الحثالة
أثارت المادة 51 مما يسمى “مشروع الدستور” جدلا بين الجزائريين، فمنهم من اعترض عليها، وأكثرهم محبّذ لها.
إن هذه المادة تمنع الحاصلين على جنسية أخرى إضافة إلى الجنسية الجزائرية أصلا من الترشح لرئاسة الجزائر… والمعترضون على هذه المادة هم من الحاصلين على جنسية أخرى… وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: “ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه..”.
وعبد الله هذا – كمواطن بسيط من هذه الأرض الطيبة، ومن هذا الشعب المجيد- من أشد المعترضين على أن يتولى أمر الجزائر من ولاؤه ليس خالصا لها، بل إن بعض الجزائريين ممن تحصلوا على جنسيات أخرى لظروف معينة أشد حبا وولاء للجزائر وأحرص على مصالحها من بعض “الجزائريين” الذين كشفتهم الأيام، وستزداد لهم كشفا..
لقد عثرت في مطالعاتي على رأي طريف لأحد علماء الجزائر فيمن يحصل من المسلمين على “الباسبور” الأجنبي، الذي هو رمز للجنسية ودليل عليها، والمقصود – طبعا- هو جنسيات الدول غير الإسلامية.. لأن المسلمين في حكم الإسلام “إخوة”، وأمة واحدة، وهم يد على من سواهم من غير المسلمين… ويسعى بذمتهم أدناهم..
هذا العالم الذي أعنيه هو الشيخ العربي المشرفي، من منطقة غريس القريبة من مدينة معسكر، وهو معاصر للأمير عبد القادر، وتقلب في علاقته معه بين الائتلاف والاختلاف، وقد لجأ إلى المغرب الأقصى، وبقي هناك حتى أتاه اليقين قبل نهاية القرن التاسع عشر ببضع سنين..
لقد بسط الشيخ العربي المشرفي رأيه في قضية حصول المسلم على جنسية دولة غير مسلمة في رسالة سماها “الرسالة في أهل الباسبور الحثالة”، وهي رسالة لمّا تطبع لحد الآن فيما نعلم.. ولكنها موجودة في مكتبة الشيخ محمد المنّوني، الذي ذكر ذلك في كتابه “مظاهر يقظة المغرب الحديث”. (سعد الله أبو القاسم: أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر. ج2. ص186).
والحثالة لغة هي “الرّديء من كل شيء”، وحثالة الناس هم أراذلهم وشرارهم، وقد جاء في الأمثال: “ما بقي من الناس إلاّ حثالة، لا يبالي بهم الله باله”.
إن سبب كتابة المشرفي هذه الرسالة هو ما شاهده من لجوء بعض المغاربة إلى القنصليات الأجنبية في المغرب طلبا للحصول على “الباسبور” فرارا من ظلم أصحاب النفوذ…
إن بعض الجزائريين حاصلون على جنسية أخرى لظروف ألجأتهم إليها، والقاعدة أن “الضرورة تقدّر بقدرها”.. وهم أصدق وطنية من الذين يخربون الجزائر، ويهربون أموالها، ويشترون عقارات بالأموال المهربة أو بأموال الرشوة الخارجية..