-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجهل المميت في الفصل بين وحدة قوانين الشريعة والطبيعة

بقلم: يوسف حنطابلي
  • 530
  • 0
الجهل المميت في الفصل بين وحدة قوانين الشريعة والطبيعة

إن أخطر أشكال الجهل ليس ذاك الذي يعترف بحدوده ويقف عند قصوره، بل ذاك الذي يتزيّن بلباس العلم ويدّعي أنه يمتلك الحقيقة المطلقة. هذا الجهل المميت يكمن في فصل ما لا ينفصل، أي في الاعتقاد أن قوانين الطبيعة يمكن أن تُفهم بمعزل عن خالقها، أو أن البحث العلمي يمكن أن يستغني عن المعنى الذي تمنحه الشريعة. فالعلم حين يدّعي الاكتفاء بذاته وينكر البعد التوحيدي الذي تنتظم فيه الطبيعة والشريعة، يتحول من نور إلى حجاب، ومن معرفة إلى جهل قاتل.

إن الكون يسير وفق قوانين دقيقة وضعها الخالق، قوانين اضطرارية تحكم انتظام الأفلاك ودورة الحياة والوجود المادي، لا يملك الإنسان إلا أن يخضع لها. وفي مقابل هذه القوانين، وضع الله قوانين اختيارية في صورة شريعة توجه الإنسان ليبني بها حياته الاجتماعية والسياسية والروحية. الأولى اضطرارية لا فكاك منها، والثانية اختيارية بها يختبر الإنسان وتُحدّد مسؤوليته وجزاؤه. إن الفصل بينهما فصل مفتعل يجهل وحدة المصدر، لأن الذي خلق الطبيعة بقوانينها هو نفسه الذي شرع للإنسان شريعة تسير شؤونه.

الفلسفات المادية الغربية، وعلى رأسها الوضعية التي صاغها أوغست كونت، حاولت إقصاء الدين من مجال المعرفة بدعوى أن العلم وحده يكشف قوانين الطبيعة. لكن هذه الوضعية وقعت في تناقضها الجوهري، فهي جعلت من العلم ديناً جديداً، وأقامت عبادة للإنسان وللعقل التجريبي، فاستبدلت إله السماء بإله الأرض. وهذا الانفصال بين العلم والشريعة أفضى إلى حضارة تقنية قوية، لكنها فارغة من المعنى، حيث تحوّل التقدم العلمي إلى أداة للهيمنة بدل أن يكون طريقاً للاستخلاف.

أما الماركسية، فقد جعلت المادة والتاريخ الاقتصادي أساساً وحيداً لفهم الإنسان والمجتمع، معتبرة أن البنية الفوقية من دين وقيم ليست سوى انعكاس للبنية التحتية المادية. لكن هذا التصور يختزل الإنسان في بعده الاقتصادي ويقصيه من حريته الروحية، في حين أن الآية القرآنية تشير إلى أن التغيير لا يتم بمجرد تبدل شروط الإنتاج أو القوى المادية، بل يبدأ من “ما بأنفسهم” أي من الضمير الجمعي ومن إعادة بناء القوامة الروحية والسياسية التي تمنح للمادة معناها. فالماركسية وإن أصابت في إدراك البعد المادي للتاريخ، فإنها وقعت في الجهل المميت حين أنكرت البعد الروحي والشرعي الذي يوازيه ويكمله.

إن التصور التوحيدي الإسلامي يقدم بديلاً أعمق، فهو لا ينفي العلم ولا يقصيه، بل يضعه في موضعه الصحيح كطريق لاكتشاف وحدة القوانين التي تعكس وحدة الخالق. وهو لا ينكر البعد المادي للتاريخ كما نبّه إليه ابن خلدون من قبل، لكنه يضعه في علاقة تكامل مع البعد الشرعي والروحي الذي يعطي للاجتماع الإنساني وجهته وغايته. فالعلم بلا شريعة يتحول إلى قوة عمياء، والشريعة بلا علم تتحول إلى خطاب أخلاقي معزول عن العمران.

إن استعادة معنى الاستخلاف في الأرض تقتضي الجمع بين القوانين الاضطرارية التي تحكم الطبيعة والقوانين الاختيارية التي توجه الإنسان. وحين يُفصل بينهما يتحول البحث العلمي إلى جهل قاتل، لأن الحقيقة العلمية التي لا تقود إلى التوحيد ليست إلا وهماً في ثوب المعرفة. فكل بحث عن وحدة قوانين الطبيعة هو في عمقه بحث عن وحدة الخالق، وكل رفض لهذه الحقيقة هو إنكار لمعنى العلم ذاته.

بهذا المعنى يصبح المشروع الحضاري الإسلامي هو مشروع إعادة توحيد ما فرّقته الفلسفات المادية، العلم والشريعة، الطبيعة والمعنى، المادة والروح. وهو مشروع يرد الاعتبار إلى الإنسان ككائن حر مسؤول، يكتشف قوانين الكون ليعمر الأرض وفق قيم الاستخلاف، لا ليستعبد نفسه للآلة أو للسوق أو للأيديولوجيا. ومن هنا فإن الخروج من الجهل المميت يمر عبر استعادة الرؤية التوحيدية التي تجعل من وحدة القوانين انعكاساً لوحدة الخالق، ومن العلم طريقاً إلى الإيمان لا بديلا عنه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!