الرأي

الحجر الربّاني

ح.م

 التقى الرئيس الإيراني حسن روحاني، والرئيس التركي رجب أردوغان، في هدف واحد في حربيهما على فيروس كورونا، على جعل هلال شوال، عيدين للفطر والانتصار على الوباء، والتقيا في كون شهر رمضان هو فرصة العمر، لتحقيق الانتصار، مستلهمين من انتصارات المسلمين الكبرى في هذا الشهر العظيم، خاصة أن مدة شهر كامل من الحجر على الشهوات، ستكون كافية لخروج أي بلد إسلامي من المحنة، مستلهما بعضا من فرائض وسنن الصيام مثل التقوى والصبر وضبط النفس، وستكون التهاني لها مغزى كبيرا في عيد الفطر، عندما يدرك المسلم ويذكر بأن انتصاره على العدو المخفي والمجهول، تحقق في شهر غزوة بدر وفتح مكة وحطين وعين جالوت وفتح القسطنطينية.

إذا لم يحقق الحج هدف المنافع الكبرى للناس، والصلاة هدف النهي عن الفحشاء والمنكر، والصوم هدف التقوى، كما جاء في القرآن الكريم، فإن هذه الفرائض، ستبقى مجرد أركان حركية وقولية من دون معنى، وإذا عجز الإنسان عن التغلب على نفسه “الأمّارة بالسوء”، وكسَر الحجر من أجل “الزلابية” أو “قلب اللوز”، فسيكون قد فشل في تحقيق حلم الآخرة، كما فشل في تحقيق حلم الدنيا.

الانتصار على فيروس كورونا لا يحتاج، إلى اقتصاد قوي أو ترسانة عسكرية تدكّ الأرض وتخترق الأجواء وتشقّ البحار، ولا إلى منظومة صحية عملاقة، وإنما إلى جلد وصبر وهدوء والتزام. ولو عصف هذا الوباء بأسلافنا وعلموا سهولة القضاء عليه، لدفنوه في أسبوعين بالحجر وأحيوا أنفسهم مدى العمر، ومن غير المعقول أن تخفّ عواصف الوباء على جنوب البحر الأبيض المتوسط مقارنة بشماله برحمة من الله، ونزيد نحن بـ”إهمالنا” في هبوبها، ونمنحها فرصة لموجة ثانية قد تكون أكثر شراسة، ونجعل من الذروة عندنا منحنيات ترقص صعودا ونزولا بمشاعرنا، فلا نحن فهمناها إن كانت بداية للانتشار أم ذروة أم احتضار للفيروس، الذي عرف مساره في كل مكان، وبقي بيننا دواليك.

لم يكن أبدا شهر رمضان أياما معدودات لتناول ما لذّ وما طاب، وسهرات للـ”بوقالة” ولعبة “الدومينو” ومتابعة الكاميرا الخفية والمسلسلات الضاحكة، بل مدرسة للصبر على مختلف الشهوات والنزوات، وامتحان للإنسان، يكون الفوز به نجاحا يستثمره في امتحانات دنيوية أخرى، تجعله قادرا على مقارعة بقية الأمم والتفوق عليها في مختلف المجالات. والذي يقرأ كيف سيّر الرسول صلى الله عليه وسلم غزوة بدر الكبرى في يوم رمضاني حار، وكيف انسجم معه الصحابة، وحققوا النصر الكاسح، يشعر بالخجل، ونحن عاجزون عن الانتصار على “فيروس” بالبقاء في المنزل، والذي يتصفح بطولات محمد الفاتح وجنوده وهم يفتحون القسطنطينية في يوم رمضاني مُرهق، يدرك لماذا فتحت كورونا أرضنا وقتلت من أبنائنا المئات ونحن في استهتارنا عامهون.

أليس من المؤلم والمخجل، أن تُغلق المساجد وتتعطل صلاة الجماعة، وتُغلق المصانع والورشات ويتعطل العمل الذي هو أساس الاقتصاد، وتًشلّ المدارس التي منها ينبعث الأمل، ويبقى الشارع وحده متوهّجا، حيث لا عمل ولا علم … ولا دين!

مقالات ذات صلة