الرأي

الجزائر زاوية العرب

سهيل الخالدي
  • 3107
  • 10

من الحقائق المؤكدة في التجربة الجزائرية خلال العقود الفارطة أن الجماعة الفرنكوفونية؛ التي تصدت لقيادة هذا الوطن؛ لم تحسن قيادته؛ مثلها مثل الجماعة الأنجلو ساكسونية في دول المشرق. وأكبر دليل على ذلك هو أن الناس في هذا الوطن العربي الكبير؛ يتصادمون اليوم باسم مكوناتهم.

 وها نحن نرى محاولة لإعادة التصادم في الجزائر تحت عنوان سلفي وصوفي. وتصادم المسجد والزاوية مصيره – كما علمتنا التجربة – إلى فشل، لأنه تصادم كان من صنع السياسيين منذ القرن الهجري الثاني حتى هذا الخامس عشر الذي نحن فيه صنع في u s a في محاولة لإنقاذ حضارة الغرب التي أخلت بتعادلية الكون والكائن وصار الإنسان لديها ذا بعد واحد – هو البعد المادي – كما قال عالم الاجتماع الأمريكي هربرت ماركوز ذات يوم.

ولأن العقل السياسي للحضارة الغربية عقل مصرفي وهو العقل الذي حرض قبل قرن أو أكثر المسجد السني ضد الزاوية الصوفيه التي كان يحركها العثمانيون، قلب صورة عملته وهاهو يحرك الزاوية الصوفية ضد المسجد. وحتما سيفشل مجددا في الجزائر وربما يغرق حتى الأذقان كما غرق في دجلة العراق ونيل مصر ورمال مالي.. فهذا المصرفي يعتقد أن “البترو دولار” هو الرب الذي يمكن أن يهرب إليه ويعيد التوازن والتعادلية لمجتمعه وحضارته، وهو اعتقاد غير مؤسس، فالمسيح طرد الصيارفة من المعبد وليس من المتوقع أن يعيدهم إليه الصوفي وينجح في ما لم ينجح فيه السلفي. وهاهم الصيارفة والسلفيون والصوفيون يغرقون في البلاد التي يديرها الأنجلو ساكسون والفرانكوفون سواء بسواء. فقد سرق الصيارفة وأتباعهم الكنيسة ثم سرقوا المسجد، وهاهم في حالة اختلال لن تنقذهم منها بوكو حرام ولا داعش ولا الأزهر. في الوطن العربي وحزامه الثقافي على الآقل.

لماذا؟

 لأن الروح هي فلسفة العرب الأساسية وهي التي يحتاجها الغرب لإعادة توازنه بعد أن افتقد روحه، وهذه الروح العربية موجودة في المشرق أرض الأنبياء وفي المغرب أرض الأولياء، وإذا حددنا المكان قلنا فلسطين أرض الأنبياء والجزائر أرض الأولياء.. نعم الجزائر هي الزاوية الكبرى في هذا المسجد الممتد من حضرموت حتى شنقيط، وتعادلية الكون والكائن في هذا المكان الذي تشكل الجزائر ركنه الركين، ولم يفهم الفرنكوفون قيمة الجزائر وما يعطي مكانها لإنسانها من ثقافة هذه الثقافة التي تكسرت عليها رماح الروم.. نعم انهزمت فرنسا والغرب ليس بروايات البير كامي بل بنصوص عبد الحميد بن باديس كما لم ينهزم الصليبيون في القدس بسياسات أبي يعقوب المنصور بل بذراع بومدين الغوث وسيف صلاح الدين الأيوبي.. نعم إن الجزائر زاوية العرب في الزمن الماضي والزمن الآتي، وهي فعلهم المضارع فهذه ثقافة المكان التي صنعت شخصية الجزائر أرضا وبشرا، وهي الشخصية التي لم يفهمها الفرنكوفون طوال العقود وأداروها لحساب غيرها في الاقتصاد واللغة والثقافة حتى صارت وكأنها مغارة علي بابا، كل من فيها سارق أو أنها غابة كل من فيها قاتل.. وهاهم أهل السلف وأهل التصوف وكأنهم يعملون لحساب ذلك الصيرفي، يريدون إعادته إلى المعبد الذي طرده منه الجزائريون بجدارة دمهم ويريدون هدم الزاوية زاوية المسجد الممتد من شنقيط حتى حضرموت، أو كما قال مالك بن نبي من جاكرتا حتى طنجة.. ألم يتعلموا أن كل من يخوض معركة غيره يخسر نفسه.. فلا تلعبوا بزاوية العرب إنها أكبر منكم ومن ظهيركم.. يبفى أن أقول للقارئ الكريم أن الجزائر زاوية العرب كبحث في ثقافة المكان هو عنوان كتاب أنجزته، وهو الآن في رتوشه الأخيرة، عملت فيه رغم الأمراض التي أعانيها، لأني في هذا المسجد الكبير أتكئ على هذه الزاوية العظمى ولست بسلفي ولا صوفي كما تعلمون.

مقالات ذات صلة