الجزائر
فئة قليلة منهم تفكر في العودة

الجيل الخامس من المهاجرين… مركز ثقل في الضفتين!

إيمان كيموش
  • 5431
  • 0
أرشيف

لا يزال الجزائريون المهاجرون إلى مناطق ما وراء البحار، يختارون فرنسا كوجهة أولى بعد 60 سنة من الاستقلال، قد تكون محطتهم الأخيرة بالقارة الأوروبية بالنظر إلى سهولة التأقلم هناك من حيث اللغة والمسافة والمناخ.
كما أن البعض يعتبرها منطقة عبور للقفز نحو بلدان أوروبية أكثر إغراء من حيث الراتب وامتيازات الوظيفة ونمط العيش، إلا أن الأكيد أن فئة قليلة فقط من هؤلاء، تفكر في العودة إلى الوطن، حيث يقطن الأهل والأحباب، وأين تنفق الدولة الجزائرية ما لا يقل عن 30 مليون سنتيم سنويا في سبيل تعليم كل “كادر” من “كوادرها” في الجامعة.
لطفي غرناوط وفريد زيامي، شابان جزائريان يلامسان سن الأربعين، كلاهما اختارا الهجرة نحو فرنسا قبل أزيد من 13 سنة، ولكنهما لم يستطيعا تحقيق نفس المسار..
لطفي أسس شركة لإنتاج المواد الغذائية تصدر منتجاتها من فرنسا إلى أوروبا، ودشن مزارع نموذجية لتربية الماشية وأحرز شهادات دراسية عليا وتقلد منصب أستاذ بمعهد فرنسي بتولوز، أما فريد فلا يزال يبحث عن فرصة لتسوية وثائق الإقامة، وعمل يذر عليه بعض النقود لسد رمقه وحاجيات زوجته التي اصطحبها معه من الجزائر وابنه الذي لم يتجاوز الأربع سنوات.
قصص متناقضة تجمع بين النجاح والفشل والتقدير والعنصرية، وتطرح العديد من التساؤلات حول سبب إصرار المهاجرين الجزائريين على اختيار فرنسا كوجهة أولى عند مغادرة الوطن، رغم الامتيازات المنافسة وفي بعض الأحيان الأكثر إغراء التي تطرحها أمريكا وكندا ودول الخليج والعديد من البلدان الأوروبية.
كما أن هذه الفرضية أيضا، تفتح الباب أمام إمكانية استفادة السلطات الجزائرية من خزّان خبرات يضم 20 ألف طبيب ومئات آلاف “الأدمغة” والكوادر العلمية الجزائرية بالضفة الأخرى..

حصة التأشيرة تنكمش
هناك في الجزء الشمالي من المتوسط، يقيم 5 ملايين جزائري بفرنسا، وفق إحصائيات قدمها الاتحاد الوطني للجزائريين بالمهجر إلى غاية شهر مارس 2022، منهم 150 ألف مهاجر غير شرعي _ أرقام تقريبية _.
وتحتل إسبانيا المرتبة الثانية من حيث هجرة الجزائريين بإجمالي 100 ألف مغترب، متراجعة من 150 ألف مهاجر سنة 2006 بفعل الأزمة الاقتصادية التي مست مدريد ودول أوروبية وقتها، ودفعت بعدد من جزائريي إسبانيا إلى مغادرتها نحو فرنسا ودول أخرى.
ويحصي رئيس الاتحاد الوطني للجزائريين بالمهجر سعيد بن رقية في تصريح لـ”الشروق” حوالي 25 ألف مهاجر جزائري بكندا، 30 ألفا بألمانيا، 20 ألفا ببريطانيا، 20 ألفا بالولايات المتحدة الأمريكية، و5 آلاف جزائري بدول الخليج، وتشمل هذه الإحصائيات ـ حسبه ـ المجنسين وغير المجنسين أيضا.
وتكشف إحصائيات السفارة الفرنسية في الجزائر، عن إصدار القنصليات الفرنسية لـ 63649 تأشيرة خلال عام 2021، بانخفاض نسبته 13.1 بالمائة مقارنة بالعام السابق.
وفي وقت أرجعت مصادر دبلوماسية، تراجع منح التأشيرة للجزائريين إلى تقييد حركة السفر بسبب تفشي وباء كورونا، تؤكد ذات المصادر انسداد ملف المهاجرين غير الشرعيين بين الجزائر وباريس، وتأثير ذلك على عملية منح التأشيرات الفرنسية للجزائريين أيضا.

5 أجيال من المهاجرين
ويعود تاريخ أول هجرة جزائرية نحو فرنسا إلى 1830، وفقا لما يؤكده رئيس مركز أبحاث “club émergence” بفرنسا، المختص في الدراسات الاستراتيجية والجيوستراتيجية بين الضفتين، وعضو المرصد الوطني للمجتمع المدني للجالية، باديس خنيسة.
ويختار المهاجرون الجزائريون سواء الشرعيين أو غير الشرعيين، فرنسا منذ عقود من الزمن لاعتبارات عدة، منها اللغة الفرنسية، التي تتيح التواصل بسهولة، والقرب الجغرافي، إذ تستغرق الرحلة بين باريس والجزائر ساعتين من الزمن عبر الطائرة، و21 ساعة عبر الباخرة بين مرسيليا والعاصمة.
أما من الناحية التاريخية، فالجزائر وفرنسا تتقاسمان تاريخا مشتركا جعل التنقل دون شرط بين الدولتين أحد أبرز ما توصلت إليه المفاوضات سواء عبر بنود إيفيان، أم اتفاقية 1968.
واستمر التنقل بين مواطني الدولتين دون تأشيرة إلى غاية 1986، ليتم فرضها من الطرف الفرنسي.
ووفق المتحدث، “هنالك من الجزائريين من يقيم بفرنسا منذ العام الأول للاحتلال الفرنسي، في حين تشهد باريس حاليا ميلاد الجيل الخامس للمهاجرين”، وبين سنتي 1946 إلى 1972، شهدت الهجرة نحو فرنسا أعلى مستوياتها، وعقب مفاوضات إيفيان، منحت اتفاقيات 1968 إطارا مميزا وامتيازات أكبر للجالية من حيث شروط الإقامة والتجنس، يقول خنيسة.
ويعتقد أستاذ علم الاجتماع، البروفيسور يوسف حنطابلي، في إفادة لـ”الشروق” أن أحد أهم أسباب اختيار المهاجرين الجزائريين للوجهة الفرنسية، التقارب بين نمط المعيشة الجزائري والفرنسي، وعامل المناخ والطقس المتشابه، مقارنة مع إنجلترا وكندا وحتى دول الخليج، وأيضا إجراءات الحماية الاجتماعية التي تقترحها فرنسا وتعتبر جاذبة للمهاجرين، وفرص الزواج المتاحة لتسوية الوثائق، “فالجزائري يختار الوجهة الفرنسية لا شعوريا في بداية مشواره خارج الوطن”، يقول المتحدث.

كيف يبدأ النزوح؟
وبعيدا عن إجراءات طلب التأشيرة النظامية، عادة ما تبدأ هجرة الجزائري نحو فرنسا، باتصال هاتفي أو رسالة “فايسبوك”، مع قريب أو صديق مقيم بباريس أو أحد المدن الفرنسية، هؤلاء سيسهلون تنقل الوافد الجديد، ويعدون التحضيرات لاستقباله خلال الأيام أو الأشهر الأولى من تواجده بفرنسا، إلى غاية ظفره بسكن أو عمل وأجر ثابت، هو ما يؤكده سعيد بن رقية.
فريد زيامي أحد هؤلاء، بدأت رحلته إلى فرنسا شهر فيفري 2009، بالتواصل مع أحد أبناء حيه “باب الوادي” المقيمين بمرسيليا في فرنسا، هذا الأخير دعاه إلى القدوم هناك والبحث عن فرصة عمل تدر عليه أرباحا أكثر من تلك التي يجنيها من عمله كسائق بمؤسسة صحفية في الجزائر. تحصل فريد على تسهيلات من مالك الصحيفة التي يشتغل بها وشهادة عمل مكنته من الظفر بالتأشيرة للتنقل نحو فرنسا رفقة زوجته، إلا أن كلاهما لم يعودا إلى أرض الوطن، بعد انتهاء فترة الإقامة، ليتحولا في ظرف بضعة أشهر إلى “حراقة” بين مرسيليا وباريس ومدن فرنسية أخرى، أين يستقبلهما الأصدقاء والأقارب.
واشتغل الزوجان في مطاعم ملك لجزائريين مهاجرين، يقول فريد، إلا أنهما لم يتمكنا إلى غاية اليوم من تسوية الإقامة، رغم أنهما رزقا بأول طفل لهما بفرنسا سنة 2016، ويعترف فريد بفشل تجربته في الهجرة قائلا: “لو يعيد التاريخ نفسه، لن أفكر في مغادرة الوطن، فهنا أتعرض إلى الكثير من العنصرية دون وثائق ولا وظيفة ثابتة”.
أما لطفي غرناوط، رجل أعمال مقيم بفرنسا، يؤكد أن الدعم الذي تلقاه من أقاربه هناك في الأيام الأولى من مغادرته الجزائر سنة 2009 لم يستمر طويلا، واستطاع في بضعة أسابيع تسوية كل الوثائق، فتنقله إلى باريس كان بناء على استفادته من منحة دراسية هناك.

الانتقائية في التأشيرة
وتحوّل مؤخرا التعاطي مع ملف الهجرة إلى الانتقائية، أكثر من الكمية، وفق المحلل رخيلة، حيث يحظى رجال الأعمال وأرباب العمل والأطباء والمهندسيون بقبول هناك، في حين يتم رفض أولئك الذين لم يستفد منهم المجتمع الفرنسي في شيء.
وتكشف مصادر دبلوماسية فرنسية، عن مزايا في التأشيرة تمنح لفئات الطلبة خلال سنوات 2021 و2022، من خلال ردود إيجابية لمعظم الملفات.
وبشأن تقييم تجربة الهجرة الجزائرية في فرنسا، يؤكد باديس خنيسة أن هذه الأخيرة، تشمل فئتين، فئة “المهاجرين غير الشرعيين”، حيث يتمتع هؤلاء بفرص نجاح لا تزيد نسبتها عن الـ50 بالمائة، أما الفئة الثانية فتمثل النخبة والطلبة، والتي يعتبرها الفرنسيون خزان ثري من الرأسمال البشري، يؤثر بشكل ملحوظ في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
ويتمتع هؤلاء _ وفق المتحدث _ بفرص أسهل ومنافذ أكبر للظفر بمنصب عمل، بهدف المساهمة في إنجاح المخطط التنموي الفرنسي، الذي يعطي أهمية للنوابغ، وفق مبدأ شراكة رابح _ رابح.
ويحصي رئيس الاتحاد الوطني للجزائريين بالمهجر، سعيد بن رقية من إجمالي 5 ملايين جزائري مقيم في التراب الفرنسي، 150 ألف مهاجر غير شرعي _ أرقام تقريبية _ و20 ألف طبيب متخصص في المستشفيات الفرنسية، وفق رئيس مجلس أخلاقيات الطب محمد بقاط بركاني.
ويشدّد بن رقية على أن الفئات الأكثر نجاحا في فرنسا هم الأطباء، الطلبة، رجال الأعمال، أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التجار والموظفين في المؤسسات الفرنسية، في حين يجابه بالمقابل الشباب الذي لم يستطع تسوية وثائق الإقامة مشاكل بالجملة، ما جعل السلطات الفرنسية تعتمد أسلوب الانتقائية في منح التأشيرة.

المهاجرون خزّان استراتيجي
وتحول المهاجرون الجزائريون بفرنسا مع مرور الوقت، إلى خزان خبرات، يمكن للسلطات الجزائرية استغلاله خلال المرحلة المقبلة عبر تفعيل ما يصطلح على تسميته بـ”دبلوماسية المجتمع المدني”، خاصة في ظل البرنامج الاقتصادي الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي يحمل تسمية “الإنعاش الاقتصادي” يقول باديس خنيسة.
ويحصي المتحدث وجود 1.6 مليون وعاء انتخابي في فرنسا يمثله جزائريون فرنسيون “مزدوجو الجنسية”، و400 منتخب محلي، هم رؤساء بلديات ومستشارين بالمجالس المحلية لمدينة باريس وضواحيها، و20 ألف طبيب متخصص، ومهندسين ورؤساء مؤسسات يمكن الاستفادة من خبرتهم مستقبلا في الجزائر، إما عبر نقل استثماراتهم لأرض الوطن، أو مساهمتهم في تكوين الطلبة والموظفين الجزائريين.
ومن جهته، يقول لطفي غرناوط إنه مستعد للعودة والاستثمار في أرض الوطن، وتدشين شركات بالجزائر لإنتاج المواد الغذائية، إذا ما توفرت ظروف العمل المناسبة، وتلقى التشجيع اللازم، ويتعلق الأمر بالدرجة الأولى بتقليص البيروقراطية، مضيفا: “متحمس جدا للعمل بوطني، برنامج الإنعاش الاقتصادي الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية، وقانون الاستثمار الجديد قيد التحضير جعلاني أفكر في الاستثمار محليا.. أتمنى أن يتجسد المشروع قريبا”.

جزائريو فرنسا بين “اليمين” و”اليسار”
تنظر السلطات الفرنسية، بمختلف مكوناتها السياسية، إلى المهاجرين الجزائريين كخطر وافد من الجنوب ما عدا “النخبة” الذين تستفيد منهم في خدمة مؤسساتها، يقول أستاذ العلوم السياسية عامر رخيلة.
ومن بين نقاط الاختلاف، التي تعقد ملف هجرة الجزائريين، وتزيد تنامي رفض العديد من السياسيين الفرنسيين لها، القضايا العالقة بين الطرفين، المرتبطة بملفات الذاكرة والساحل والاستثمارات الاقتصادية والصحراء الغربية وحتى ملف المهاجرين غير الشرعيين، فهي عوامل تؤجج، حسبه، النقاش السياسي في كل مرة بين الجزائر وباريس، وتدفع بعض الجهات في فرنسا إلى اتخاذ إجراءات تقليص منح التأشيرة، خاصة في ظل رفض السلطات الجزائرية ترحيل المهاجرين غير الشرعيين.
وبين اليمين الذي لا يبدي صرامة حادة في معالجة ملف الهجرة، واليسار الفرنسي الذي غالبا ما يكون متشددا في قراراته ومواقفه ضد المهاجرين، خاصة من إفريقيا، يبقى الجزائريون بصفة عامة، غير مرحب بهم كوافدين جدد إلى فرنسا سنة 2022، وهو ما يترجمه تراجع أعداد التأشيرات السياحية الموزعة مؤخرا، وفق رخيلة.
ويرى رئيس الاتحاد العام للجزائريين بالمهجر سعيد بن رقية، بأن تعامل السلطات الفرنسية مع الجزائريين المقيمين بالمدن الفرنسية، يقوم عادة على مبدأ الحقوق والواجبات.
أما بخصوص ردود الأفعال الصدامية بين الشرطة والمهاجرين، التي كثيرا ما تظهر للعلن، فتمس في معظم الأحيان أولئك الشباب المتورطين في قضايا السرقة والمخدرات، وبعض التجاوزات ولا تشمل الموظفين والعمال والمقيمين النظاميين.
وعن اليمين المتطرف، يؤكد بن رقية وجود مشادة بين الفينة والأخرى بين أنصار ماري لوبان وبعض الجزائريين، خاصة وأن هذا الحزب معروف بعدائيته لكل ما هو إسلامي، ويجهر بذلك.
ويعترف لطفي غرناوط بوجود بعض أشكال العنصرية أحيانا ضد الجزائريين بفرنسا، ولكنها لا تمس الجميع حسبه، فحملة الشهادات والقيمة المضافة يحظون بالتقدير، كما أن سلوكات الكراهية ممارسة حسبه بصفة خاصة من طرف أنصار اليمين المتطرف.

مقالات ذات صلة