الجزائر 2025: هل نصنع المستقبل أم يكتبه غيرُنا؟
هناك لحظاتٌ في عمر الدول لا تُقاس بحجم الاحتياطي النقدي، ولا بعدد القوانين المصادق عليها، بل باتجاه البوصلة. قد تتحرك دولة لعقود دون أن تتقدم خطوة واحدة، وقد تقطع أخرى نصف الطريق بمجرد أن تغيّر زاوية النظر. الجزائر اليوم تقف في لحظة من هذا النوع: لحظة صامتة ظاهريًّا، لكنها صاخبة من الداخل. لحظة تتصارع فيها ذهنيتان: ذهنية تستند إلى الورق والانتظار، وذهنية أخرى تؤمن بأن المستقبل لا يُمنح بل يُبرمج.
العالم من حولنا يتغير بسرعة لا ترحم. القرارات التي كانت تُتخذ بالأمس بالحدس، تُتخذ اليوم بالبيانات. النفوذ الذي كان يُقاس بالمساحة والسلاح، يُقاس اليوم بالمعطيات والخوارزميات. والدول التي لا تنتج تقنياتها ستظل تشتري مستقبلها من غيرها. وفي زمن كهذا، تصبح السيادة الرقمية ليست إضافة تكنولوجية، بل شرط وجودي لاستمرار الدولة على خريطة العالم.
ومن هنا ينطلق السؤال المركزي
هل ستصنع الجزائر مستقبلها بنفسها أم تتركه يُكتب في مكان آخر؟
الأرقام التي صدرت في الربع الأول من سنة 2025 توحي بأن شيئًا ما بدأ يتغيّر؛ فقد حقق الاقتصاد الوطني نموًّا بـ4.5%، فيما ارتفعت القطاعات غير النفطية بـ5.7% مقابل تراجع المحروقات بـ2.8%. ورغم بساطة هذه الأرقام، إلا أنّ دلالتها كبيرة: الجزائر بدأت -ولو ببطء- تفك ارتباطها العضوي بسعر البرميل، الذي ظل لعقود يملي إيقاع الدولة، وميزانيتها، وخياراتها الكبرى.
الصادرات غير النفطية بلغت 5.1 مليارات دولار في 2023، وهو رقمٌ متواضع مقارنة بالإمكانات، لكنه يمثل تحوّلًا واضحًا عن مرحلة اقتصادية عاشتها البلاد لعقود. الصناعات التحويلية، الأسمدة، الحديد، والإسمنت، إضافة إلى المنتجات الفلاحية، بدأت تدخل الأسواق الدولية بثقة أكبر. ومع ذلك، يبقى حجم هذا التحول أقل بكثير مما تحتاجه الجزائر في عالم يتحرك بسرعة أكبر بكثير.
الصادرات غير النفطية بلغت 5.1 مليارات دولار في 2023، وهو رقمٌ متواضع مقارنة بالإمكانات، لكنه يمثل تحوّلًا واضحًا عن مرحلة اقتصادية عاشتها البلاد لعقود. الصناعات التحويلية، الأسمدة، الحديد، والإسمنت، إضافة إلى المنتجات الفلاحية، بدأت تدخل الأسواق الدولية بثقة أكبر. ومع ذلك، يبقى حجم هذا التحول أقل بكثير مما تحتاجه الجزائر في عالم يتحرك بسرعة أكبر بكثير.
لكن التحول الأهم ليس في الإنتاج، بل في العقل الاقتصادي. فالقانون وحده لا يبني اقتصادًا، بل ثقافة التنفيذ. ورغم المنصات الرقمية التي أطلقتها الوكالة الجزائرية للاستثمار، ورغم النوايا الحسنة للإصلاح، إلا أنّ المناخ الاستثماري لا يزال يعاني من ذات العطب: البيروقراطية التقليدية، والممارسات التي تُبطئ كل شيء. الجزائر لديها أكثر من 500 مشروع رقمي مبرمج بين 2025 و2026، لكن القدرة الحقيقية على الإنجاز هي التي ستصنع الفرق، لا كثرة الشعارات.
وفي المقابل، يظل التحدي الاجتماعي حاضرًا بقوة؛ فالبطالة ما تزال عند 12.7%، وترتفع إلى 29.3% بين الشباب، و25% بين النساء. هذا التناقض بين النمو والبطالة يكشف اختلالًا مزمنًا في بنية الاقتصاد: قطاع عامّ متضخِّم، وقطاع محروقات محدود التوظيف، وقطاع خاص يخشى المجهول أكثر مما يخشى الخسارة. هذه المعادلة لا يمكن أن تنتج وظائف، مهما كانت نسب النمو.
ثورة الذكاء الاصطناعي
في ديسمبر 2024، أعلنت الجزائر إستراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي. قد يظن البعض أن الأمر يتعلق بمجرّد خطة رقمية جديدة، كما تعوّدنا. لكنه في الحقيقة أول إعلان رسمي يؤكد أن الجزائر تنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها ركيزة سيادية، لا مجرد قطاع اقتصادي إضافي.
الإستراتيجية ترتكز على محاور تشمل البحث العلمي، وبناء القدرات، ودعم الشركات الناشئة، وتطوير البنية التحتية، والإطار القانوني، والحوكمة. الهدف واضح: أن تصل مساهمة الذكاء الاصطناعي إلى 7% من الناتج المحلي بحلول 2027، وأن يرتفع وزن الاقتصاد الرقمي إلى 20% بحلول 2030.
خطوات عملية بدأت تأخذ شكلًا واقعيًّا: 265 ألف كيلومتر من الألياف البصرية، وأكثر من 1400 موقع 4G، وبرنامج لنشر 7000 محطة إضافية قبل نهاية 2025، وصندوق استثماري بـ11 مليون دولار أطلقته اتصالات الجزائر، وأكثر من 750 شركة ناشئة معتمدة رسميًّا.
هذه ليست أرقامًا فقط؛ إنها ملامح ولادة اقتصاد جديد، اقتصاد يقوم على المعرفة والسحابة والخوارزميات، لا على الموارد الأولية وحدها. ومع ذلك، يبقى السؤال الحاسم: هل سيظل هذا التحول في حدود البنية التحتية؟ أم سيترجم إلى قدرة وطنية للابتكار؟
الجزائر أمام نافذة زمنية محدودة
الاتحاد الأوروبي بدأ تطبيق آلية الكربون الحدودية، ما يعني أن صادرات الجزائر من الإسمنت والأسمدة ستصبح أقل تنافسية. التوقعات الدولية تشير إلى احتمال تباطؤ النمو العالمي، ما سيضغط أكثر على الاقتصادات التي تعتمد على النفط. وخلال العقد القادم، سيصبح الطلب على الطاقات المتجددة أعلى بكثير من الطلب على النفط، بينما يتجه الغاز نحو سوق أكثر تقلبًا.
كل هذا يعني شيئًا واحدًا: الوقت ليس في صالح الجزائر.
النافذة الزمنية الصغيرة التي يمكن للبلاد استغلالها للتحول الاقتصادي لن تبقى مفتوحة طويلًا، والانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي معرفي يحتاج قرارات جريئة، وسرعة تنفيذ، وتحريرًا حقيقيًّا للمبادرة الخاصة.
الجزائر تملك كل المقومات: المال، والشباب، والموقع الاستراتيجي، والعمق التاريخي، والرغبة السياسية المعلنة. ما تحتاجه اليوم ليس المزيد من الخطط، بل إيقاع دولة تفكّر وتعمل بسرعة المستقبل، لا بسرعة الماضي، فالذكاء الاصطناعي لن ينتظر الجزائر، والعولمة لن تتوقف حتى نرتّب أوراقنا، والتحول الطاقوي سيعيد تعريف القيمة الاقتصادية لكل ثروة.
السؤال لم يعد: هل نملك الموارد؟ بل: هل نملك القدرة على تحويل الموارد إلى مستقبل؟ والجواب ما يزال قيد الكتابة، والقلمُ ما يزال في يد الجزائر.