الرأي

الجزائر قارة الأفكار والعلوم… والأديان

لا يجب اختصار جملة “الجزائر قارة”، في الجغرافيا المترامية، من قلب صحراء إفريقيا الكبرى، إلى جبال جرجرة البيضاء بالثلوج والساحل المتوسطي الأخضر، أو لما تمتلكه من ثروات متنوعة، وإنما هي قارة بالذين نبتوا علما ومعرفة بأرضها، وبكونها بلاد سلم وسلام، تتعايش فيها كل الأديان والأفكار والثقافات.

ومن فخر الجزائر، أن يكون رمز الفكر المسيحي النيّر، ومَثَل الكثير من رجالات القارة العجوز، من مواليدها، ومن أبنائها، الذين عاشوا في أرضها وقدّموا للإنسانية الفلسفة والفكر، ومن فخرها أيضا أن بابا الفاتيكان الساهر على روح المسيحية الكاثوليكية في العالم، سبقته أشواقه وأحاسيسه إلى الجزائر قبل أن تطأ قدماه أرضها، لأن مثَله الأعلى هو القديس أوغستين، الذي نهل من هوائها وطبيعتها فأنبت ما ينعم به مسيحيو المعمورة.

لا يحتاج تاريخ الجزائر إلى مزيد من البصمات، ولا تحتاج جغرافيتها إلى كثير من الألوان، وأجمل ما فيها أن الشهادات والإشادات والاعترافات بعراقة الجزائر وما تكتنزه من خيرات، وما قدّمته للبشرية، يأتي دائما من بلدان أخرى.

لقد أشادت السفارة الأمريكية بالجزائر بمعاهدة السلام والصداقة بين البلدين التي جرى إمضاؤها في خريف 1795 ونشرت نسخة من المعاهدة، وجاء بابا الفاتكان ليون الرابع عشر، ليذكِّر العالم بأن ملهم الفكر المسيحي وُلد في القرن الخامس الميلادي في سوق أهراس وتعلم وأنار سبيل المسيحيين من الجزائر وتوفي ودُفن في عنابة.

لم تكن الجزائر أبدا عدوّا للأديان التي تواجدت فيها من مسيحية ويهودية، ولكنها كانت تدافع عن نفسها عندما أرادوا قبرها ونسف هويتها، فكانت ثورتها وطردها للمستعمِر والمتربصين بها، وليس لبقية الأديان، وقول رئيس أساقفة الجزائر إن الجزائر بلد انفتاح وحوار، هو في الحقيقة تذكير بما يعلمه الجميع، واحتفال سفارة الولايات المتحدة بمعاهدة سلام وصداقة عمرها قرابة قرنين ونصف، بين أمريكا والجزائر، هو من باب تذكير من تناسى وحاول أن يمحو من التاريخ بلدا رفض دوما أن يتحدث عن نفسه، واختار لقافلته أن تسير في هدوء، ولمن يريد أن يطلق أي صوت يريده، فله ما “يريد”.

لقد غادر الأمير عبد القادر الجزائر بعد سنوات من حربه لفرنسا وليس للمسيحيين، وفي منفاه بدمشق عندما حدثت الفتنة الطائفية سنة 1860 أنقذ آلاف المسيحيين، وفتح باب بيته وحماهم، وصاح في وجه من أرادوا النيل منهم: “لن تلمسوهم إلا فوق جُثثنا”، وهو ما لم تقدِّمه فرنسا لمسيحيي الشام.

تحقق الزيارة التي بدأت الاثنين لبابا الفاتيكان مكاسب استراتيجية هامة للجزائر، من جميع النواحي، فهي تُحرج الأصوات التي تتحدث أحيانا عن حرية الأديان في الجزائر بجهل، وتؤكد الأمن الذي تتمتع به الجزائر، فتستشعر العالم بأنها عملاقٌ قادم في جميع المجالات.

منحت الجزائر أسباب النجاح للمفكرين والفلاسفة والعلماء من كل الجنسيات، بما في ذلك فرنسا التي نال من أبنائها جائزة نوبل من وُلد وتعلم في الجزائر، من أمثال ألفانس لافران في الطب وطنوجي في الفيزياء وآلبير كامي في الأدب، وهي الآن تحقق الكثير من الفتوحات العلمية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، وتقول لكل مستثمر جاد إنها بلاد الأمان، كما بصم على ذلك البابا ليون الرابع عشر.

مقالات ذات صلة