الرأي

الجلي والمستور في صياغة العلية للدستور

حبيب راشدين
  • 5316
  • 20

عندما تتجاهل النخبة العربية والإسلامية سوق ميراث الأمة الفقهي والسياسي الثري ببضائع تنظيم إدارة الشأن العام على أساس من العدل في توزيع المغارم والمغانم، وتنفق سنوات في التبضع المفتوح عن طريق الاستيراد من الغرب لبناء العقد الاجتماعي، فلا بد أن نتهمها بالتبييت لصياغة دساتير تحمي في المقام الأول حرمة دماء وأعراض وأموال العلية ليس إلا.

 

دستور معطل في تونس، وآخر في مصر قالت عنه المعارضة إنه سلق بليل ويحتاج إلى مراجعة حتى قبل أن يجف الحبر الذي كتب به، فيما نحن في الجزائر على أبواب مراجعة واسعة للدستور، في سياق البحث عن مخرج لأزمة الخلافة وقد اقترب موعدها. أمثلة ثلاثة من بين أمثلة كثيرة عن أزمات المجتمعات العربية والإسلامية مع عقدها الاجتماعي: وهي الأزمة الكاشفة لأزمات الحكم في ربوع العالم العربي قبل وبعد ربيع الشعوب.

 .

تهافت القلة حول العقد الفريد 

في لحظة ما، كدنا نصدق أن بعض العرب قد اهتدى للطريق السوي في بناء وصياغة العقد الاجتماعي، حين آثر التونسيون بعد الثورة كتابة الدستور على يد مجلس تأسيسي منتخب، يبعد شبهة تفرد الحاكم بكتابة الدستور، وظن بعضنا أن أول مجلس تشريعي منتخب في مصر ما بعد الثورة سوف يستخلص العبر من فشل النظام السابق في صياغة دستور جامع لحقوق أغلبية المصريين، ليكون بالفعل عقدا اجتماعيا يتوافق عليه على الأقل الجيل الحالي، ويرضى به إلى حين، وما يزال المتفائلون منا يعلقون بعض الآمال على مسار مراجعة الدستور التي أعلن عنها منذ أيام الوزير الأول. 

   غير أن المقدمات في الأمثلة الثلاثة تحبط أشد الناس تفاؤلا، وتدفع بنا إلى البحث في الأسباب الموضوعية التي تحرم اليوم المجتمعات العربية، قبل وبعد الربيع، من بناء نظم حكم دستورية ضابطة لمؤسسات الحكم ولنشاطها التشريعي تحظى بالقبول والتوافق. 

  .

إخفاقات عقل عربي يتقوت من المستورد 

كيفما قلبت الأمور بحثا عن الأسباب، سوف يرتد بك البحث إلى أصول فشل الفكر السياسي العربي الحديث في التعامل مع أدوات الحكم والسياسة، لأنه تعامل معها منذ نشأة الدولة القطرية الحديثة بذهنية المستورد المستهلك لبضاعة الغير، فعل ذلك مع مفردات الدولة ومؤسسات الحكم وإدارة الشأن العام، كما مع مقارباته للتنمية عن طريق الاستيراد المفرط، دون أدنى جهد لإنتاج قيمة مضافة لما يستهلك من أدوات الحكم، وإدارة الشأن العام، ناهيك لما يستهلك من متاع الدنيا مما ينتجه الآخر. 

وحتى نحصر البحث في موضوع الدستور، لنا أن نتذكر أن أقدم الدساتير العربية في المشرق، وتحديدا في مصر والشام مطلع القرن الماضي، جاءت في أعقاب ثورات شعبية كما جاءت نظائرها في المغرب العربي عقب ثورات التحرير واستعادة السيادة الوطنية، وقد كتبها الحكام الوافدون من دروب المغالبة بذهنية تثبيت الأمر الواقع، وتعضيد نظام الحكم القائم، بعيدا عن استحقاقات التوثيق لعقد اجتماعي يطمح إلى حماية وصيانة حقوق المواطنين من غلو مؤسسات الحكم، ومن تبعات التنافس على السلطة. 

وفي هذا السياق أبدعت النظم في استنساخ مقتطفات من الصيغ الدستورية مجتزأة من  دساتير الشرق الاشتراكي والغرب الليبرالي، هي في الأصل نتاج لعقد اجتماعي استقر في المجتمعات الأوروبية لا تمت بصلة، لا لطبيعة المجتمعات العربية والإسلامية وهي في طور التشكل، ولا لحاجاتها التنموية المركبة، التي كانت تحتاج إلى إعلاء مبدأ العدل في توزيع الأعباء والمغارم، في انتظار تنظيم توزيع الثروة بقدر من العدل والإنصاف.

  .

ثلاثية حرمة الدم والعرض والمال

وقبل هذا وذاك، كان ينبغي للمشرع الدستوري بالأمس كما اليوم أن يحرص على إعادة توثيق حقوق ثابتة أصيلة في الثقافة العربية الإسلامية، لها صلة بصيانة الدم، والعرض، والمال، كما تعلمها المسلم من وصية سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع، واشهد المسلمين على أن دماءهم وأعراضهم وأموالهم حرام عليهم، حرمة يوم عرفة، في الشهر الحرام، في البلد الحرام.

 

 “الفكر السياسي العربي تعامل مع أدوات الحكم والسياسة بذهنية المستورد المستهلك لبضاعة الغير، سواء مع مفردات الدولة ومؤسسات لإدارة الشأن العام أو في مقارباته للتنمية عن طريق الاستيراد دون أدنى جهد لإنتاج قيمة مضافة لما يستهلك”

 

وقد كان يكفينا أن يلتفت المشرع المعاصر إلى توثيق هذه الحقوق، ثم نعفيه من التفصيل الممل، ومن فضول الكلام في دساتيره التي اجتهدت في الجملة لحماية دم وعرض ومال الحاكم والحاشية، باستباحة دم وعرض ومال العامة من المواطنين.

ثم هل من تعريف للاستبداد خارج ما يقترفه الحاكم من مظالم في هذه المواطن الثلاثة: في الدماء والأعراض والأموال، حتى نبحث له عن علاج خارج تقييد سلطته في الاعتداء على دماء وأعراض وأموال الناس؟ أو نأمل منع عودة الاستبداد وتقويض دعائمه في تلك الجمل والمفردات الفارغة التي يتجادل بشأنها أعضاء التأسيسية في تونس، ومن قبل في مصر، بشأن صيغ الفصل بين السلطات وأفضال النظام البرلماني على نظم الحكم المختلطة؟

  .

السبق الإسلامي في الفصل بين السلطات

وحتى بالنسبة لهذه المفردات التي تسوق لنا اليوم وكأنها ابداعات غربية وجب علينا استيرادها كما نستورد الهواتف المحمولة، فإن المشرع الدستوري العربي الحديث لا يبدو أنه قرأ تاريخه السياسي، وإلا كان قد علم أن الفصل بين السلطات هو ابتكار إسلامي صرف، وقد استقر مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث في سير الحكومات الإسلامية منذ العهد الأول للخلافة الراشدة وحتى سقوط الخلافة العثمانية في الثلث الأول من القرن الماضي.

فقد كان التشريع سلطة مستقلة، تتحقق بإجماع اجتهادات الفقهاء، الذين كانوا يستبقون حاجة الناس إلى التشريع لما يستجد من أمور الحياة، باستنباط أحكام وتشريعات من الكتاب والسنة، وما تحقق حوله اجماع علماء وفقهاء الأمة، ولم يكن بوسع الحاكم المسلم في أي عهد سابق أن يتطاول على التشريع، أو يدعي لنفسه الحق في التشريع، كما لم يكن بوسعه أن يخضع القضاء المستقل لإرادته إلا في حالات استثنائية، ولعل أشهر واقعة يستدل بها على الفصل الفعلي بين السلطتين: التنفيذية والقضائية هي مخاصمة الخليفة علي رضي الله عنه ليهودي سرق منه درعه، فمثل الخليفة مع اليهودي على قدم المساواة أمام القاضي الذي حكم لصالح الذمي.

  .

دولة للمسلمين بدل الدولة الإسلامية

والحال لم يكن للمشرع الدستوري المعاصر أن ينفق جهدا كبيرا في تثبيت مبدأ الفصل بين السلطات عاشت عليه الأمة قرابة أربعة عشر قرنا، حتى وإن لم يكن الفقه السياسي الإسلامي قد أفرد له هذا المصطلح. وقد كان بوسعنا ونحن نعيد بناء الدولة الحديثة التي نرتضيها للمسلم، أن نعود إلى هذا الموروث الفقهي والسياسي بعقل مجتهد، مجدد، منفتح، لا يبحث عن بناء دولة إسلامية تدين بالإسلام، بقدر ما يجتهد لبناء دولة للمسلمين تتيح لكل فرد فرصة الاستخلاف الراشد في أرض الله.

قبل سقوط الخلافة العثمانية خرج أحد الأزهريين بكتاب مثير للجدل زعم فيه أن الخلافة كمؤسسة حكم ليست من الدين، فأثار حفيظة كثير من العلماء والفقهاء المسلمين، ورغم أن دعوته قد اقترنت بتدبير بريطاني كان يعمل على تفكيك الخلافة العثمانية، إلا أنها تبقى جديرة بالبحث المتحرر من الأهواء، خاصة في هذا الزمن الذي قسم فيه السياسيون المجتمع المسلم إلى فسطاطين متناحرين، بين من يدعوا إلى إقامة الدولة الإسلامية، ودعاة الدولة المدنية.

  .

فريضة الشورى بين الصلاة والزكاة

وكان بوسع الطرفين، وكلاهما مسلم مؤمن، أن يحتكما إلى آيتين من المحكم من التنزيل هما كل ما جاء في القرآن بشأن إدارة أمر المسلمين: الآية الأولى من سورة الشورى: “وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” أقرت مبدأ الشورى بين المسلمين على المطلق، مع ترك الحرية لهم في تدبير أمرهم، وقد اقترن الأمر بالشورى بالصلاة والزكاة والامتثال لبقية أوامر الله.

 والثانية في سورة آل عمران، توجهت لمن يؤول إليه إدارة أمر المسلمين بأمر صريح يلزمه بمشورة المسلمين في ألأمر، أي إشراكهم في الرأي والقرار: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ”

 

“ليس في الشريعة الإسلامية ثناء خاص على نظام سياسي أو اقتصادي بعينه، بل جاء بأحكام قوامها العدل، متى اعتمدت كانت إدارة الشأن العام متوافقة مع الشريعة، لا تحتاج إلى المقاولة لها تحت شعار الإسلام هو الحل”

 

وفي الايتين منهاج لإدارة الأمر في كل زمان، ولكل جيل وفق اجتهاداته، لا إصر فيه ولا تثريب على المجتهد، لم يلزم أي جيل من المسلمين بما اجتهد به من سبقه من المسلمين، حتى أن أول اختبار لهذا المبدأ حدث عند بيعة الخليفة الراشد الثالث، حين دعي علي رضي الله عنه للبيعة على نص يلتزم فيه بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسنة الشيخين من قبله، فرد على من دعاه للبيعة بالقول: أبايع على العمل بكتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيي، بما يعني أننا لسنا ملزمين باتباع اجتهادات السلف في إدارة الشأن العام.

  .

الحكم الراشد في الملك بالعدل

 ثم إن الإسلام لم يمجد نظام حكم بعينه، لا خلافة، ولا ملكية، ولا إمبراطورية، ولا جمهورية، فأثنى على حكام بعينهم مثل: ذو القرنين، وداوود، وسليمان، وطالوت، وأثم آخرين مثل: فرعون موسى، ونمرود إبراهيم، وملكة سبأ قبل إسلامها، وكشف لنا في قصة يوسف عن فرص الإصلاح حتى في ظل حكم فرعوني كافر مستبد.

 وليس في الشريعة الإسلامية ثناء خاص على نظام اقتصادي بعينه: اقطاعي، رأسمالي، أو اشتراكي، بل قدم مجموعة أحكام قوامها العدل بين الناس متى اعتمدت كانت إدارة الشأن العام ورعاية مصالح الناس متوافقة مع الشريعة، لا تحتاج إلى المقاولة لها تحت شعار “الإسلام هو الحل” لنكتشف مع حاملي الشعار بعد حين أن الحل يحتاج إلى تزكية ومباركة مسبقة من صندوق النقد الربوي.

الآن، ونحن نراوح في المكان بحثا عن دساتير توثق لعقد اجتماعي دائم ينظم إدارة الشأن العام، يكون بوسعنا مواصلة التعلق بتلابيب الأساطير التي تنتجها النخبة السياسية من الإسلاميين ومن غير الإسلاميين، وهم يتلاسنون بمفاهيم دستورية ابتدعتها النخبة الغربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لإدارة وتدوير الحكم بين العلية، وحماية دماء أفرادها وأعراضهم وأموالهم، أو نلزم نخبنا بالعودة بنا إلى مفردات العقد الاجتماعي الذي ارتضاه الإسلام للمسلمين، بتوثيق ثلاثية صيانة النفس والعرض والمال، كحقوق أصيلة تصاغ على منوالها، وتشتق منها بقية الحقوق والواجبات، وبناء نظام الحكم على أساس حق المسلمين في الشراكة في إدارة الشأن العام، والبحث عن صيغ مبتكرة تعيد للمسلمين استقلالية سلطة التشريع والقضاء كما كانت عليه حتى سقوط الخلافة، وما سوى ذلك محض تفصيل يترك لاجتهادات من يرضاه المسلمون لإدارة شأنهم.

 

مقالات ذات صلة