-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
قمة مرتقبة مع إسبانيا وتصفير كل المشاكل في جوارها الجنوبي:

الجزائر تعيد بناء عمقها الاستراتيجي من الساحل إلى المتوسط

محمد مسلم
  • 37
  • 0
الجزائر تعيد بناء عمقها الاستراتيجي من الساحل إلى المتوسط
ح.م
تعبيرية

تتحرك الجزائر على أكثر من صعيد من أجل إعادة بناء عمقها الاستراتيجي، انطلاقا من قلب منطقة الساحل والصحراء في الجنوب إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، وبالضبط من مثلث قاعدته كل من إيطاليا وإسبانيا، ورأسه العملاق الأوروبي ألمانيا التي عادت بقوة إلى المشهد الجزائري مدفوعة بالتحولات الجيوسياسية التي فجّرتها الحرب الروسية – الأوكرانية وما خلفته من تداعيات خطيرة على قطاع الطاقة في القارة العجوز.
هذا المكسب الجيوسياسي كان من بين مظاهره اعتراف رئيس الوزراء النيجري، علي محمد الأمين زين، بالدور الذي لعبته الجزائر من أجل جلب الاستقرار إلى منطقة الساحل وما خلفه من انعكاسات إيجابية على دول المنطقة، وفي مقدمتها دولة النيجر، التي تمكنت مؤخرا وبدعم من دول صديقة، من بينها الجزائر في وأد انقلاب عسكري كاد أن يعيد المشهد إلى مربعه الأول.
في حين هاجم المسؤول النيجري الدور المخرب لفرنسا في المنطقة، متهما المستعمر السابق للمنطقة، بقيادة “محاولة خبيثة” لزعزعة استقرار منطقة الساحل، وذلك استنادا إلى معلومات قال إنها “موثقة”، كما وجّه اتهامات خطيرة في حق باريس قائلا إن ما يسميه البعض “إرهابا” في المنطقة هو “هندسة ساخرة لإعادة الاستعمار”، الطامع في “استغلال الموارد المهمة الموجودة في باطن الأرض”.
وبعدما كانت إستراتيجية الجزائر تقوم على ضرورة حماية حدودها، ها هي اليوم تنتقل إلى سياسة إعادة تشكيل محيطها الاستراتيجي، وذلك انطلاقا من منطقة الساحل، جسده عودة التواصل مع مالي، وزيارة الوزير الأول، سيفي غريب، إلى باماكو في 14 سبتمبر الجاري، وكذا التطور اللافت في العلاقة مع النيجر، وهي الملاحظة التي كانت قد توقفت عندها صحيفة “لوموند” الفرنسية في مقال لها الأسبوع المنصرم.
وبموازاة نشاطها الدؤوب جنوبا، تتحرك الجزائر شمالا أيضا، وبالضبط باتجاه إسبانيا، بحيث ينتظر أن تلتئم اللجنة المشتركة العليا الجزائرية – الإسبانية الشهر المقبل، وفق بيان الخارجية الجزائرية في أعقاب لقاء وزير الشؤون الخارجية والإفريقية والجالية الوطنية بالخارج، أحمد عطاف بنظيره الإسباني، خوسي مانويل ألباريس، على هامش نشاط الوزيرين بهيئة الأمم المتحدة نهاية الأسبوع المنصرم.
وبعد أزمة عاصفة تسبب فيها تغير الموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية، عادت العلاقات بين الجزائر ومدريد مدفوعة بهواجس ملفات ثنائية تحركها مصلحة الطرف الإسباني خاصة على صعيد الطاقة والاقتصاد والهجرة غير الشرعية والآفات المرتبطة بها مثل الجريمة المنظمة والمسائل الأمنية، وهي المسائل التي تمت مناقشتها خلال زيارة رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز إلى الجزائر في العشرين من شهر جويلية المنصرم.
وقبل أن يستوي محور الجزائر – مدريد، كان محور الجزائر – روما قد شدّ انتباه الشركاء الأوروبيين، بل أغراهم بضرورة تحويل أنظارهم التي كانت مشدودة سابقا نحو روسيا قبل الحرب مع أوكرانيا، مدفوعة بالحاجة الملحة إلى الطاقة (الغاز) إثر انقطاع السبل مع موسكو، حيث زار الرئيس، عبد المجيد تبون، برلين بدعوة من قبل نظيره الألماني، فرانك فالتر شتاين ماير، في جويلية الماضي، وهي الزيارة التي نقلت العلاقة من تعاون اقتصادي تقليدي إلى شراكة إستراتيجية أوسع تشمل الطاقة والأمن والتكنولوجيا والصناعة.
وضمن هذه الإستراتيجية تبرز أيضا القرارات الحاسمة التي اتخذتها الجزائر مؤخرا، وعلى رأسها قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة في العاشر من سبتمبر الجاري، وهو القرار الذي أضاف بعدا جديدا إلى إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، خصوصا في ظل ثبوت تورط أبو ظبي في استهداف المصالح الحيوية للجزائر في شمال غرب القارة الإفريقية (الصحراء الغربية) ومنطقة الساحل وبدرجة أقل موريتانيا، التي تقع تحت ضغوط هجينة من أجل الانحياز لمعسكر التطبيع في المنطقة، والذي بات يعيش وضعا صعبا بسبب العزلة المسلطة عليه من قبل محيطه العربي والإسلامي.
هذه الإستراتيجية القائمة على رؤية جديدة بمعطيات محيّنة، مكنت الجزائر من إعادة وصل الجبهة المتوسطية في الشمال مع عمقها الإفريقي في الجنوب، غير أن اللافت فيها كان عزل بعض القوى التقليدية في المحيط المتوسطي، التي تعمل ضمن مقاربة أخرى لا تراعي المصالح الحيوية للجزائر، والإشارة هنا إلى فرنسا التي انكشفت مشاريعها المعادية بشكل فج في نهاية جويلية 2024، عندما قررت الانخراط بشكل مستفز ضمن أطروحة النظام المغربي، الذي بات في حكم المؤكد بأن باريس تعتبر منفذا حيويا لضرب الاستقرار في القارة السمراء.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!