-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
قراءة في أبعاد الترسيم الميداني وتحديات الأمن الاستراتيجي

الجزائر- المغرب… من السيادة المرنة إلى الحزم في تأمين الحدود

الجزائر- المغرب… من السيادة المرنة إلى الحزم في تأمين الحدود

لم تعد الحدود الجزائرية المغربية، الممتدة على طول 1559 كلم، والتي تلتهم الصحراء منها أكثر من 1000 كلم، بتضاريس متباينة بين الرمال والواحات، مجرد خطوط إدارية صامتة تفصل بين دولتين جارين، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى بؤرة تُصدّر بين الحين والآخر أزمات حول السيادة والأمن. وفي وسط هذا المشهد، تبرز مناطق مثل “العرجة”، وواحات “فكيك” و”إيش”، ليس فقط كمناطق زراعية تحتضن أشجار النخيل ومنابع المياه، بل كجبهات متقدمة لإعادة تعريف مفاهيم الأمن القومي وضبط الحدود.

  1. 1. ما قبل الأزمة: نسيج اجتماعي عابر للحدود

لعقود طويلة، لم تكن مناطق الواحات الحدودية مجرد نقاط جغرافية معزولة، بل كانت تمثل نظاماً اجتماعياً متكاملاً يتحدى صعوبات البيئة والجغرافيا، وصرامة الترسيمات السياسية. فقبل تصاعد حدة التوتر بين الجزائر والمغرب، عاشت منطقة “العرجة” وواحات “فكيك” و”إيش” حالة من التماهي المجتمعي؛ حيث لم يكن “خط الحدود” بالنسبة للسكان المحليين من البلدين، سوى ممر رمزي يربط بين الأهل، بدل أن يفصل بينهم. كان النسيج القبلي، لا سيما قبائل “ذوي منيع” و”أولاد جرير” الممتدة من بشار الى الحدود ومنطقة العرجة وفكيك، ما يشكل امتداداً أنثروبولوجياً واحداً يمارس “الانتجاع” وحرية التنقل وراء الكلأ، مما جعل الحدود في وعيهم الجماعي فضاءً مفتوحاً لا خطوطاً فاصلة.

اقتصادياً وبيئياً، كانت هذه الواحات تعيش على “ثقافة المقايضة” والتكامل الفلاحي والحرفي، وبرزت رمزية التواجد حول نقاط الماء كعنصر مشترك وكتوحيد اجتماعي أساسي؛ حيث كانت منابع المياه ونظم السقي المبنية على “الفقارات” تُدار وفق أعراف الواحة الجماعية العابرة للحدود. مما جعل الأسواق الأسبوعية مراكز حيوية للاتصال والتبادل الثقافي قبل التجاري. هذا التعايش الفطري كان يستند إلى مفهوم الجيرة التاريخية الذي جعل الجزائر تمارس “سيادة مرنة” على الحدود، ونبلاً سياسياً واجتماعياً، تركت من خلاله هذه الأراضي في أيدي مغاربة لما زاد عن 50 سنة بعد ترسيم الحدود، إلا أن المغرب قرأ هذا النبل كحالة من “التراخي والضعف”، فبدأ في تغيير معالمها عبر بناء غرف زراعية وحفر آبار عميقة لفرض سيطرة مادية تسبق الترسيم الميداني.

  1. 2. المركزية القانونية: السيادة الدولية فوق ادعاءات الأفراد

إذا كانت الروابط الاجتماعية قد منحت المغرب “مهلة إنسانية” استمرت لنصف قرن، فإن القانون الدولي يقطع الطريق على أية محاولة لتحويل هذا التسامح الجزائري إلى حق سيادي مغربي مكتسب. حيث يرتكز الموقف الجزائري في واحات التماس إلى أرضية قانونية صلبة لا تقبل التأويل، جوهرها اتفاقية ترسيم الحدود الموقعة في إفران بتاريخ 15 جوان 1972، والتي اعتمدت مبدأ الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو المبدأ الذي يدعمه كل من الاتحاد الافريقي، ومنظمة الأمم المتحدة، والتي جاءت بعد عمل جد مضني للجنة المشتركة بين البلدين، التي سهرت على تحديد دقيق للحدود، ولم يترك أي تحفظ أو اعتراض، وهي المصادق عليها من الطرفين والمودعة لدى الأمم المتحدة؛ حيث صادقت عليها الجزائر سنة 1973، بينما تأخر المغرب في المصادقة عليها إلى غاية سنة 1992. هذه المعاهدة ليست مجرد تفاهمات عابرة، بل هي “ترسيم سيادي” نهائي حدد الإحداثيات الجغرافية بكل دقة؛ ومن الناحية القانونية، فإن مصادقة المغرب عليها وصدورها في جريدته الرسمية (العدد 4156 بتاريخ 22 جوان 1992) يسقط أي ادعاء تاريخي أو جغرافي لاحق. فمنذ ذلك التاريخ، أصبحت منطقة “العرجة” وواحة “إيش” قانوناً وجغرافياً أراضٍ جزائرية خالصة، وما الوجود المغربي فيها طيلة عقود إلا “تواجد مؤقت” بموجب نبل جزائري، وليس حقاً ناشئاً عن ملكية.

إن مناورة المغرب بورقة “ملكية الأفراد”، تسقط أمام القانون الدولي، الذي يقر قاعدة ذهبية تفصل بين “الملكية الخاصة” و”السيادة الإقليمية”: (المعاهدات الدولية لترسيم الحدود تسمو على عقود الملكية الفردية). إن عقود الملكية التي قد يحوزها هؤلاء هي رابط قانوني “مدني” يربطهم بدولتهم المغرب؛ كأفراد، ولا أثر قانوني لها في مواجهة سيادة الدولة الجزائرية على إقليمها. وبما أن الحكومة المغربية هي من وقّعت وصادقت على الترسيم، الذي يضع هذه الأراضي ضمن السيادة الجزائرية، فإنها تظل المسؤولة الوحيدة عن تعويض هؤلاء الفلاحين المغاربة أو إعادة توطينهم، وهي التبعات القانونية والاجتماعية والأخلاقية التي يفرضها التصديق على الاتفاقية، والتي تحاول المغرب التنصل منها.

إن الجزائر كدولة مؤسسات، تتعامل مع “دولة” جارة التزمت بعهود دولية، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن ترهن أمنها القومي أو حدودها التاريخية لمطالبات فردية تقع تبعاتها على عاتق الطرف المغربي حصراً، خاصة وأن القانون الدولي لا يعترف بـ “التقادم المُكسِب” في قضايا الحدود الدولية المرسمة باتفاقيات.

  1. 3. الردع الميداني: مواجهة “الحرب الهجينة

لم يعد الترسيم الميداني للحدود في واحات التماس مجرد إجراء إداري تقني، بل أضحى ضرورة أمنية تمليها تحديات “الحرب الهجينة” الموجهة ضد الجزائر؛ عبر جبهتها الغربية. لقد أثبتت الوقائع الميدانية أن “السيادة المرنة” التي مارستها الجزائر لعقود بدوافع إنسانية، استغلتها شبكات الجريمة المنظمة كغلاف لوجستي للتهريب، ولتمرير سموم المخدرات؛ خاصة بعد تقنين المغرب لزراعة هذه السموم سنة 2021؛ وما العملية النوعية الأخيرة التي نفذتها وحدات الجيش الجزائري ببشار في فيفري 2026 ، والتي أدت إلى القضاء على 3 مهربين مسلحين مغاربة وإلقاء القبض على الرابع وحجز 8 قناطير من هذه السموم، إلا تأكيداً على هذا التهديد القائم.

وفي وجه آخر لهذه الحرب الهجينة تبرز محاولة الخنق المائي، حيث عمد المغرب إلى بناء سدود ومنشآت مائية تهدف إلى قطع تدفق مياه السيول نحو سد “جرف التربة” ببشار، في محاولة يائسة لاستخدام المجاري المائية المشتركة كسلاح للابتزاز السياسي، ولتغيير الواقع البيئي للمنطقة والسكان، وهو اعتداء على الأمن المائي للجزائر، ما يُجرمه القانون الدولي.

إن استعادة السيادة الميدانية الكاملة على الحدود وتطهير مناطق التماس من التواجد غير القانوني، هو رد استراتيجي حاسم يضع حداً لسياسة فرض الأمر الواقع؛ فلم يعد مسموحاً بوجود “مناطق رمادية” تعيق الرؤية الأمنية الشاملة، وبما يمكن أن يوجد مرابض لمافيا الجريمة المنظمة القائمة على التهريب والمخدرات.

  1. 4. البعد الجيوسياسي: التحالفات المشبوهة وحتمية اليقظة

لا يمكن فصل الصرامة الجزائرية في ضبط حدودها عن السياق الجيوسياسي المتفجر، حيث انتقل التهديد إلى استهداف يستعين بتحالفات عدائية دخل فيها الكيان الصهيوني كطرف مباشر ومحرض. لقد شكل ملف التجسس الرقمي نقطة التحول الكبرى؛ فبعد فضيحة برمجية التجسس”بيغاسوس” الصهيونية والمتورط فيها المغرب، وثبوت استهداف هواتف مسؤولين جزائريين، ومع واقع محاولات الاختراق المتكررة للمنصات الرسمية الجزائرية، رسخت القناعة بضرورة إغلاق الحدود المادية بإحكام لمنع أي اختراق تقني أو لوجستي. فالوجود الاستخباراتي للكيان على الأراضي المغربية لم يعد تكهناً، بل واقعاً رسمته زيارات مسؤولي الكيان وتوقيع اتفاقيات عسكرية وأمنية؛ وهو ما يفرض رقابة صارمة لمنع استغلال مناطق التماس كمنصات متقدمة للرصد أو كـ “حصان طروادة” للاختراق.

تعد واقعة رفع علم الكيان الصهيوني في منطقة “بين لـجراف” بالقرب من السعيدية بتاريخ 22 جانفي 2026، في الواجهة المباشرة للحدود الجزائرية، سابقة خطيرة ورسالة استفزاز صريحة كشفت عن حجم الاختراق وطبيعة الأجندات التي تُدار على أراضي المغرب. وأمام هذا المشهد، تتعامل الدولة الجزائرية بـ “يقظة استراتيجية” تدرك فيها أن تأمين الحدود الجغرافية هو في جوهره تأمين للقرار الوطني المستقل. ويؤكد هذا الفعل أن مبدأ المعاملة بالمثل والصرامة الميدانية هما الرد الوحيد الممكن على سياسة “الاستقواء بالخارج” لضرب الأمن الاستراتيجي الجزائري.

  1. 5. أمن التنمية: السيادة كقاعدة للانطلاق الاقتصادي والربط الوطني

لا ينفصل الحزم في “تبيين الحدود” وإزالة المناطق الرمادية عن الطموح الاقتصادي والتنموي الذي تنتهجه الجزائر؛ فاستعادة السيطرة على الحدود عبر واحات التماس، هو في جوهره تحقيق للشرط اللازم لتحقيق واحد من أضخم المشاريع الاستراتيجية في القارة. إن تأمين الجهة الغربية للبلاد يعد ضرورة قصوى لحماية المشروع العملاق منجم الحديد غار جبيلات، وخط السكة الحديدية الجديد (وهران-بشار-تندوف) والذي صُمم ليكون القناة الناقلة لثروات المنجم. وإلى جانب ثقله الاقتصادي، يبرز كمشروع اجتماعي رائد يهدف إلى فك العزلة وربط سكان الصحراء بمناطق الشمال، معليا مبدأ الوحدة الوطنية والاندماج المجتمعي الشامل.

ومن منظور أمني سيادي، لا يمكن رهن استقرار هذه الاستثمارات الكبرى بوجود ثغرات أمنية حدودية، أو تواجد أجنبي غير منضبط بالقرب من مسارات لوجستية وحيوية كبرى؛ فـ “أمن التنمية” يقتضي أن تكون كافة هذه المناطق تحت الرقابة الأمنية الصارمة والسيادة الوطنية الكاملة.

إن تحويل الواحات من نقاط تماس هشة إلى حدود آمنة داعمة للاقتصاد، والربط الاجتماعي. وبذلك، ينتقل مفهوم “الحدود” من مجرد خطوط دفاعية إلى فضاءات سيادية حامية للتنمية ومؤمَنة بقوة القانون، وبذلك حماية القرار السياسي الوطني من أي ارتهان أو ابتزاز.

خلاصة:

تظهر عملية الترسيم الميداني للحدود الغربية، أن الجزائر اختارت تقديم “الأمن والسيادة” كخيار استراتيجي، يسعى للمزاوجة بين الحزم الأمني والآفاق التنموية الواعدة، مع الحفاظ على اعتبارات “حسن الجوار” التي أثبتت الوقائع دائماً هشاشتها. وبينما يحاول المغرب المناورة بالورقة الإنسانية للفلاحين المغاربة لتبرير تقصيره التاريخي، تظل الحقائق ثابتة: أن الدول توقع الاتفاقيات لتنفيذها، والحدود تُرسّم لتُحترم، وأن مسؤولية تعويض المواطنين وحماية حقوقهم تقع على عاتق دولتهم التي صادقت على ترسيم الحدود.

لقد بعثت الجزائر عبر مؤسساتها رسالة حاسمة مفادها أن زمن “المناطق الرمادية” قد انتهى؛ فإرساء السيادة الكاملة هو الضمان الوحيد لمواجهة الحرب الهجينة، وقطع الطريق أمام محاولات “التواجد الصهيوني” على حدودنا، وهي شرط لازم لإرساء المشاريع الاقتصادية والتنموية الكبرى على الجهة الغربية للبلاد. وهي تأكيد على أن الحدود ليست مجرد خطوط جغرافية، بل هي حرم سيادي وأمني واقتصادي يقع في مصف “الأمن الاستراتيجي” الذي يعلو ولا يُعلى عليه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!