الجن من المحاكم إلى المدارس!
تابعت بحر الأسبوع الماضي، تفاصيل جناية قتل، مع سبق الإصرار والترصّد، في محكمة قسنطينة، كان المتهم فيها شابا، ذبح طالبة بكالوريا، لأنها رفضت مجاراته في تحرشه، وتتبعه لها، وأشدّ ما لفت انتباهي، أن هذا القاتل أصرّ على تبرئة نفسه، من خلال وضعها، كضحيّة لجن، ظلّ يسيّره، فيسلبه إرادته، وينفخ من “روحه” فيه، فوجد نفسه مطيع لأوامر الجن، الذي أمره بقتل الطالبة، وطعن بدلا عنه، جسد الضحية بأكثر من عشرين طعنة، من دون أن يكون قد رمى رمية واحدة.. ولكن الجنّ من رمى !.
قد أتفهّم محاولة هذا الجاني التملّص من جريمته، بحثا بكل الطرق الخيالية عن البراءة أو التخفيف من الحكم، ولكن أن تسايره محاميته في الدفاع عن هذا الطرح، ومحاولة جرّ “الجن” إلى قفص الاتهام، وتبرئة القاتل الحقيقي، فذاك ما وضعنا أمام حالة بؤس، أعمق ربما من جريمة القتل البشعة، التي ارتكبها هذا الشاب في حق طالبة بكالوريا.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، الذي جعل آلاف الجناة يسارعون إلى تقديم متهم جاهز بدلا عنهم يؤمن بـ”جبروته” عامة الناس، وإنما طال المدارس والثانويات، وتحوّلت بعض الألعاب الإلكترونية الواقعية، إلى جنّ ضمن الميتافيزيقيا التي يصرّ الجزائريون أن يعيشوها، ويصروّن على العودة إلى الزمن الطرقي الذي أسّست له فرنسا الاستعمارية عندما احتلت الجزائر، فسعت لتحويل دينها إلى خزعبلات، ونجحت لعدة عقود في تنويم الجزائريين، ووجدت أبواقا من رجال الدين المزيفين، من ساهموا في إنشاء هذه المملكة الوهمية، قبل أن يثور الشيخ بن باديس ومن بعده مبارك الميلي والعربي التبسي والبشير الإبراهيمي ومالك بن نبي، فخرّت أركان المملكة الاستعمارية، ومهّدت لثورة ضيّعت الاستعمار الذي خرج منكسرا بلا رجعة.
لقد قرأنا كتب العلامة بن باديس ورعيل جمعية العلماء المسلمين، ولم نصادف أبدا حديثهم عن الجن الذي سكن الأبدان وجعل الجزائريين مستسلمون للاستعمار، وقرأنا فكر مالك بن نبي ونايت بلقاسم وأحمد حماني، وكان الجن الوحيد الذي طاردوه، هو ذاك الذي انتهك الأرض والعرض، وحاول أن يجعل الجزائريين والجزائريات “مْسَلّمين مْكتفين” لأوهام، تبرئ الجاني دائما وتجعلهم سجناء “قدرهم” المحتوم.
وإذا كان ما أحزننا أكثر في قضية محكمة جنايات قسنطينة، هو مرافعة المحامية أكثر من “دفاع” المتهم عن نفسه، فإن ما أحزننا في قضية المدارس والثانويات التي سكنها الجنّ ونسف الدراسة فيها حتى لا نقول العقل، هو رد فعل الأسرة التربوية من معلمين وبعض المديرين، ورجال الدين، الذي مازالوا يقدّمون الجن على أنه الآمر والناهي في بلادنا، فهو الذي يدفع بعض النساء إلى العنوسة وبعض المتزوجات إلى العقم وبعض الطالبات إلى الرسوب، وبعض الأثرياء إلى الإفلاس، وهو الذي يدفع بعض الجناة إلى البراءة وبعض التلاميذ إلى العطلة المرغوب فيها، وحتى بعض المترشحين والمترشحات إلى مبنى المجلس الشعبي الوطني!