-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
سكان المشاتي يروون لـ«الشروق» تفاصيل ليلة استثنائية

الجمعة بني حبيبي بولاية جيجل… حين غيّرت النار ملامح المكان

موفد «الشروق» إلى جيجل: ب. بوجمعة
  • 67
  • 0
الجمعة بني حبيبي بولاية جيجل… حين غيّرت النار ملامح المكان
الشروق

في الجمعة بني حبيبي شرق ولاية جيجل، تبدو آثار الحرائق التي شهدتها المنطقة نهاية شهر أوت واضحة على امتداد الطريق المؤدي إلى عدد من المشاتي.
المكان الذي اعتاد سكانه وزواره على الغطاء النباتي الكثيف وأشجار الزيتون والمناطق الغابية، يحمل اليوم مشاهد مختلفة في عدد من النقاط، حيث تظهر الأشجار المتضررة وبقايا بعض الحظائر والمنازل التي مستها النيران.
وعلى الطريق الممتد من حدود بلدية برج الطهر باتجاه مركز الجمعة بني حبيبي، تتعاقب المنعرجات والمنحدرات وسط مساحات واسعة تعرضت للحريق، فيما يحاول السكان استعادة تفاصيل ليلة الأربعاء 26 أوت، التي وجدوا أنفسهم خلالها أمام ضرورة مغادرة منازلهم ومساعدة أقاربهم وجيرانهم.
وبعد أيام من الحريق، كان السكان منشغلين بإحصاء ما تضرر من ممتلكاتهم، في وقت بدأت فيه عمليات التضامن والإغاثة تصل إلى مختلف المناطق المتضررة.

من مشاتي خضراء إلى مشاهد مختلفة
تتبع الجمعة بني حبيبي إداريا لدائرة العنصر، وتمتد على مساحة تفوق 48 كلم²، تحدها شمالا سيدي عبد العزيز وخيري واد عجول، وشرقا العنصر، وجنوبا بوراوي بلهادف، وغربا برج الطهر.
وعلى مسافة تقارب 15 كيلومترا من حدود برج الطهر باتجاه مقر البلدية، تنتشر مشاتي بوديان، الطيانة، أولاد يونس، أحدادن، زريفة، خطافة، آشماطو، بوثابت، إلى جانب مشاتي أخرى.
وظل سكان هذه المناطق متمسكين بأراضيهم، حيث ارتبطت حياتهم منذ سنوات بالنشاط الفلاحي وتربية المواشي والدواجن، فضلا عن أشجار الزيتون والأشجار المثمرة التي تشكل جزءا مهما من المشهد الطبيعي للمنطقة.
وقد ساهمت الغابات والمنابع الطبيعية والمساحات الخضراء في منح المشاتي طابعها الخاص، فيما اعتمدت عائلات كثيرة على تربية المواشي والدواجن وإنتاج البيض كمصدر للرزق.
لكن الحرائق الأخيرة غيرت ملامح أجزاء من هذا المشهد، وفرضت على السكان التعامل مع واقع جديد يتطلب وقتا لإعادة تأهيل ما تضرر.

أربعون دقيقة غيّرت المشهد
حين بدأت النيران في الانتقال من مناطق ببلدية برج الطهر باتجاه الجمعة بني حبيبي، وجد السكان أنفسهم أمام ظرف استثنائي.
الرياح القوية وارتفاع درجات الحرارة ساهما في سرعة انتشار الحريق، فيما زادت طبيعة المنطقة الجبلية وصعوبة بعض المسالك من تعقيدات عملية الإجلاء.
وفي تلك اللحظات، تولى عدد من شباب المنطقة نقل التحذيرات بين المشاتي ومساعدة العائلات على مغادرة المناطق التي اقتربت منها النيران.
كان الهدف الأساسي هو ضمان وصول السكان إلى أماكن أكثر أمنا، في وقت كانت فيه مصالح الحماية المدنية والدرك الوطني والإسعاف تعمل على إجلاء السكان والتعامل مع الحالات المسجلة.

الدكتور بلال.. ليلة لن ينساها
كان الدكتور بلال بوعكرية، الأستاذ الجامعي بجامعة تيبازة، يقضي عطلته في مشتى الطيانة داخل بيت جده، كما اعتاد خلال السنوات الماضية.
وفي صباح ذلك اليوم، توجه إلى شاطئ سيدي عبد العزيز، قبل أن يتلقى اتصالا من شقيقه يخبره بتطور الوضع واقتراب النيران.
عاد بلال بسرعة إلى المنطقة، ليجد حركة غير عادية على الطرقات، مع عائلات تحاول مغادرة المشاتي وسيارات تنقل الأطفال والنساء وكبار السن.
يقول لـ«الشروق » إن الدخان كان كثيفا إلى درجة صعّبت الرؤية والتنفس، قبل أن تنقطع الكهرباء في المنطقة، فيما سُمع دوي انفجارات لقارورات غاز البوتان في عدد من النقاط.
ويشير إلى أن عددا من شباب المنطقة ساهموا في مساعدة السكان وإرشادهم إلى الطرق الآمنة، في وقت كانت فيه فرق الحماية المدنية والدرك والإسعاف تعمل على إجلاء العائلات والتكفل بالمصابين.
واختار بعض السكان الاحتماء بالمدرسة الابتدائية، فيما لجأ آخرون إلى منازل اعتبروها أكثر أمانا.
وعندما هدأت النيران، ظهرت آثار الحريق على مساحات واسعة من المنطقة.
ويقول بلال: «كانت ليلة صعبة جدا، ولن أنسى ما عشته خلالها».

زكي… التحذير قبل وصول النيران
كان زكي رفقة عدد من شباب المنطقة في بلدية برج الطهر للمساعدة في التعامل مع الوضع هناك، قبل أن يلاحظوا تقدم النيران باتجاه مناطقهم انطلاقا من منطقة محسن.
قرروا العودة بسرعة إلى الجمعة بني حبيبي، وكانت مهمتهم الأساسية نقل التحذيرات إلى السكان.
وعبر الطريق المؤدية إلى الطيانة وتيسبيلان وبقية المشاتي، كان الشباب يحاولون إيصال المعلومات إلى العائلات وحثها على مغادرة المناطق القريبة من النيران.
ويروي زكي أن سرعة انتشار الحريق جعلت الوقت محدودا جدا، مشيرا إلى أن مساحات واسعة تغيرت ملامحها خلال فترة قصيرة.
وفي مركز البلدية، كانت عمليات الإجلاء والتكفل بالسكان في مقدمة الأولويات، بالتزامن مع تدخل مختلف المصالح.

محمد… العودة إلى المنطقة وسط التطورات
في مشتى خطافة، كان محمد بوحبيلة يتابع الأخبار القادمة من المناطق المجاورة، قبل أن يتلقى اتصالا يخبره بتطور الوضع.
كان متوجها إلى مدينة جيجل، لكنه قرر العودة إلى المنطقة، وهناك شارك رفقة عدد من المواطنين في مساعدة الأشخاص الذين كانوا يحاولون الابتعاد عن مسار النيران.
ومع تزايد الدخان والجمر المتطاير، تعرض عدد من الأشخاص لحالات اختناق، ما دفعهم إلى العودة نحو المناطق الأكثر أمنا.
يقول محمد إن السكان قضوا ساعات طويلة في حالة ترقب، قبل أن تكشف ساعات الصباح الأولى حجم الأضرار التي خلفها الحريق.
وعند عودتهم إلى المشاتي، وجدوا عددا من الأشجار قد تضرر، كما سجلت خسائر في المواشي والحظائر وبعض المنازل والممتلكات.

من ورشات الخياطة إلى قوافل التضامن
إلى جانب نشاطها الفلاحي، تعرف الجمعة بني حبيبي أيضا بانتشار ورشات الخياطة التي يشتغل فيها عدد من أبناء المنطقة، خاصة في مجال خياطة البدلات والألبسة.
وقد تضررت ممتلكات عدد من العائلات جراء الحريق، وهو ما جعل القوافل التضامنية القادمة من مختلف المناطق تحمل، إلى جانب المواد الغذائية والمياه والأغطية، ملابس ومستلزمات أخرى للعائلات المتضررة.
وفي هذا المشهد، بدت روح التضامن المحلي والوطني حاضرة بقوة، حيث ساهم سكان المنطقة والمتطوعون في مساعدة العائلات وتوفير احتياجاتها الأساسية.

قوافل التضامن تصل إلى المشاتي
بعد السيطرة على الحرائق، بدأ تحد آخر يتعلق بالتكفل بالسكان المتضررين وتوفير احتياجاتهم.
وتوافدت قوافل التضامن من عدة ولايات، محملة بالمياه والمواد الغذائية والملابس والأغطية، إلى جانب الأعلاف وغذاء الأنعام.
كما سخرت السلطات المحلية مراكز لإيواء السكان، مع توفير وجبات غذائية وخدمات أساسية للمتضررين.
وبالنسبة إلى السكان، لم تكن هذه المساعدات تعوض ما فقدوه، لكنها شكلت دعما مهما خلال الأيام الأولى التي أعقبت الحريق، ورسالة تضامن من مختلف مناطق الوطن.

حصر الأضرار… خطوة نحو التكفل بالمتضررين
بالتوازي مع عمليات الإغاثة، شرعت اللجان المختصة في معاينة الأضرار وإحصاء الخسائر المسجلة عبر المناطق المتضررة.
وشملت عمليات المعاينة المنازل والحظائر وأشجار الزيتون والأشجار المثمرة والمواشي والدواجن وغيرها من الممتلكات.
وتساعد هذه العملية على ضبط حجم الأضرار وتحديد احتياجات العائلات المتضررة، تمهيدا للتكفل بها وفقا للإجراءات التي أقرتها السلطات.
كما تواصلت زيارات المسؤولين إلى المناطق المتضررة للوقوف على آثار الحرائق والاستماع إلى انشغالات السكان.

الأرض تبقى أولوية السكان
ورغم الأضرار التي خلفتها الحرائق، لا يبدو أن سكان الجمعة بني حبيبي يفكرون في مغادرة أراضيهم.
فبالنسبة إلى كثير منهم، ترتبط هذه المشاتي بتاريخ عائلاتهم ومصادر رزقهم وذكرياتهم، ولذلك ينظرون إلى المرحلة المقبلة باعتبارها فترة لإعادة البناء واستعادة النشاط تدريجيا.
ويعرف السكان أن عودة الغطاء النباتي تحتاج إلى وقت، وأن إعادة بناء بعض الحظائر والمنازل واستعادة النشاط الفلاحي لن تتم بين ليلة وضحاها.
لكنهم، في المقابل، يؤكدون تمسكهم بأراضيهم ورغبتهم في العودة إلى حياتهم الطبيعية.

من آثار الحريق إلى بداية جديدة
عند مغادرة مشاتي الجمعة بني حبيبي، تبقى آثار الحريق واضحة في عدد من المواقع، لكن المشهد لا يتوقف عند الخسائر.
فهناك سكان يعودون إلى أراضيهم، وآخرون يتفقدون ما تبقى من ممتلكاتهم، ومتطوعون يواصلون تقديم المساعدة، ولجان تعمل على استكمال إحصاء الأضرار.
وتحتاج المنطقة إلى وقت حتى تستعيد جزءا من مظهرها السابق، كما تحتاج الأشجار المتضررة والمزارع والحظائر إلى سنوات من العمل لإعادة النشاط إليها.
لكن إعادة الحياة لا تبدأ بالضرورة بخطوات كبيرة. قد تبدأ بغرس شجرة جديدة، أو إعادة فتح ورشة، أو إصلاح حظيرة، أو عودة طفل إلى مدرسته.
في الجمعة بني حبيبي، انتهت مرحلة الحرائق، وبدأت مرحلة أخرى عنوانها إعادة التأهيل واستعادة الحياة.
وبينما لا تزال آثار الحريق حاضرة في المشهد، يبدو أن سكان المنطقة ينظرون إلى المرحلة المقبلة من زاوية مختلفة: الأرض ما تزال هنا، وأهلها ما يزالون فيها، وما تضرر يمكن العمل على استعادته تدريجيا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!