-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجزائريون.. ومعضلة “المربّع الصفر”

مصطفى فرحات
  • 15313
  • 16
الجزائريون.. ومعضلة “المربّع الصفر”

الجدل الذي أثارته قضية “الكركرية” وقبل ذلك قضية سفر المرأة بمحرم التي أثارتها حادثة الطفلة المتفوّقة خولة وقبلها قضية الأحمدية، يكشف لنا شيئا بالغ الأهمية قد يقضي على أي أمل في تحقيق نهضة جزائرية مأمولة في المستقبل القريب إن لم يتم تداركه بوعي وحكمة.

رغم مرارة التجارب التي شهدتها الجزائر “المحروسة”، لاسيما مأساة العشرية الدموية وما أثارها من أزمات سياسية وثقافية وأمنية، غير أننا نكتشف بأسى أن الدروس المستخلصة من كل سقطاتنا تؤول إلى الصفر، ولا تكاد تصمد أو تثبُتُ عند أول صدمة مُستجدة أو انفعال عاطفي.

لم نتقدّم إلى الأمام خطوة واحدة، لا سياسيا أو فكريا أو اجتماعيا، وهي أقطاب مترابطة، لأن لعنة “المربّع الصفر” تجذبنا إلى الفناء كثقب أسود.

كشفت الأزمة السياسية التي مررنا بها خطورة تبني منطق الوصاية على الشعب بمصادرة رأيه من جهة، وخطورة اللعب السياسي بنار التديّن التي تتحول من نعمة إلى نقمة في حال استغلالها الخاطئ، لكن ذلك لم يثننا -سلطة ومعارضة وشعبا- على ممارسة الوصاية، كل حسب استطاعته، ولو كان ذلك بمعارك افتراضية على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، و”ذلك أضعف الإيمان”.

في كل منعطف، نكتشف أننا نحمل بداخلنا أعراض دمارنا الذاتي: منطق الوصاية ودعوى امتلاك الحقيقة المطلقة وخوض الحروب “المقدسة” (حقيقة أو مجازا) لفرضها على الآخرين، باسم الحفاظ على الجمهورية، أو باسم “حماية الدين”، أو باسم صيانة المجتمع مما نعتبره “انحرافا”، أو باسم قيادة القطيع نحو “التنوير”.

تعددت الأسباب، لكن الأزمة في عمقها تظل واحدة، فنحن رغم جعجعتنا حول ضرورة احترام الإنسان وحريته وحقوقه في التعبير والتفكير، لا نؤمن واقعا بهذه المُثُل أو المبادئ، حيث يريد الجميع أن يكون الجميع نُسخة مطابقة له، إسلاميا كان (بتياراته وطوائفه ومصالحه)، أو علمانيا (بتياراته وطوائفه ومصالحه).

هذه “اللعنة” التي لم ينفع معها ترياق أو رُقية ستعيدنا حيث كنا، ذات عُشرية، قنابل موقوتة على انفجار المجتمع والدولة ونسف ما عصم الله من نسفه من قبلُ.

إن الإيمان بكرامة الإنسان وحقه في التفكير والتعبير لا يُصادرها دستور أو دين، لاسيما إن كان ديننا نفسه يقوم على مبدأ “لا إكراه في الدين” ومبدأ “ما أنت عليهم بمسيطر”، كما لا تصادرها علمانية تحولت إلى دين بديل يرفع شعار فرعون القديم “ما أريكم إلا ما أرى”.

وما لم نُؤمن بذلك إيمانا راسخا، فإن كل تصادم مستقبلي سيدخلنا في أتون حروب أهلية تقضي على الجميع باسم الحق المقدس أو باسم الحرية التي تَحوّل كثير من أدعيائها إلى متسلطين يفوقون دكتاتورية أدعياء التديّن وأدعياء حماة الجمهورية.

عندما تقوم المعارك من أجل صراع حول ما نعتبره النموذج الأمثل للدولة، أو النموذج الأمثل للتديّن، أو النموذج الأمثل للمجتمع، أو النموذج الأمثل للغة التي ينبغي أن نتحدث بها، فإننا نكشف بأنفسنا نقاط ضعفنا، وندل أعداءنا على الثغرات التي عليهم أن يتسللوا منها ليشغلونا بمعارك يخرج الوطن منها، بكامل أطيافه، منهزما منكسرا، ويضيع البلد وأبناؤه في دوامة جديدة قد لا يسلم منها أحد هذه المرة.

لا يوجد نموذج مثالي للتديّن على الجميع الالتزام به، لأن كل مذهب وكل فرقة وكل طائفة تزعم أنها على “المحجة البيضاء”، وأن ما عداها من المذاهب والفرق والطوائف قصُرت أفهامهم عن إدراك الحقيقة، فهم ما بين “زائغ” و”مبتدع” و”ضال” و”كافر”.

وكل محاولات إقحام الدولة في ترجيح مذهب أو تجريم آخر ستنتهي بالفشل من جهة، وستدفع البلد لمزيد من الاضطراب من جهة أخرى، لأن كل مذهب سيستقوي برجاله في لعبة سياسية تعصف بالجميع.

وفي المقابل، لا يوجد نموذج مثالي للعلمانية أو الليبرالية، وكل من يرفع هذا الشعار عليه أن يعي أن مبدأ العلمانية الأول هو “رفض الوصاية”، وهذا يعني أن كل محاولة لتوجيه مسار المجتمع نحو قِبلة أخرى هو الآخر مرفوض، لاسيما إن توسّل إلى ذلك بتسفيه القِيَم واستفزاز المشاعر واستغلال الحرية -التي من لوازمها المسؤولية- لتغطية الغرائز وإلباسها لبوس المعرفة.

أما الدولة، أو النظام، أو السلطة، فإنها مسؤولة بشكل مزدوج، لأن عليها أن ترسّخ في المجتمع ثقافة القانون الذي يكون الجميع سواسية أمامه، وذلك لا يتم بمنطق المحاباة والتغاضي عن أصحاب النفوذ. كما أن ذلك يعني أن عليها أن تكون مثالا وقُدوة، بتشجيع الإنفتاح السياسي والفكري في دواليبها وإعلامها والمؤسسات التربوية التي تشرف عليها، لا أن “تغنّي مترفة أمام يزيد يوما، وتصليّ جائعة خلف الحسين يوما آخر”.

لا تقوم المجتمعات بغير قوام القانون، ولا يمكن لها أن تستقر بغير ثقافة الاحترام المتبادل وتشجيع المعرفة وتبنّي العدالة الاجتماعية حيث يصبح الجميع ويُمسون سواء.

أما أن يصبح المجتمع قنبلة قابلة لانفجار انشطاري عند كل قضية: سياسة وتديّنا وهويّة، فذلك يعني أن كل المآسي التي مرّ بها الوطن لم تُفلح في تعليمنا أحد دروس الحياة الأساسية: يصنع الجاهل بصاحبه ما لا يصنعه العدو به!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
16
  • بدون اسم

    التربية على الحرية الفردية مع المسؤولية الفردية هي الحل.... لأن الحقيقة تقال : أصبحنا شعب غريب الأطوار: متعصب و لكن مٌتكل على الدولة المُعيلة في كل شيئ، متدين و لكن يجري و يتلهف على الدول اللآّئكية العلمانية، يرفض الآخر و رأي الآخر ثم هو الأول المدافع على المظلومين؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  • بدون اسم

    الطالبة اتخذت قرارافي شيئ تملكه لكن الاوضاع المفروضة عليها مثل الاختلاط فهي لا تملكه.

  • jamel

    شكرا والف شكر عن مقالك الجيد....مقالك ليس مقال إنشائي فهو دقيق جدا ...لا يفهمه الا المثقف والواعى والانسانى ايضا الذى يحترم الآخرين....وله نظرة المستقبل كذالك...اما غير ذالك لا يفهمه.....كما قالوا: الانسان يتألم ثم يتعلم.....اما نحن ؟!!!!!!!

  • محمد

    وكأني بك سيدي تدعو إلى الإنفتاح على كل شىء باسم عدم الوصاية على أحد أظن أن هناك مسؤولية حماية تدين البلد من التيارات المنحرفة والمتشددة والحفاظ عليه من العادات والأفكار الهدامة الدخيلة عليه

  • Abdelkrim

    و هذا ليس جديدا عند عامة الشعب أن المرأة لا تسافر وحدهاعندما تذهب للتنزه خاصة البلدان الغربية وحدها و القلة القليلة تسمح إلا لضرورة علم أو مهمة عمل أو حضور مؤتمر أو ندوة إذا لا تغلط الرأي العام و كن موضوعي. و ما قامت به خولة من شهامتها و تطبيقها لتعاليم دينها و ليس عمل معزولا أو جديدا يعرفه المجتمع منذ قرون.

  • Abdelkrim

    لا تخلط الأمور لكي تسوق فكرتك و تضع كل شيئ في نفس الوعاء. أما فيما يخص بالطوائف المنحرفة مثل الكركرية فلقد رفضها الشعب بسبب ما جاءت به من بدع ما فعلها رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا صحابته رضي الله عنهم من توحيد اللباس للمصلين في داخل نفس المسجد مع الرقص. أما الفكر الداعشي رفضه الشعب لما جاء من إرهاب وخراب و إنحراف على الإسلام و هذا معروف عند الخاص و العام. أما ماقامت به البنت خولة فهو متجذر في الشعب الجزائري يتبع ..

  • العنابي

    بارك الله فيك . قمة .
    أتمنا أن تكثر من نوعية هذه المقالات فالاغلبية لا تفهم بسهوله ( وهناك نوع من البشر لا يمكن أن يفهم قط فهذا النوع يُقتاد فقط ) وعادة ماتكون ردودهم شديدة اللهجة .

  • متسائل

    هل المشكل في مدرسة فاشلة اخرجت ببغاوات و لم تعلم علما نقدا منطقا عملا تحليلا نظافة بل رسخت التكرار الكسل الصراعات التافهة الحلول الظرفية المحسوبية اللاتسامح العنف. فاذا كان ما يتعلمه الانسان في صغره سيطبع مستقبله فهل هناك ايجابية فيما يتعلمه الصغار ستنعكس على مجتمعاتهم هل يدرك المسؤول و الاستاذ ثقل المسؤولية و ضرورة القيام بها على اكمل وجه دون طمع في مال جاه او شكر لان التحديات تتطلب ذلك دون عقد كره احتقار تذمر سلبية شكوى لان الجزائر لن تنهض الا بجيل و دم جديد و فكر متفتح و اقتصاد عملي براغماتي

  • متسائل

    إذا ابتليت الامة بأرقام استغلت و استحوذث على المال و السلطة و لم تعدل فما نحن فاعلون ؟ صبر جميل لان الوقت و الظروف لا يسمح بغير ذلك ؟ و اذا ابتليت الامة بالانقسامات او تنوع اللغة و العرق فلما يريد طرف فرض رؤياه على الاخر و لا يريد التعايش السلمي النفعي المصلحي ؟و اذا اصبحت النعمة نقمة من ريع حبانا الله به فكثرت الطفيليات المستغلون و مكسرين اليدين و السراق فماذا نفعل نتفرج و الكعكة تؤكل ننهب مثل الجميع نفضح و نبهدل ؟! فهل المشكلة بالاساس تربوية فكرية في الصغر حيث تغرس قيم التسامح التعايش المحبة

  • صالح بوقدير

    لماذا لم نسفد من التجارب المرة التي مررنا بها؟ وما حظنا من الإيمان؟
    يبدولي أننا لم نكلف أنفسنا عبءمعرفة الظالم من المظلوم فيما وقع فإذا تخاصم اثنان فلابد أن يكون أحدهما ظالما والآخرمظلوما ويمكن معرفة ذلك بقوةالحجة التي يمتلكها كل طرف فإذا تعين الظالم والمظلوم واستردالمظلوم مظلمته وأخذ الظالم جزاءه أوتم العفو عنه عندها نتحدث عن الاستفادةمن الاخطاءوالعثرات
    أما وأننانعتمدحجةالقوة لتركيع الخصم ونجعل الظالم والمظلوم في سلة واحدة فالعودة إلى الصفرمحتمةوسنلدغ مرات ومرات من نفس الجحرفهل بقي لناإيمان؟

  • دوادي

    السلام عليكم : صدقت لم نتعلم من مآسينا و باتت كل مسألة مهما صغرت قضية نخوض حولها النقاشات و نتبادل فيها الاتهامات و الشكوك و بظهور فرقعة جديدة يبدا نقاش (هرج) جديد و هكذا و لو ساد العدل و انتشر العلم لذهب الخوف و زهق الباطل.

  • هشام

    بحجة حماية اركان الدولة هذا المنطق تلفظه الشعوب المتقدمة و أثبت انه يؤدي الى التناحر حتى داخل المذهب و التيار الواحد حتى داخل الجماعات التي تتبناه نفسها و التي ترمي بعضها بالردة و التكفير كما يجري بين داعش و النصرة و غيرهم هذا ليس حماية للدولة بل نخرا في اساساتها و السلطة مسؤلة عما يحدث لانها تلعب على هذا الوتر فلا تتبنى موقف واضح بشأن المسألة و لا تفسر بنود الدستور المتعلقة بها و تتركها فضفاضة غامضة و احيانا متناقضة لكي تستغلها كيفما يحلو لها فهي حامي العقيدة الواحدة و هي حامي حرية المعتقد معا!

  • الكونية الانسانية مصدر حقا

    يمكننا ان نحل اي مشكل مهما كان معقد عندما تتحد الكفائات ليس حتى رسميا فقط من باب الهواية و حب التحليل
    سواء كان مشكل يخص دولتنا الجزائرية او مشكل يخص دول العالم الاخرى سنجد له الحل واضح وضوح الشمس لا ينقصه الا القرار ليطبق على ارض الواقع عمليا
    لو توقف الجزائريين جميعهم عن التكلم بانانية و جهوية و طائفية دينية و ميولات حزبية سياسية و تشبثات تقاليدية عقيمة و عقليات البطولية الخشبية ووو عندها سنعرف اين هو المشكل و كيف بدء
    انها الذاكرة يا سادة راجع ماذا سجل في ذاكرتك منذ كنت صغيرا
    نظف و نظم ذاكرتك

  • هشام

    يعطيك الصحة مقال جد دقيق و لم اقرأ مثله منذ زمان في جرائدنا المصيبة هي حتى مثقفونا او من يحسبون على انهم من النخبة لا يتوانون في تبني الخطاب الفاشي الاحادي بإسم حماية الدولة و الحقيقة هي ان الذي ينادون به هو مرض الدولة نفسه الدولة القوية لا يهددها أي تيار ديني و لا تحمي نفسها بمحابات أي جماعة.ألمانيا استقبلت 2 مليون اجنبي دفعة واحدة !!لا يمتون بصلة لالمانيا لا من حيث الدين او اللغة او العرق او الثقافة بدون ان ترى ان هذا يهدد كيانها بينما نحن ابناء البلد الواحد نريد اضطهاد بعضنا البعض

  • توفيق

    يا أستاذ إذا كنت تؤمن بحرية المجتمع وعدم توجيه بوصلته فأليك التالي لابد أن تقبل بالعلمانيين و الإسلاميين واللادنيين و الكركريين والمتشيعين والأحمديين والرادكاليين المتعصبين و المثليين وحرية المرأة بالمفهوم الغربي وووو في إعتقادي أن لكل سفينة ربان يقودها.

  • hocheimalhachemihhh

    أنت يا محترم قد قطعت كل الأمال علينا وقنطتنا تقنيطا لايرضاه الله ولا عباده المخلصين! فنحن يا محترم لانحيد عن ديننا ولا مذهبنا الذي ارتضاه لنا أئمتنا وفقهاء الأمة الراسخون في العلم المستنبطون له ولانحيد عن ما أوصانا به نبينا ورسولنا العظيم خاتم الأنبياء والمرسلين*تركت فيكم ما ان تمسكتم بهما لن تظلوا بعدي أبدا "كتاب الله وسنتي" وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي؟ أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، فلن نحيد عن هذا "أو ما أوصانا به رسولنا عليه صلوات ربي؟ فالدين هو الذي يجمع ولا يفرق لا، أن نكون"شيعا وطوائف"