الرأي

الجزائر وأمريكا: ما هي خلفيات المسار الجديد؟

بقلم: نبيل كحلوش
  • 1893
  • 0

وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها إمبراطورية تتربع على نصف العالم تقريبا بنحو 750 قاعدة عسكرية في أكثر من 80 دولة.. وهذا ما ألقى عليها أعباء إضافية؛ فدورُ الإمبراطورية لا يكمن فقط في مسألة الهيمنة، بل أيضا في إدارة شتى الأزمات في العالم وبالأخص تلك التي لها طابع توازن القوى، إذ أنّ كل إقليم ستظهر فيه قوى متنافسة تسعى للسيطرة عليه، مما يعني فقدانا للتوازن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فانتشار بؤر التوتر في العالم يعني عجز هذه الإمبراطورية عن فرض منطق النظام فيه وهذا سيفقد نموذجها مصداقيته بأنها قادرة على حل أزمات العالم ونشر السلام والاستقرار الاستراتيجي فيه تحت مظلتها.

الإشكالية إذن هي بأي شكل ستوازن أمريكا العالم لتحقق فيه استقرارا نسبيا: هل بالتدخل المباشر نحو مناطق التوتر، أو بتوكيل دول إقليمية تحقق الضبط الاستراتيجي في منطقتها؟
المسار الأول محفوفٌ بالمخاطر ويلقي على أمريكا أعباء كبرى اقتصادية وعسكرية وحتى دبلوماسية أيضا تمسُّ بمصداقيتها، فبعد تجربتها في التدخل المباشر أثناء الحرب العالمية الثانية وقدرتها على قلب الموازين لصالح الحلفاء، حاولت استنساخ التجربة ذاتها بعد الحرب أيضا، وهذا ما جرّبته في حرب الفيتنام وكذا أفغانستان والعراق والصومال.. ولكن النتائج لم تكن دوما هي نفسها، فإذا صفّق العالم للأمريكان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فإنه لم يستطع التصفيق نفسه أمام ذهوله من النتائج المروِّعة للتدخلات الأمريكية في بؤر توتر جديدة من العالم.
أما المسار الثاني، فمن أجل الأسباب السابقة كان هو الأكثر ترجيحا، أي توكيل دول إقليمية تنوب عن التدخُّل الأمريكي المباشر.
ولكن هل هذا يعني انخراطا في الصف الأمريكي، أم هو تنازل من أمريكا نفسها؟
ينفتح النقاش على اتجاهين لفهم هذا الواقع الجديد -أي واقع الدور الإقليمي للدول- اتجاه يذهب نحو دور إقليمي ينوب عن أمريكا نفسها، واتجاه يذهب نحو دور إقليمي ينوب عن التدخّل الأمريكي نفسه.
ولهذا السبب تلقّت بعض المفاهيم ضبابية شديدة في التفريق بين الاتجاهين.
الدول الإقليمية التي أرادت الانخراط في الصف الأمريكي هي الدول التي لها قناعة تامة بالمشروع الأمريكي ورؤيته للعالم. ومن أجل ذلك تنخرط في هذا المسار لتنال أكبر قدر من المساعدات المالية والعسكرية من مركز الإمبراطورية حتى تضمن ولاء الإقليم لصالح السياسة الأمريكية، أي ليس الولاء بالمفهوم الأخلاقي ولكن بالمفهوم الاستراتيجي، هو عدم ظهور تحالف أو توجه جيوسياسي مناهض لأمريكا في ذلك الإقليم، وعدم تحوّله أيضا إلى ميدان وساحة تشتغل فيها الأطراف الأخرى المناوئة لها.

ويمكن أخذ أمثلة عن ذلك في كل من المناطق التي يتواجد فيها الحلفاء الإقليميون من مثل: الكيان، السعودية، قطر، البحرين، الكويت، الإمارات، الهند، كوريا الجنوبية، ألمانيا، بلجيكا، بولندا، المغرب، ساحل العاج، إثيوبيا، كندا… وغيرها.
أما الدول الإقليمية التي ليست منخرطة في المشروع الأمريكي، فإنها في الوقت نفسه لم تكن قادرة على الدخول في صدام مباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية ولكن لها من الخصوصيات الجيوسياسية، سواء بسبب مكانها الجغرافي أو حساسيتها الاقتصادية، ما مكنها من تقديم طرح بديل غير تقليدي وهو التعاون غير الاندماجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في إطار ترتيب المناطق الإقليمية بشكل يحقق نتيجتين: الأولى وهي عدم إلحاق ضرر بنيوي بالمصالح الأمريكية في تلك المناطق، والثانية هي عدم قيام أمريكا بتدخّل تقليدي مباشر في مناطق تعتبر ذات عمق حيوي بالنسبة لتلك الدول الإقليمية.
ولهذا، فإن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية إذا كانت تتميز مع النوع الأول من الدول الإقليمية بالصفة المباشرة والتدخُّل المعلن والترتيب المشترك والإشراف الدائم، فإنَّ سياستها مع النوع الثاني من الدول الإقليمية لا يتميز بذلك حصرا، بل له طابعٌ مؤسساتي أكثر وتنسيقي مع الأطراف المعنية وأقلّ ديناميكية وأكثر بروتوكولية وهذا بسبب الخصائص الجيوسياسية لهذه البلدان وحساسية المصالح الأمريكية هناك والتي يحذر كل طرف من المساس بها قصد ألا يسبّب ذلك توترا يؤدي ليس فقط بالولايات المتحدة الأمريكية إلى التدخل المباشر بل ويحرك تلك الدول الإقليمية الأخرى نحو محاولة أخذ دور هذه الدول وإقصائها من الرقعة.
ومن ضمن الدول التي تنتمي إلى هذا الصنف الثاني يمكن ذكر كلٍّ من: تركيا ومصر والجزائر وجنوب إفريقيا وسلطنة عمان والبرازيل…
لذلك، فإن فهم السياسة الجزائرية تجاه أمريكا ينبغي أن يكون وفق هذه الشروط الموضوعية: فالولايات المتحدة الأمريكية لا تريد من الجزائر أن تشكّل ذلك الطرف الذي يؤثر على الإقليم بشكل يضرُّ بمصالح أمريكا أو يجعله ساحة لظهور وعمل المحاور الدولية المناوئة لها. ولكن في الوقت ذاته لا تريد الجزائر أن تصبح دولة وكيلة للسياسة الأمريكية في المنطقة وتفقد بذلك استقلالها الاستراتيجي وتفقد معه مصداقية ثورتها أمام شعبها، مما يهدد باختلال داخلي عنيف يضرب استقرارها.

وتُدرك الولايات المتحدة الأمريكية أيضا خصائص الإقليم المغاربي والشمال الإفريقي عموما، مما يمكن استنتاجه من ذلك أنها تدرك موقف الجزائر من الحضور الأجنبي على حدودها وما يجلبه من توتّرات واضطرابات، لذلك فإن سياستها تجاه الجزائر هي سياسة (تعددية الأطراف)، أي الإبقاء على مصالح معينة لأمريكا تحت التقدير الاستراتيجي للجزائر في كيفية المحافظة عليها وبالأخصّ في الجوانب الاقتصادية والأمنية. بمعنى عدم التدخل في الطريقة التي تراها الجزائر في كيفية فعل ذلك، ولكن مع الوثوق بموقف الجزائر من تلك المصالح. وبالمقابل، فإن الجزائر تضمن بذلك عدم تدخّل أمريكي مباشر في الإقليم من دون ضغط خارجي لإجبارها على الانخراط في مشروع أمريكا أو رؤيتها للعالَم.*

فهم السياسة الجزائرية تجاه أمريكا ينبغي أن يكون وفق هذه الشروط الموضوعية: فالولايات المتحدة لا تريد من الجزائر أن تشكّل ذلك الطرف الذي يؤثر على الإقليم بشكل يضرُّ بمصالح أمريكا أو يجعله ساحة لظهور وعمل المحاور الدولية المناوئة لها. ولكن في الوقت ذاته لا تريد الجزائر أن تصبح دولة وكيلة للسياسة الأمريكية في المنطقة وتفقد بذلك استقلالها الاستراتيجي وتفقد معه مصداقية ثورتها أمام شعبها، مما يهدد باختلال داخلي عنيف يضرب استقرارها.

إن النتائج المباشرة لهذه السياسة المتبادلة بين الطرفين ستكون على عدة مستويات:
أولا، المستوى الاقتصادي: فالجزائر بإمكانها الحفاظ على مصالح حلفاء أمريكا في أوروبا من خلال عدم الإخلال بالالتزامات الطاقوية، وفي الوقت ذاته فإنها تعزّز تجارتها في إطار نشاطها الاقتصادي.
ثانيا، المستوى السياسي: بذلك تضمن الجزائر عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدولة سواء فيما يتعلق برسم السياسات العامة أو التوجُّهات الفكرية والسياسية والثقافية.
ثالثا، المستوى الأمني: للولايات المتحدة الأمريكية تدخلاتٌ واسعة في العالم، وهذا ما يعني أن الجزائر ستكون متوجسة من المساس بأمنها القومي والحدودي من طرف أي تحرك عسكري أمريكي على حدودها، ولذا فإن نتائج هذه السياسة هي الإبقاء على العمل المنسق بين الطرفين دون تصرّف أحادي يضر بأحد دون الآخر.
أما على مستوى السياسة الخارجية، فإن هذا يضمن استقلالية لكل طرف عن الثاني، وذلك لأن المصالح المبنية على هذه الاستقلالية قد تكون أكبر من تلك التي ستُبنى على التبعية أو الانخراط في المشروع الأمريكي بشكل مباشر؛ إذ أنّ استقلالية الجزائر بالنسبة لأمريكا هي استقلالية مرتبطة أيضا بعدم التبعية لأي محور آخر مناهض لأمريكا، أي عدم الانخراط في مشروع آخر يكون ذا طابع تصادمي وتناقضي مع المشروع الأمريكي، وقد يبدو هذا على شاكلة (عدم الانحياز) مثلما كان في السابق، ولكنه اليوم يبدو أكثر تطوُّرا ونضجا، أي ليس فقط عدم الانحياز ولكن أيضا الاتفاق على ضمانات مشتركة ومتبادلة للحفاظ على هذا الوضع من الحياد من دون إخلال بالمصالح الوطنية للدولة الإقليمية.
من هذه الزاوية، يمكن فهم الموقف الجزائري من عدة قضايا في العالم وعلى رأسها القضية الفلسطينية، إذ تدرك الولايات المتحدة الأمريكية بأن توجُّهاتِ الجزائر في هذه القضية ليست بالضرورة توجُّهاتٍ مندمجةً أو منصهرة مع استراتيجيات بعض المحاور في الشرق الأوسط، وكذا ليست بالضرورة توجهات مناهضة أو معادية لأمريكا، وأيضا هي ليست توجهات ترفض بالضرورة الحلول السلمية. وبهذه الرؤية الأشمل يمكن فهم موقف الجزائر مع فهم أيضا وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية.
وعليه، فإن المستقبل بين الطرفين سيكون مبنيًّا بالدرجة الأولى على مدى حفاظ الفاعلين معا على مستوى التوازن في هذه العلاقة بتبنّيهما معا للركائز نفسها التي صاغت هذا الواقع الجيوسياسي بينهما.

مقالات ذات صلة