللقاء والحوار مع هوية ذلك الغير.
هذا ما كنت أراه بعيني يحدث بين أوساط جاليات المهاجرين والمهاجرات المهمّشين وخصوصا عند نخبها المثقفة والمفكِّرة. في المناخ المزدحم بشتى أشكال امتصاص وتغريب الهويات الثقافية والاجتماعية، قد انتبهت إلى أصوات أولئك المدعوين بالملوّنين التي كانت تعلو، على مستوى وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، وفي عدد معتبر من الجمعيات الثقافية والفنية، وفي مؤسسات التعليم العالي وعلى نحو خاص في الملحقات المتخصصة في تعليم الطلاب الكبار سنا، وفي فضاء فيما يدعى بالمعاهد التقنية العليا المعروفة بتوجهاتها اليسارية. كانت تلك الأصوات تنادي بضرورة إعادة النظر جذريا في برامج ومضامين التعليم والإعلام، وفي الخطاب السياسي، والتراث الثقافي برمته بما في ذلك الثقافة الشعبية الأوروبية/ الغربية المبطنة بالمواقف والتمثيلات العنصرية.
ولقد امتد هذا النقد الاثني الراديكالي إلى كشف عدم عدالة سياسات وممارسات مؤسسات العمل، وإلى تعرية انحياز البنيات الاجتماعية والاقتصادية السائدة بقصد تغييرها وجعلها ديمقراطية ونزع كل ما يخل بحقوق الانسان بما في ذلك حقوق الأقليات المهاجرة.
في هذا المناخ برز أيضا نقد مفهوم “الآخر” كما يتجلى في تراث الاستشراق الغربي، وفي الكتابات المنحازة للإنسان الأبيض التي تحفل بها المؤلفات الأدبية والتاريخية والاثنوغرافية والأنثروبولوجية وفي كتب الرحالة، وفي مختلف أشكال التعبير الأخرى مثل الفيلم، والأغنية، والمسرح.
إن هذه الأشكال التعبيرية المنحازة التي تعرضت للتحليل النقدي تعدّ أحد المصادر التي نبعت منها التصورات المشوهة لثقافات ولهويات الجاليات المقيمة في المهاجر الأوروبية/ الغربية وهي في مجموعها قد لعبت ولا تزال تلعب حتى وقتنا هذا دورا مفصليا في تغذية المواقف العنصرية، والسلوك المعادي للجاليات الأجنبية المقيمة في الفضاءات الجغرافية الأوروبية/ الغربية. في هذا السياق قد ردّت أصوات النخبة المثقفة والمفكرة المنتمية إلى شريحة جاليات المهاجرين والمهاجرات – وإلى جانبهم أصوات نخبة من مثقفي ومفكري اليسار الأوروبي/ الغربي – على هذا النمط من التمثيلات التعسفية لهذا “الآخر” الأجنبي وأكدت في كتاباتها النقدية المنشورة وفي نشاطاتها الثقافية والفكرية والفنية أن هذه التصورات المتطرفة ينبغي إدراكها في إطار الإرث الكولونيالي وفي المناخ الذي كرّس امتدادات هذا الإرث الثقيل إلى مرحلة ما بعد الاستعمار التقليدي.
في الوقت نفسه أوضحت موجة هذا النقد الاثني الجذري أن خطابات هذه التمثيلات المشوِّهة للآخر الأجنبي ينبغي فهمها بأنها قد تشكلت تاريخيا في الخطاب الثقافي والفكري والسياسي الذي أنتجته ولا تزال تنتجه الشريحة اليمينية الأوروبية/ الغربية المعادية لتعدد الثقافات والقوميات والجنسيات في المجتمع الأبيض.
مع مرور الوقت أدركتُ فعلا أن شقا راديكاليا معتبرا من المناقشات التي كانت تجري في الحلقات الدراسية، وفي الندوات الفكرية والأدبية – التي كنت أخلو إليها بشغف وغبطة جارفة كمستمع حينا وكمشارك حينا آخر، وأن السجال الفكري الخلافي الذي كان يأخذ طريقه إلى النشر على صفحات الجرائد اليومية والمجلات المتخصصة التي أدمنتُ متابعتها – قد نبهتني إلى أن مفهوم “الآخر” بالذات يكتنفه الكثير من الغموض، وأنه يحتاج فعلا إلى تدقيق وإلى تمحيص وفهم أكثر عمقا على ضوء المتغيرات الديمغرافية والهجرات القديمة والجدية من الجنوب إلى الشمال. ونظرا لأهمية مفهوم “الآخر” في تقاليد النقد الثقافي المعاصر وفي النظرية النقدية الفكرية بصفة عامة أفضل تأجيل النظر إليه وفيه كإشكالية نظرية لها أبعادٌ ثقافية وفلسفية وتحليلية نفسية مركزية إلى فرصة أخرى، وأكتفي الآن بمواصلة استعراض تفاصيل النقاش حول المشكلة التي يطرحها مفهوم الثقافة الشعبية في علاقته بالآخر الذي ليس واحدا وإنما هو متعدد بتعدد الانتماء الطبقي، والجنسي، والقومي، والروحي وهلم جرا. بهذا الخصوص يقترح علينا الناقد جون ستوري أن نكون حذرين وجاهزين في آن واحد وذلك حينما ندرس الثقافة الشعبية من أجل “مواجهة المشكلة التي يطرحها علينا المصطلح نفسه“، وهو يعني أنه يليق بنا أن نميز نوعية ما يدعى بالآخر عندما نحلل الثقافة الفولكلورية، أو ثقافة الطبقة العاملة، أو ثقافة الطبقة البرجوازية، أو ثقافة طائفة دينية أو أنماط ما يصطلح عليه بالثقافات الشعبية أو ما يُدعى أيضا بالثقافات الثانوية المختلِفة والمتنوعة وذلك من أجل تفادي الخلط بين أنماط هذا “الآخر” أو ذاك “الآخر” المختلِف في ظروف النشأة والتاريخ وفي الهوية وهكذا دواليك.
إلى جانب هذا المقترح فإن هذا الناقد يسجل مقترحا ثانيا على ضوئه يدعونا إلى عدم إبقاء مفهوم الثقافة الشعبية كمفهوم فارغ أو كمفهوم محض كلي ذي دلالة أحادية مغلقة كما هو حاله قبل القيام بإدراك الاختلاف بين أنماط الثقافات التي تقدِّم لنا بالنتيجة تنوعا مختلفا ومتعددا من أنماط الآخر. وفي الحقيقة فإن تحديد مفهوم الثقافة الشعبية كما يقترح جون ستوري مرهون أولا بوضع خريطة طريق لتوضيح مفهوم الثقافة بشكل عام، وفي هذا السياق نجده يستعين بالمنظّر الثقافي البريطاني ريموند وليامز الذي حذر مراراً من صعوبة تحديد تعريف جامع ومانع للثقافة. ورغم هذه الصعوبة التي يشير إليها فإن المفكر والناقد وليامز قد اقترح علينا في كتابه “كلمات مفتاحية” ثلاثة تعريفات للثقافة وهي كالتالي: “العملية العامة للتطور الفكري، والروحي والجمالي“، وهذا يعني في نظر الناقد جون ستوري أن وليامز يتحدث هنا عن التطورات المحدودة عند “كبار الفلاسفة، وكبار الفنانين وكبار الشعراء“. أما التعريف الثاني للثقافة عند وليامز فهو: “طريقة معينة للحياة سواء عند الناس، أو في مرحلة زمنية أو عند مجموعة بشرية“، الشيء الذي يستتبع “تطور التعليم، والعطل، والمهرجانات الدينية.” أما التعريف الثالث الذي يقترحه علينا هذا المفكر نفسه فيتلخص في: “أعمال وممارسات النشاط الفكري وخاصة النشاط الفني“. إن هذا التعريف الثالث حسب تأويل الناقد جون ستوري هو أقرب إلى ما يرادف ما يدعى عند مفكري ما بعد البنيوية بـ“الممارسات المنتجة للمعنى“.
على ضوء ما تقدم فإن التعريف الأول المذكور أعلاه لا ينطبق على الثقافة الشعبية بل يعني الثقافة العليا المتخصصة التي ينتجها المتخصصون كل حسب حقله المعرفي أو العلمي أو المهني. ماذا تعني الثقافة الشعبية إذن؟ لكي أحل هذا المشكل قمتُ برحلة طويلة في عدد من كتب مؤسسي الدراسات الثقافية والممهدين لها ولقد تطلب ذلك مني الكثير من السباحة في الليالي البيضاء قمت خلالها باستيعاب وتمثل مؤلفات عدد كبير من دارسي ومنظري الثقافة، كما ترددت كثيرا أيضا على الحلقات الدراسية المكرسة لدراسات الثقافات الشعبية، والفولكلور، وآداب وفنون الاثنيات. كنت أشدّ الرحال إلى تلك الحلقات الدراسية بلا ملل أو ذبول حيثما انعقدت في جامعات وسط وضواحي لندن، أو في المراكز الثقافية اللندنية، أو في مثيلاتها في المدن الكبرى في جزيرة الضباب التي يهدّد الصقيع فيها حتى أسماكها كما قال صديقي الراحل الروائي السوداني الطيب صالح في رائعته “موسم الهجرة إلى الشمال“. وعن طقوس هذه الرحلة الثقافية والفكرية الجميلة والممتعة رغم ما اكتنفها من متاعب أحيانا سأتحدث في الحلقة القادمة.