الرأي

الجزائر الثالثة عالميًا في “التربية”: ما تفسير هذا الرقم؟!

أرشيف
الجزائر

أثار بيان وزارة التربية الوطنية، المعنون “تحقيق الجزائر للمرتبة الثالثة عالميًا في التربية في مؤشر الابتكار العالمي 2026″، المنشور قبل يومين، اهتمامًا واسعًا وعديد التساؤلات، بالنظر إلى ما يحمل من معنى وما يكتنفه من غموض. فعلى الرغم من محاولة البيان توضيح الأرقام الواردة فيه فإن صياغته تظل، بالنسبة إلى القارئ، مبهمة وتفتح المجال أمام تأويلات متناقضة لا تعكس ما يقوله التصنيف.

والواقع أن فهم الأرقام الواردة في هذا التصنيف، حتى عند الرجوع إلى مصدرها الأصلي، يتطلب قدرا كبيرا من التركيز والإلمام بمنهجيته ومؤشراته الفرعية. ومن الأمور التي ينبغي الانتباه إليها أن الجهة المصنِّفة ذاتها تحذر من إجراء مقارنات مباشرة بين نتائج الإصدارات المتتالية إذ تتغير من إصدار إلى آخر المنهجية المعتمدة، وطرق احتساب المؤشرات، فضلًا عن طبيعة البيانات المتاحة وحذف مؤشرات وإدراج أخرى.

وللتعريف بهذا التصنيف نقول إن “مؤشر الابتكار العالمي” (GII) تصنيف دولي سنوي تنشره المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، وهي هيئة متخصصة تابعة للأمم المتحدة تُعنى بالملكية الفكرية والابتكار. ويقيس مؤشرها أداء نحو 140 اقتصادًا (أي دولًا وكيانات اقتصادية) في مجال الابتكار اعتمادًا على عشرات المؤشرات التي تشمل، فيما تشمل، عديد الركائز، منها رأس المال البشري والبحث، والمؤسسات، والبنية التحتية، وتطور الأسواق والأعمال، ومخرجات المعرفة والتكنولوجيا والإبداع.

ما يهمنا هنا هو فئة “التربية” التي تغطيها 5 مؤشرات فرعية هي: 1) الإنفاق الحكومي على التعليم كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، 2) التمويل الحكومي لكل تلميذ في التعليم الثانوي، 3) متوسط سنوات التمدرس المتوقعة، 4) نتائج اختبارات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة “بيزا” (PISA) في القراءة والرياضيات والعلوم، 5) نسبة عدد التلاميذ إلى عدد الأساتذة في التعليم الثانوي.

1. ماذا يعني “المرتبة الثالثة عالميًا”؟ أول ما نلاحظه هو أن الجزائر حققت تقدمًا بأربع مراتب في الترتيب العام (وليس في التربية) لمؤشر الابتكار العالمي لعام 2026 إذ انتقلت من المرتبة 115 عالميًا (من 139) في إصدار 2025 إلى المرتبة 111 في إصدار 2026.

ويكتسي هذا التقدم دلالة جديرة بالتنويه، سيما إذا علمنا أن الجزائر كانت تحتل المرتبة 121 عام 2020. غير أن هذا الترتيب العام يقيس مجموعة واسعة من عناصر منظومة الابتكار، كما أسلفنا، ولا يقتصر على قطاع التربية والتعليم. أما في ركيزة “رأس المال البشري والبحث”، فتندرج فئة فرعية تحمل اسم “التربية”. وهذه الفئة لا تقيس بصورة شاملة جودة المدرسة في البلاد أو مستوى التلاميذ أو أداء الجامعات، وإنما تضم مجموعة المؤشرات الفرعية الخمسة المشار إليها آنفا والتي تساعد على تفسير قدرة الدول على الابتكار. ومن بين 139 دولة (منها هونغ كونغ باعتبارها كيانا اقتصاديا وليس باعتبارها دولة مستقلة) أدرجتها المنظمة العالمية للملكية الفكرية في مؤشر الابتكار العالمي 2026، احتلت الجزائر المرتبة الثالثة عالميًا في هذه الفئة، بدرجة 81.2.

وعليه، لا ينبغي فهم هذه المرتبة على أنها تعني أن الجزائر تحتل المركز الثالث عالميًا في جودة التعليم أو أداء منظومتها التربوية، بل ينبغي اعتبارها ترتيبًا فرعيًا للجزائر في فئة “التربية” ضمن ركيزة “رأس المال البشري والبحث” في مؤشر الابتكار العالمي. فالحصول، مثلًا، على علامة 17/20 في الرياضيات لا يكفي، في حد ذاته، للحكم على مستوى التلميذ بأنه جيد أو ضعيف، ما لم ننظر أيضًا إلى نتائجه في المواد الأخرى؛ والأمر نفسه ينطبق على قراءة هذه المرتبة التي لا يمكن فصلها عن طبيعة باقي المؤشرات.

2. ما الذي تقيسه فئة “التربية”؟ تتكون فئة “التربية” من مجموعة من المؤشرات الفرعية الخمسة السابقة الذكر التي تتناول جوانب مختلفة من المنظومة التربوية. ومن بينها الإنفاق الحكومي على التعليم، والمبالغ التي تخصصها لكل تلميذ في التعليم الثانوي، وهناك أيضا متوسط سنوات التمدرس المتوقعة، ونتائج اختبارات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة “بيزا” الذي شاركت فيه الجزائر مرة واحدة (عام 2015)، إضافة إلى نسبة عدد التلاميذ إلى عدد الأساتذة في التعليم الثانوي.

وهنا تظهر أهمية تفكيك الترتيب الإجمالي. فالمرتبة الثالثة لا تعني أن الجزائر جاءت في المرتبة الثالثة في كل هذه المؤشرات، وإنما هي نتيجة تجميع مجموعة من المعطيات. وتبرز الجزائر بصورة خاصة في المؤشرين 1 و 2 (الإنفاق الحكومي على التعليم، والمبالغ المخصصة لكل تلميذ في التعليم الثانوي). فقد صُنفت في المرتبة الثانية عالميًا في هذين المؤشرين، وهو ما حسن كثيرا ترتيبها في فئة “التربية”. وهناك عامل آخر نشير إليه أدناه.

3. لماذا قفزت الجزائر من المرتبة 93 إلى الثالثة؟ تثير القفزة من المرتبة 93 عام 2025 إلى المرتبة الثالثة عام 2026 سؤالا مشروعا: هل تحسن التعليم في الجزائر بهذه السرعة خلال عام واحد؟ الجواب لا يمكن أن يكون “نعم” بمجرد النظر إلى الترتيب. فمؤشرات التصنيف الدولي لا تعكس بالضرورة تغيرا فعليا حدث خلال سنة واحدة.

السبب الرئيسي يرتبط بتغير البيانات المتاحة والمستخدمة في حساب المؤشر بين الإصدارين. ففي إصدار 2025، كانت بيانات مؤشرين من مكونات فئة “التربية” غير متاحة، وهما المؤشران 2 و 5 (التمويل الحكومي لكل تلميذ في التعليم الثانوي ونسبة عدد التلاميذ إلى عدد الأساتذة). كما تمت عام 2025 مراعاة المؤشر 4، أي نتيجة الجزائر في اختبارات “بيزا” لعام 2015، وهو العام الوحيد الذي شاركنا فيه في هذا البرنامج. وكانت نتائجنا متدنية جدًا في المجالات الثلاثة: المرتبة 67 في القراءة، و68 في الرياضيات والعلوم من مجمل 72 دولة مشاركة.

أما في إصدار 2026، فلم تعد نتيجة “بيزا” السيئة للجزائر محتسبة ضمن هذا المؤشر، في حين أصبحت بيانات التمويل الحكومي لكل تلميذ في التعليم الثانوي متاحة، واحتلت الجزائر فيها المرتبة الثانية عالميًا. كما صارت بيانات نسبة عدد التلاميذ إلى عدد الأساتذة متاحة أيضًا. ويُفسر هذا التغير في البيانات جانبا مهما من القفزة الكبيرة في ترتيب الجزائر في فئة “التربية” من المرتبة 93 في إصدار 2025 إلى المرتبة الثالثة في إصدار 2026.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت المبالغ المعتمدة للإنفاق الحكومي (المؤشر 1) ارتفاعا كبيرا فانتقلت الجزائر في هذا المؤشر من المرتبة 22 إلى الثانية. وبذلك فإن الانتقال من المرتبة 93 إلى الثالثة يعكس بدرجة كبيرة تغيرًا في البيانات وتوفر مؤشرات جديدة وتحديث بعض القيم المستخدمة في الحساب، وليس تحسنا فعليا بمقدار 90 مرتبة في مستوى التعليم الجزائري خلال سنة واحدة. 4. خلاصة القول تكشف هذه النتائج، قبل كل شيء، عن أهمية التعليم في البنية التي يعتمدها مؤشر الابتكار.

فالابتكار يبدأ في مخبر التجربة والبحث والمؤسسة الاقتصادية، لكنه مرتبط ارتباطا وثيقا بتكوين رأس المال البشري. ومن هذه الزاوية، فإن الإنفاق العمومي الكبير على التعليم والتمويل الموجه إلى التعليم الثانوي يمثلان عاملين إيجابيين في بناء قاعدة بشرية قادرة على الإسهام في البحث والتطوير والابتكار. والجميع يدرك أن الانتقال من هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة يتطلب النظر في مؤشرات أخرى: نوعية التعليم، مستوى الرياضيات والعلوم واللغات، القدرة على حل المشكلات (بمفهوم رجال تعليمية التدريس)، البحث العلمي، عامل الجودة في الجامعات، تكوين الباحثين، العلاقة بين الجامعة والمؤسسة الاقتصادية، تحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات وابتكارات. تلك هي الأدوات التي تستكمل أداء منظومتنا التعليمية والتي ينبغي العمل على رفع مستواها.

مقالات ذات صلة