الجزائر
بعضهم‮ ‬حاصل‮ ‬على‮ ‬ليسانس‮ ‬في‮ ‬لغات‮ ‬لا‮ ‬يتقنها

الجزائريون‮ ‬لا‮ ‬يتعلمون‮ ‬اللغات‮ ‬الأجنبية‮ ‬

الشروق أونلاين
  • 14178
  • 32

التخلف المريع الذي تعرفه الجزائر في عالم السياحة، جعلها من أكثر البلدان تخلفا في تعلم لغات العالم، على الأقل مقارنة بالجيران ودول العالم العربي، حيث أضاف المغاربة للغتين العربية والفرنسة اللتين تسيطران على تعاملاتها تعلم اللغتين الإسبانية والإنجليزية، وأضاف التونسيون للغتين العربية والفرنسية تعلم اللغتين الإيطالية والإنجليزية، بينما بقي تعلّم اللغة في الجزائر للضرورة التعليمية فقط، فرغم تواجد مالا يقل عن ثلاثين ألف صيني مثلا في الجزائر، إلا أنه إلى حد الآن لا توجد مدارس لتعليم هذه اللغة، وهو ما جعل حبل الوصال منقطعاً تماما بين الجالية الصينية والمواطنين الجزائريين لأن اللغة الفرنسية التي يتشبّث بها الجزائريون للتواصل مع العالم الخارجي انتهت صلاحيتها في قلب باريس فما بالك ببقية البلدان، ويكفي أن تنتقل إلى فرنسا لتكتشف الوضع المتخلف لهذه اللغة.

 ومع أن الإنجليزية فرضت نفسها الآن على الجزائريين، إلا أن التفتح عليها بشكل رسمي وشعبي، مازال دون ما هو موجود في مختلف الأصقاع بما في ذلك المستعمرات الفرنسية القديمة مثل المغرب ولبنان والسينغال، أما عن بقية اللغات فإن تدريسها في الجامعات يكاد يكون من أجل شغل الكراسي الشاغرة، حيث يعاني خريجو الجامعات الجزائرية من حاملي شهادات الليسانس في بعض اللغات الأجنبية، من غير الفرنسية والإنجليزية، بطالة مقننة وحتمية في آن واحد، بفعل انعدام فرص العمل في التخصصات التي توجّهوا إليها، أو انعدام تواجد مصالح تلك الدول التي درسوا‮ ‬لغاتها‮ ‬تماما‮ ‬في‮ ‬الجزائر،‮ ‬ما‮ ‬جعل‮ ‬شهاداتهم‮ ‬مجرد‮ ‬أوراق‮ ‬لا‮ ‬تقدم‮ ‬ولا‮ ‬تؤخر‮ ‬في‮ ‬شيء‮.‬

 ويحصي الشارع الجزائري والواقع، الآلاف من خريجي الجامعات من الطلبة والطالبات سنويا، في بعض التخصصات اللغوية التي لا وجود لها إطلاقا على أرض الواقع، على غرار اللغة الروسية والايطالية والألمانية والاسبانية، وهي التخصصات المتوفرة بكل من جامعات عنابة والجزائر العاصمة والبليدة ووهران وقسنطينة، وشرع في تدريسها منذ نحو ربع قرن تقريبا، في ظروف دولية مختلفة فمثلا الروسية بوشر في تدريسها في الزمن البلشفي عندما كان الاتحاد السوفياتي صديقاً للجزائر، وكان واحداً من قوى العالم وكانت علاقة الجزائر الثقافية والاقتصادية والسياسية‮ ‬معه‮ ‬في‮ ‬قمة‮ ‬ازدهارها‭.‬

 وكان استعمال الروسية ممكنا في عدد من البلدان الاشتراكية مثل تشيكوسلوفاكيا وبولونيا وألمانيا الديموقراطية والمجر، وبالرغم من إقرار وزارة التربية منذ أربع سنوات شعبة جديدة في التعليم الثانوي اصطلح على تسميتها بشعبة الآداب واللغات الأجنبية، إلا أنها تضم فقط الألمانية والاسبانية إلى جانب اللغتين المعروفتين وهما الفرنسية والانجليزية، وهنا تبرز مفارقة عجيبة كما يقول بعض حاملي الليسانس في اللغات، تتمثل في أن خريجي الإسبانية والألمانية لا يتعدوا سنويا الـ 40 طالبا من جامعتي الجزائر ووهران، أما ما تعلق بالايطالية فيتخرج في معاهدها سنويا ما يقارب الـ100 طالب وطالبة من ثلاث جامعات توفرها وهي الجزائر والبليدة وعنابة ذات الأغلبية، ما أوقع وزارة التربية الوطنية في حرج كبير، خلال إعلان مسابقات التوظيف الخاصة بأساتذة الثانوي؛ إذ أبدت الوزارة رغبتها في توظيف ما لا يقل عن 400 أستاذ في اللغتين الاسبانية والألمانية، وحاملو الليسانس في هاتين اللغتين لا يتجاوزون الـ 100  شاب وشابة، وعدد قليل جدا من هؤلاء تمكن من العثور على فرصة عمل مؤقتة مع الشركات البترولية الايطالية في حاسي مسعود وحاسي الرمل كمترجمين لا يمكنهم التقدم في تعليمهم،‮ ‬وهي‮ ‬الوجهة‮ ‬الوحيدة‮ ‬في‮ ‬غياب‮ ‬فنادق‮ ‬ومركبات‮ ‬سياحية‮ ‬تحتاج‮ ‬هؤلاء‮ ‬المتخرجين‮ ‬للترجمة‮ ‬للسياح‮ ‬أو‮ ‬وسائل‮ ‬إعلام‮ ‬جزائرية‮ ‬قوية‮ ‬تقدم‮ ‬الجزائر‮ ‬للآخرين‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬السياحة‮ ‬على‮ ‬الأقل‭.‬

‭ ‬أصحاب‮ ‬ليسانس‮ ‬إيطالية‮ ‬وروسية‮ ‬وألمانية‮ ‬لا‮ ‬يتقنون‮ ‬كلمة‮ ‬من‮ ‬اللغات‮ ‬التي‮ ‬أفنوا‮ ‬العمر‮ ‬في‮ ‬تعلمها؟

 وبسبب البطالة وعدم وجود وسائل المحافظة على ما تعلموه، فإن غالبية الحاصلين على شهادة ليسانس في الروسية أو الإيطالية أو الألمانية نسوا هذه اللغات نهائيا، ويوجد متخرجون جدد حاصلون على ليسانس في الايطالية لا يكادون يتقنون حتى حساب الأرقام بهذه اللغة، بسبب عدم‮ ‬ممارستهم‮ ‬التحدث‮ ‬او‮ ‬الكتابة‮ ‬أو‮ ‬العمل‮ ‬باللغة‮ ‬الإيطالية‮.‬

وقسم الترجمة، الذي فضلت الجامعة جعله تابعا لقسم الآداب، فقد الأبّهة التي كان عليها في عقود سابقة، وقام خلال الأسبوع الحالي مئتا متخرّج ومتخرّجة من الحاصلين على ليسانس في الترجمة بالاحتجاج وتواصل احتجاجهم إلى غاية الخميس الماضي، إذ حُرمت جامعة قسنطينة من المشاركة في مسابقة ماستر الترجمة، بالرغم من أنها فتحت المسابقة للحاصلين على ليسانس في الأدب العربي اللغة الفرنسية واللغة الانجليزية، أي أنه من المحتمل أن نجد مستقبلا حاصلين على شهادة دكتوراه دولة في الترجمة من متخرجي الأدب العربي، وحتى المتخرجين في اللغة الإنجليزية،‮ ‬لم‮ ‬تعد‮ ‬مستوياتهم‮ ‬عالية‮ ‬بدليل‮ ‬أن‮ ‬جامعة‮ ‬سكيكدة‮ ‬هذا‮ ‬العام‮ ‬انتدبت‮ ‬أربعة‮ ‬أساتذة‮ ‬فرنسيين‮ ‬لتدريس‮ ‬الإنجليزية‮ ‬ضمن‮ ‬اتفاقية‮ ‬مع‮ ‬جامعة‮ ‬فرنسية‮.‬

ولولا الأنترنت والإبحار فيه، الذي كشف “أمية” الجزائريين في مختلف اللغات وخاصة الإنجليزية، لكان الوضع أكثر خطورة، وساهم دخول الجزائريين بقوة عالم الفايس بوك، في مباشرة الكثيرين تعلم اللغة الانجليزية، ولكنه تعلم سطحي لتبادل الحكي والتنكيت وحتى العشق فقط، ويكاد يصبح تدريس اللغات الأجنبية مشكلة في الجزائر وعقدة، وهو ما حدث مع اللغة العبرية التي ينطق بها العدو الإسرائيلي، حيث نوت إدارة الجامعة الإسلامية الأمير عبد القادر بقسنطينة منذ قرابة خمس سنوات، على خطى بقية الجامعات الإسلامية الكبرى في مصر والسعودية وباكستان‮ ‬وسوريا‮ ‬والأردن‮ ‬تعليم‮ ‬اللغة‮ ‬العبرية،‮ ‬لاتقاء‮ ‬شر‮ ‬الأعداء‮ ‬كما‮ ‬قال‮ ‬عميد‮ ‬الجامعة‮ ‬الإسلامية‭.‬

ولكن المشروع أثار ضجة كبيرة وأصبح من الماضي وأغلق ملفه بصفة نهائية، رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من الصحابة تعلم لغات الشعوب فكان بلال يتقن لغة الأحباش وصهيب يتقن لغة الروم وسلمان يتقن لغة الفرس وطبعا، وطلب الرسول صلى الله عليه وسلم، من الصحابة تعلم‮ ‬السريانية‮ ‬لأن‮ ‬أهلها‮ ‬يعتنقون‮ ‬الدين‮ ‬المسيحي،‮ ‬كما‮ ‬تمكن‮ ‬صحابي‮ ‬آخر‮ ‬من‮ ‬تعلم‮ ‬العبرية‮ ‬خلال‮ ‬أربعين‮ ‬يوما‮.‬

المشكلة‮ ‬لا‮ ‬تخص‮ ‬عامة‮ ‬الناس‮ ‬فقط،‮ ‬وإنما‮ ‬تبدو‮ ‬أكثر‮ ‬بشاعة‮ ‬مع‮ ‬رجال‮ ‬الأعمال‮ ‬الذين‮ ‬يسافرون‮ ‬إلى‮ ‬ماليزيا‮ ‬وكوريا‮ ‬الجنوبية‮ ‬وماليزيا‮ ‬والبرازيل‮… ‬وهم‮ ‬ما‮ ‬لا‮ ‬يكادون‮ ‬يفقهون‮ ‬لغة‮ ‬واحدة‮ ‬للتواصل‮ ‬مع‮ ‬الآخرين‭.‬

كما أن البعثات الديبلوماسية الكثيرة والتي يكون أفرادها برلمانيين، هي جولات مليئة بالحوارات الصامتة، ولحسن الحظ هناك برلمانيون صرفوا قليلا من مرتباتهم المنتفخة لتعلم اللغة الانجليزية، يحدث هذا رغم أن الجزائريين كانوا دائما أكثر انفتاحا على لغات الآخر، فقد كان ابن جمعية العلماء المسلمين الفضيل الورتلاني يتقن سبع لغات من بينها الألمانية والتركية، وكان وزير الأوقاف السابق نايت بلقاسم يتقن تسع لغات من بينها الألمانية والسويدية، وأتقن مالك بن نبي خمس لغات.

مقالات ذات صلة