الحب السائل والإسلام… سيولة العاطفة وصلابة الميثاق
بعدما تناولنا في المقال السابق ملامح الحداثة السائلة عند زيغمونت باومان، ثم حاولنا أن نقرأها في ضوء الثقافة الإسلامية التي تملك أدوات مختلفة لمواجهة التفكك المعاصر، ننتقل اليوم إلى فصل آخر من فصول السيولة التي تطال أعمق مشاعر الإنسان، وهو الحب، ذلك الشعور الذي كان في الأزمنة الماضية يُنظر إليه باعتباره رابطة متينة، فإذا به اليوم يتحوّل إلى عاطفة معلقة بين الرغبة في القرب والخوف من الالتزام.
حين نشر باومان كتابه “الحب السائل” عام 2003، لم يكن يخطّ كلمات أقرب إلى التنبؤات، وإنما كان يرسم بدقة صورة الواقع الذي بدأ يتجذر آنذاك وأصبحنا نعيشه بكل تفاصيله اليوم، نحن الذين نحمل في جيوبنا هواتف مليئة بتطبيقات التعارف التي تتيح لنا الانتقال من علاقة إلى أخرى بخفة لم يعرفها أسلافنا، نحن الذين نتأرجح في مسافة ملتبسة بين دفء القرب وقلق الانسحاب، كأننا في رقصة متكررة، نمد يدنا لنلمس الألفة ثم نتراجع سريعا وكأن الالتزام قيد لا يُطاق.
الفكرة المركزية التي يطرحها باومان أن الحب في زمن الحداثة السائلة فقد جذوره، فالعلاقات التي كانت تُبنى على العائلة والجيرة والعمل المشترك تحولت إلى روابط قصيرة العمر، قابلة للاستبدال، أقرب إلى السلع في الأسواق، حيث تُجرب وتُستهلك ثم تُترك جانبا عند ظهور بديل أكثر جاذبية، ومن هنا يتولد القلق الدائم الذي يلازم الفرد: هل العلاقة التي يعيشها قابلة للاستمرار حقا أم إنها مجرد محطة عابرة في طريق مليء بالتجارب العابرة؟
إننا نرى ذلك في حياتنا اليومية، حين نسمع عن علاقات تبدأ بشغف عبر تطبيقات التواصل وتنتهي فجأة دون أي تفسير، هذه الظاهرة لا تعبّر عن نزوة فردية، وإنما عن بنية اجتماعية كاملة تجعلنا نتعامل مع الحب بوصفه تجربة مؤقتة، فالعالم نفسه صار مؤقتا، الوظيفة مؤقتة، العهود والالتزامات مؤقتة… وحتى الهوية أضحت في نظر كثيرين مؤقتة، فلماذا يكون الحب مختلفا؟!
ويتوقف باومان عند التناقض الأعمق: الإنسان يتوق إلى الأمان والدفء، لكنه يخشى في الوقت ذاته أن يخسر حريته إذا التزم، فهو يريد علاقة تمنحه الطمأنينة من دون أن يضطر إلى دفع ثمنها بتنازلات أو قيود، ومن هنا يشبّه باومان العلاقات الإنسانية بخيط مشدود بين طرفين، لا هو ينقطع نهائيا ولا هو يُعقد عقدة ثابتة، وإنما يبقى متوترا وهشا في آن واحد.
ولكي يمنح تحليله بعدا نفسيا، يستحضر باومان أفكار فرويد الذي تحدث عن صراع أبدي بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع، ففي المجتمعات التقليدية كان مبدأ الواقع أكثر حضورا، فالعائلة والمجتمع والقوانين كانت تفرض الاستمرار، أما اليوم فقد تحرر مبدأ اللذة وصار يقود السلوك العاطفي، غير أن هذا التحرر لم يجلب الطمأنينة، وإنما ألقى بنا في حالة من الهشاشة القلقة، حيث الحرية المطلقة تعني أيضا القابلية الدائمة للفقدان.
إن أجمل تشبيهات باومان حين وصف الحب السائل بأنه خيط عنكبوت، قوي بما يكفي ليمسك طرفين لبعض الوقت، ولكنه رقيق للغاية بحيث يتمزق عند أول هزة، وهذا التشبيه يكاد يلخص مأساة الحب المعاصر: الرغبة في أن نكون معا، والخوف من أن نصبح أسرى لهذا الـ “معًا”.
لقد غيرت التكنولوجيا إيقاع الحب أيضا، ففي الماضي كانت رسالة مكتوبة على ورق تحتاج أسابيع لتصل، وكان طول الانتظار يضاعف قيمة العاطفة، أما اليوم، فالرسالة تصل في ثوان، وإذا لم يجب الطرف الآخر خلال دقائق يتولد شعور بالخذلان، وهكذا جعلت السرعة العلاقات أكثر هشاشة، لأنها لم تترك فسحة للتأمل والغياب اللذين كانا يغذيان الرغبة.
ومع ذلك، يعترف باومان بأن الصورة ليست قاتمة تماما، فقد منحتنا الحرية الحديثة إمكانيات لم تكن متاحة في الماضي، فلم يعد أحد مضطرا للبقاء في علاقة بائسة فقط لأن المجتمع يفرضها، وتحررت النساء من قيد كان يحبسهن في زيجات قسرية، غير أن هذه الحرية جاءت بثمن باهظ، وهو هشاشة الروابط، وتفشي شعور الوحدة في قلب الزحام، وأمور أخرى، نعلمها ولا نعلمها.
هنا نصل إلى سؤال جوهري: كيف يمكننا أن نفكر في الحب السائل من زاوية الثقافة العربية الإسلامية؟ إن الإجابة التي يقدمها باومان تنطلق من واقع غربي معين، لكنه لا يحتكر الوعي بالعلاقات الإنسانية، ففي المخيال الإسلامي نجد تصورا مختلفا تماما، حيث يُنظر إلى الحب لا باعتباره عاطفة منفلتة تتهددها السيولة، ولا باعتباره عقدة قسرية تقتل الحرية، وإنما باعتباره مشروع حياة يقوم على التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الرغبة والالتزام.
فمثلا، الزواج في الإسلام ليس مجرد عقد اجتماعي، وإنما هو ميثاق غليظ، يُبنى على المودة والرحمة والسكينة، أي أنه يحاول أن يحقق للإنسان ما يفتقده في زمن السيولة: شعورا بالأمان لا يلغي الحرية وإنما يعيد صياغتها في إطار شراكة متبادلة، وحتى الشعر العربي، في نزعاته العذرية والصوفية، قدّم الحب باعتباره سعيا إلى الاندماج الروحي وتجاوز الرغبة السريعة، وكأن الثقافة العربية الإسلامية تطرح بديلا أخلاقيا ورمزيا للحب السائل، بديلا لا يرفض العاطفة، وإنما يحولها من نزوة عابرة إلى معنى عميق.
إن النقد الإسلامي للحب السائل يتجلى إذن في كونه يرفض تحويل أعمق مشاعر الإنسان إلى سلعة قابلة للتبديل، ويصر على أن الحرية الحقيقية لا تعني الهروب من الالتزام، وإنما القدرة على اختيار الالتزام الواعي، حيث تصبح العلاقة الإنسانية مجالا لبناء السكينة لا مجرد تجربة مؤقتة تنتهي بضغط زر.
بهذا المعنى، فإن الإسلام يقدم بديلا يتجاوز مأزق السيولة، بديلا يذكّرنا بأن الحب ليس مجرد انجذاب عابر، وإنما بناء مشترك يتطلب الصبر والرحمة والمسؤولية، وهو ما يجعل الإنسان أقل هشاشة وأكثر قدرة على مواجهة الوحدة التي تفتك بالمجتمعات الحديثة.
الحب السائل، كما رآه باومان، هو مرآة لعصرنا المليء بالهشاشة، غير أن الثقافة العربية الإسلامية تدعونا إلى أن نحلم بحب مختلف، حبٍّ لا يُلغى فيه القرب باسم الحرية، ولا يُقتل فيه الشغف باسم الالتزام، وإنما يُصاغ في ميثاق يجعلنا أكثر إنسانية في زمن يتفتت فيه الإنسان، وإن أسمى درجات الحب، حيث النقاء والرفعة، والسمو هو حب الله والحب فيه.