الجزائريون يأكلون لحوما ملوّثة بالصدأ والجراثيم
يوم واحد في مذابح العاصمة كان كافيا للوقوف على حجم الكارثة التي تميز طريقة ذبح وسلخ المواشي التي تسوّق لحومها للمواطنين في ظروف جرثومية خطيرة، دون مراعاة أدنى شروط السلامة والنظافة، بعيدا عن أعين الرقابة البيطرية، فلو شهد المواطنون ما عايشناه في هذه المذابح من تجاوزات خطيرة، لعافوا أكل اللحوم طول حياتهم وما خفي فيها كان أعظم.
بداية جولتنا كانت من مذبح الحراش، كل شيئ كان حاضرا إلا الرقابة البيطرية، أبقار تذبح الواحدة تلوى الأخرى على الأرض وسط دماء متجمدة، الله وحده يعلم مقدار الجراثيم التي كانت تحتويها، ذباحون بألبسة بالية تصلح لكل شيئ إلا الذبح، وحتى السلاسل الحديدة لجر الأبقار والخرفان المذبوحة، أكلها الصدأ الذي كان يلامس ويستقر في اللحوم الموجهة للاستهلاك، مما يساهم في نقل العديد من الأمراض للمواطنين الذين يضطرون لشراء هذه اللحوم بمبالغ باهظة، وهي التي قد تشكل خطرا على صحتهم.
والغريب في الأمر أننا شاهدنا أبقارا تنزل من الشاحنات مباشرة للذبح، دون مراقبة بيطرية، مما يزرع الشك حول المواشي المريضة التي تذبح وتسوّق لحومها للمستهلكين، وعملية السلخ التي كانت على أرضية من الإسمنت الملطخة بالدماء المتحجرة، جعلت الذبيحة “تتمرغ” في الجراثيم الدموية، وهو ما يخالف القواعد المعمول بها في المذابح، أين تذبح وتقطع المواشي في السماء ولا تلامس الأرض أبدا، وما يثير الدهشة أكثر هي عملية غسل وتطهير معدات الذبيحة التي كانت تجرى في ظروف كارثية، حضر فيها كل شيئ إلا النظافة، وحتى عملية تسليم وبيع اللحوم كانت بطريقة عشوائية ومخالفة للسلامة الاستهلاكية، لأن الذبائح كانت توضع في سيارات ومركبات غير مجهزة بنظام التبريد.
وما يثير الاشمئزاز أكثر أننا رأينا بعض “الذباحين” ينزعون “الشمة” من أفواههم بأيديهم التي كانت تلامس اللحوم دون أدنى ضمير مهني، وحتى وسائل الذبح من سكاكين وسواطير فحدث ولاحرج، وحسب شهادة أحد العارفين بالمكان فإن اللحوم المريضة الغير صالحة للتسويق، والتي يضطر البيطري برشها بمادة “الڤريزيل” لإفساد طعمها ورائحتها، يلجأ بعض الذباحين إلى غسلها الجيد بالماء، وتسويقها بطريقة غير شرعية، بالتواطؤ مع بعض الجزارين، ماشهدناه في مذبح الحراش، جعلنا نستغرب لصمت السلطات الرسمية وفرق المراقبة على ظروف المذبح المنافية تماما للمعايير التي تتطلب سلسلة من الإجراءات، خاصة فيما يتعلق بالمراقبة البيطرية الدورية للحيوانات وظروف حفظ وتسليم اللحوم.
قصدنا بعدها مذبح “رويسو” في حدود منتصف النهار، رأيناه مشلولا عن آخره لا ذبح ولا سلخ ولا بيع للحوم، إلا أن بعض الشباب أكد لنا أنه يحتوي على متجر صغير داخل المذبح متوفر على كميات من لحم الخروف، وما استغربنا له هو فصل غرف التبريد عن المذبح، مما يضطر إلى نقل الذبائح وسط طريق ينبعث منه الغبار ودخان السيارات، وهو المنافي تماما لمعايير السلامة الغذائية، وحسب الشباب الذين تحدثنا إليهم فإن ظروف الذبح هنا لا تختلف كثيرا عن مذبح الحراش، فشروط النظافة والمعايير المعتمدة في نحر المواشي بعيدة تماما عن المستوى المطلوب، مما دفع بالسلطات الرسمية إلى التفكير في غلق المذبح وفتح مذبح جديد بمواصفات عالمية، تضمن تسليم لحوم سليمة ومراقبة للمواطنين الذين لا يعرفون من اللحم إلا ثمنه الباهظ.
المذابح في الجزائر غير صالحة للإستعمال
أكد السيد رحيم مرواني مهندس في الإنتاج الحيواني أن المذابح في الجزائر تجاوزها الزمن، وهي غير صالح للإستعمال ومخالفة تماما للقواعد المعمول بها دوليا، والتي تبدأ بالاهتمام بالمواشي قبل الذبح بست ساعات، أين يسمح لها فقط بشرب الماء والتفريق في أماكن وضع الأغنام والأبقار التي يجب أن تتعرض لفحص بيطري دقيق قبل وبعد ذبحها، وبعد ذلك أضاف المتحدث أن السلسلة الحديدة لجر الهياكل المذبوحة يجب أن تصنع من مادة “الإينوكس” الغذائي التي لا يطالها الصدأ، والتي تضمن ذبح وتقطيع الذبيحة في السماء دون أن تلامس الأرض التي يجب أن تحتوي على مادة مضادة للبكتيريا.
وبالنسبة للدماء، فيجب أن تجري في مجار خاصة تضمن تحليلها قبل وصولها للمجاري المائية، وأضاف أن اللحوم الغير قابلة للإستهلاك يجب أن تحرق بجهاز خاص يحوّلها إلى رماد، كما أن مناطق تسليم اللحوم يجب أن تكون بعيدة عن مكان دخول المواشي وذبحها، وبالنسبة لغرف التبريد وتجفيف اللحوم، قال إنها يجب أن تزوّد بأجهزة خاصة تضمن تجفيف اللحم في أقل من ساعتين، وبالنسبة لدماء ومعدة وأحشاء المواشي، قال إنها تحول إلى مواد طبية وأدوية لاستصلاح الأراضي، وفي النهاية قال محدثنا إن كل هذه المعايير غير موجودة في الجزائر التي تعرف غيابا رهيبا للرقابة في المذابح التي تحتوي على فضائح وكوارث خطيرة جدا يجب الوقوف عندها حفاظا على حياة وصحة المواطنين، خاصة بعد فضيحة لحوم الحمير التي سوّقها أحد المذابح المعروفة في العاصمة منذ سبعة سنوات.